في زحامِ الحياةِ وتدافعِ المصالح، يظنُّ الكثيرون أنَّ الفطنةَ المطلقةَ والتدقيقَ في تفاصيلِ الأمورِ هما قمةُ النضجِ والذكاء. ولكنَّ في ميزانِ الكِرامِ وأهلِ المروءاتِ، تختلفُ المقاييسُ تماماً؛ فمن كمالِ المروءةِ ورُقيِّ النَّفسِ أنْ تتعدَّى طيبتُك ذكاءَك، وأنْ تسبقَ إنسانيتُك رَجاحةَ عقلِك، فتتغافلَ عن الزَّلاتِ، وتتجاوزَ عن الهفواتِ، لا عن عجزٍ أو سذاجة، بل عن ترفُّعٍ وسمو.
لقد كان سلفُنا الصالحُ يكرهونَ في الرجلِ "أخلاقَ التُّجَّار"، تلك الأخلاقُ التي تقومُ على المُماكسةِ، والمحاسبةِ الدقيقةِ، والنظرِ في دقائقِ الأمورِ واستقصاءِ الحقوقِ إلى آخرِ درهم. وفي المقابل، كانوا يُحبُّونَ أنْ يُقالَ في الرَّجلِ: "فيهِ غفلةُ السَّادة!"؛ وهي غفلةٌ مُفتعلة، وتعامٍ مقصودٌ عن الصغائر، يحفظُ الودَّ، ويُبقي على أواصرِ المحبة، ويقي النفوسَ شرَّ التباغض.
وللهِ درُّ الشاعرِ حينَ لخَّصَ هذه المعاني العظيمة في بيتٍ تناقلتهُ الأجيال، قائلاً: واستَمطِروا مِن قُرَيشٍ كُلَّ مُنخَدِعٍ إِنَّ الكَريمَ إِذا خادَعتَهُ اِنخَدَعا فالكريمُ يرى الخديعةَ واضحةً جليّة، لكنه يختارُ بملءِ إرادتهِ أن ينخدع، صوناً لماءِ وجهِ السائل، وحفظاً لكرامةِ المُخطئ، وإبقاءً على حبلِ الودِّ ممدوداً. إنه نُبلُ التجاهلِ الذي لا يُتقنهُ إلا الكبار. وتتجلى هذه المعاني في أبهى صُورِها في سيرةِ الصحابةِ الكرام. فهذا عبدُ الله بن عمر -رضي الله عنهما- كان يُعتقُ عبيدَهُ الذين يراهم يُكثرونَ من الصلاةِ والعبادةِ في المسجد. فقيل له ذات يوم مُشفِقاً: "إنهم يخدعونك!"؛ أي يتظاهرون بالتقوى ليُعتقهم. فما كان من هذا السيدِ النبيلِ إلا أن أطلقَ مقولتهُ الخالدةَ التي تُكتبُ بماءِ الذهب: "مَنْ خَدَعنا باللهِ.. انخدَعنا له". إنها ليست غفلةَ الجاهل، بل هي تعظيمٌ لاسمِ الله، وسموٌّ بالنفسِ عن التفتيشِ في النوايا، وتركٌ للسرائرِ إلى خبيرِ السرائر.
وكان داهيةُ العربِ وحليمُهم، معاويةُ بن أبي سفيان -رضي الله عنه-، مضربَ المثلِ في هذا الباب. فرغمَ دهائهِ السياسيِّ الفذِّ الذي قادَ بهِ أمةً، إلا أنه كان يتوسَّدُ التغافلَ ويجعلهُ منهجَ حياة. كان يُدرك أنَّ التدقيقَ يُفسدُ الوداد، فكان يقول: "العقلُ مكيالٌ؛ ثلثهُ الفطنة، وثلثاهُ التغافل". وكان يحتملُ جفاءَ الأعراب، وقسوةَ الخصوم، فيتجاهلُ إساءاتهم كأنه لم يسمعها، حتى حوَّلَ بغضَهم إلى محبة، وعداوتَهم إلى ولاء. أدركَ معاويةُ أنَّ السيادةَ لا تدومُ بالمحاسبةِ والمُعاقبة، بل بسعةِ الصدرِ وغضِّ الطَّرف، وأنَّ التغابيَ في موضعِ الحِلم هو قمةُ العقل. في عصرٍ طغتْ فيهِ الماديات، وباتَ الشكُّ والتدقيقُ سِمةَ العلاقات، ما أحوجنا إلى استعادةِ "غفلةِ السَّادة". أنْ نُغمضَ أعيننا قليلاً عن هفواتِ الأصدقاء، وأنْ نتنازلَ عن بعضِ مكاسبنا الشخصية لتدومَ المودَّة. فكما قيل: "ليسَ الغبيُّ بسيدٍ في قومهِ، لكنَّ سيِّدَ قومهِ المُتغابي".
فهلّا سألنا أنفسنا: متى كانت آخرُ مرةٍ سمحنا فيها لِطيبتنا أنْ تنتصرَ على ذكائنا، ولإنسانيتنا أنْ تتجاوزَ حساباتِ عقولنا؟
