رجوع إلى البحوث التربية والسلوك والإصلاح

معراج القلوب في تقلّب الدروب

التربية والسلوك والإصلاحدقيقتان للقراءة٢٩٨ كلمة

"الحمدُ للهِ مُقلِّبِ القلوبِ والأبصار، ومُقَدِّرِ الليلِ والنهار، الذي خلقَ الإنسانَ من طين، ونفخَ فيهِ من روحِهِ اليقين، وجعلَ في النفسِ البشريةِ أسراراً تحارُ فيها الأفكار، وتتوهُ في بَيدائِها الأنظار.

أمَّا بعد.. فإنَّ حديثَ الروحِ للروحِ قوت، ومَن لَم يفقَه لغةَ مشاعِرهِ فقد فاتَهُ الفهمُ وفات، وعاشَ في شتات. فهذا نداءٌ لكلِ لبيب، يسعى لتهذيبِ النفسِ والتقريب، نخطُّهُ بمدادِ الحكمة، ليكونَ سراجاً في الظلمة.

فالإنسانُ في لُجَّةِ الحياةِ سابح، تتقاذفُهُ من الأقدارِ جوائح، وبينَ عُبابِ المشاعرِ كافح؛ فبينَ فرحٍ يُعْليه، وحُزنٍ يُبْلِيه، وخوفٍ يُضْنيه، وقلقٍ يُعَنِّيه.. تلكَ جِبِلَّةٌ خُلِقَ عليها، وفطرةٌ صارَ إليها.

بيدَ أنَّ اللبيبَ الأريب، لا يفرُّ من شعورٍ قريب، بل يواجهُهُ بقلبٍ منيب؛ عالِمًا أنَّ البقاءَ للأحوالِ مُحال، وأنَّ الثباتَ الزائفَ محضُ خيال. وهنا يتجلى النُّضجُ في أبهى حُلَلِه: إذ يوقنُ أنَّ الفرحَ ضيفٌ راحل، وأنَّ الحزنَ مُعلِّمٌ فاضل، وأنَّ في طيَاتِ التجاربِ دُروساً للواصِل.

فمن ساسَ قلبَهُ بالحكمةِ ساد، ومن قادَهُ انفعالُهُ حادَ وباد. والعارفُ أنَّ السرورَ ليس كسبًا من يديه، بل فضلٌ من اللهِ أُسبِغَ عليه؛ عاشَ بالتواضعِ موصولاً، وعنِ الكِبْرِ مفصولاً.

فكلُّ خفقةٍ واختلاج، وكلُّ ضيقٍ وانفراج، رسالةٌ من الخلّاق، ودعوةٌ لمكارمِ الأخلاق؛ ليتحلّى العبدُ بالصبرِ الجميل، والشكرِ الجزيل، موقناً أنَّ التدبيرَ بيدِ العزيزِ الجليل.

فليسَ القويُّ من لا يعثرُ في المسير، بل من أحسنَ لقلبِهِ التدبير؛ فصاغَ من الفرحِ شكرًا، ومن الحُزنِ ذُخرًا، ومن الخوفِ أمنًا ويُسرًا، راسمًا بحياتِهِ لوحةً من الحكمةِ والرحمة، تنجيهِ من كلِّ غُمَّة.

وختاماً.. اعلم أنَّ العُمرَ رحلةٌ قصيرة، والمشاعرَ فيها محطاتٌ كثيرة، فلا تجعل محطةَ الحزنِ مُستقرَّك، ولا محطةَ الفرحِ مَغَرَّك. فيا أيُّها السائرُ في دروبِ الأقدار، اجعل من قلبِكَ بوصلةً تُشيرُ دوماً إلى الواحدِ القهّار، فلا تأسَ على ما فات، ولا تفرح فرحَ خُيلاءٍ بما هو آت، وكُن عبداً ربانياً في السكونِ والحركات.

أسألُ اللهَ أن يملأَ قلوبَكم بالسكينة، ونفوسَكم بالطمأنينة، وأن يجعلَ عواقبَ أمورِكُم إلى خيرٍ وفضيلة. وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين."

شارك المقالة

Scroll to Top