رجوع إلى البحوث التربية والسلوك والإصلاح

نافذة النور: حينما يبصر القلب

التربية والسلوك والإصلاحدقيقتان للقراءة٣٧٤ كلمة

إذا أظلمتْ عليكَ المسالك، وأحاطتْ بكَ المهالك، وضاقتْ حِيلُكَ عن إدراكِ المُراد، فاجعلْ حُسنَ الظنِ بالله زادَك، واليقينَ به عتادَك. فحُسنُ الظنِ ليس مجردَ كلمةٍ تُقال، ولا أمنيةً تجولُ في الخيال، بل هو عبادةُ القلبِ الذي يرى اللهَ أكبرَ من كلِّ همّ، وأرحمَ من كلِّ أمّ.

إنه تلك النافذةُ المفتوحةُ نحو السماء، حينما تُغلقُ أبوابُ الأرضِ في وجوهِ الضعفاء. هو أن تعلمَ يقينًا أنَّ المنعَ عينُ العطاء، وأنَّ في طيَّاتِ البلاءِ ألوانًا من اللطفِ والخفاء.

مرآةُ العطاء

اعلم -يا صاحبَ القلبِ الموقن- أنكَ تتعاملُ مع ربٍّ كريم، جوادٍ عظيم، يقولُ في حديثهِ القُدسي: ((أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي)). فإنْ ظننتَ بهِ خيراً، فاضَ عليكَ خيرُه كالغيثِ المِدرار، وإنْ توقّعتَ الجميلَ، أتاكَ الجميلُ من حيثُ لا تحتسبُ ولا تختار. فاللهُ جلَّ جلالُه يعاملُ عبادَه على قَدْرِ ظنونِهم، فوسِّعْ في رجائِكَ المدارك، ولا تحسبنَّ اللهَ ينسى مَن في لُطفِه شارَك.

وكما قيل في روائعِ الشعر:

وَإِنِّي لَأَدْعُو اللهَ أطلبُ عَفْوَهُ ... وَأَعْلَمُ أَنَّ اللهَ يَعْفُـو وَيَغْفِـرُ لَئِنْ عَظُمَتْ ذُنُوبِي فَلِي رَجَاءٌ ... بِمَغْفِرَةِ الإِلَهِ هُوَ الأَكْبَــرُ

خلفَ ستارِ الأقدار

إنَّ المُسيءَ الظنَّ بربّه يعيشُ في سجنِ المخاوف، يفسِّرُ كلَّ ريحٍ عاصف، وكلَّ حدثٍ جارف، على أنه عقوبةٌ وحرمان. أما المُحسنُ الظنَّ، فيرى في الكسرِ بدايةَ الجبر، وفي العُسرِ مقدمةَ اليُسر. يرى أنَّ اللهَ ما زوى عنه الدنيا إلا ليدّخرَ له ما هو أبقى، وما أذاقَهُ مرارةَ الدواءِ إلا ليشفيهِ من داءٍ كان بهِ سيشقى.

فكم من مِحنَةٍ في باطنِها مِنحَة، وكم من نقمةٍ كانت هي عينَ النعمة، ولكنَّ قِصَرَ نظرِ الإنسانِ يُعميه، وعجَلَتَهُ تُرديه.

أدبُ الرجاء

تأدَّبْ مع اللهِ في بلائك، وارفعْ سقفَ توقعاتِك في دعائك. لا تقل: "كيف يُفرِّجُها وهي مستحيلة؟"، بل قُل: "سيُفرِّجُها وإنْ عزَّتِ الوسيلة". فالأسبابُ عندَنا تحكُمُها قوانينُ الطين، وعندَ اللهِ تحكُمُها كافٌ ونون (كُن فيكون).

يقولُ الشاعرُ مُترنماً بحُسنِ الظن:

أَحْسِنْ بِرَبِّكَ ظَنًّا إِنَّهُ حَسَنٌ ... لَا يَعْقُبُ الظَّنَّ إِلَّا مِثْلُ مَا ظَنَنَا فَازَ الَّذِينَ رَأَوْا خَيْرًا بِخَالِقِهِمْ ... وَخَابَ مَنْ بِسِوَى الرَّحْمَنِ قَدْ رَكَنَا

خاتمة: اطمئن.. اللهُ عندَ ظنِّك

ختاماً.. علِّقْ قلبَكَ بمن بيدِه مقاليدُ الأمور، واطردْ وساوسَ الشيطانِ والشرور. فمادامَ اللهُ ربَّك، والرحمةُ صفتَه، والقدرةُ شأنَه، فلا تخشَ بخساً ولا رهقاً. عِشْ حياتَك وأنتَ موقنٌ بأنَّ الغدَ يحملُ بينَ طيَّاتِه الفرج، وأنَّ اللهَ سيُبدلُ حالَك لأحسنِ حال، لا لشيءٍ، إلا لأنهُ الله.. ولأنكَ ظننتَ بهِ خيراً.

فنمْ وقريرُ العينِ يشهد: ما خيَّبَ اللهُ عبداً، كانَ بهِ حَسَنَ الظنِّ أبدًا.

شارك المقالة

Scroll to Top