بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، وعليه نتوكل، وهو حسبي ونعم الوكيل. الحمد لله الذي جعل الحق أبلج، والباطل لجلج، ورفع منار الدين، وأعز به المؤمنين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، الذي جاهد في الله حق جهاده، وصدع بالحق ولم يخش في الله لومة لائم، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فهذه مقامة سميتها "المتساقطون على الطريق"، سطرتها بمداد القلب، ووشيتها بدموع العين، لتكون تذكرة للسالكين، وعبرة للمعتبرين، في زمن عز فيه الناصر، وكثر فيه الخاذل، وتهاوى فيه الرجال، كما تتهاوى أوراق الشجر في الخريف. وهي قصة ثلة قليلة، آمنت بربها، فزادها هدى، وقالت للظالم يا ظالم، يوم سكت الناس، وأكملت الطريق يوم هرب الكثير، فكان لها من الله الرضى، ومن نبيه البشرى، مع ثلة قليلة دون الغثاء، فنسأل الله تعالى الثبات، وأن نكون من الفئة التي في الحديث "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على الحق لا يضرهم من خذلهم" (متفق عليه).
في سيري في مناهضة الظلم والطغيان
حدثنا الحارث بن همام قال: لماادلهمت الخطوب، وتوالت الكروب، وعم الظلم والفساد، واستشرى في البلاد والعباد، قمنا لله قيام صدق، وقلنا كلمة حق، عند سلطان جائر، لم نخش بطشه الغادر، ولا كيده الماكر. سلكنا طريقاً وعراً، محفوفاً بالمخاطر، مليئاً بالأشواك والعقبات، وقلنا للظالم يا ظالم، يوم صمتت الألسن، وخرست الأفواه، وجفت الأقلام. حملنا أرواحنا على أكفنا، ومضينا في طريق لا يثبت فيه إلا الصابرون، ولا يصمد فيه إلا الموقنون، بوعد الله للمستضعفين، ونصره للمؤمنين. قال تعالى: "وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" (آل عمران: 139).
المحن والابتلاءات
وما إن صدعنا بالحق، حتى تكالبت علينا قوى الشر، ورمتنا عن قوس واحدة، فتعرضنا للاعتقال والتنكيل، وذاق بعضنا مرارة السجون، وقضى آخرون نحبهم تحت سياط الجلادين. فارقنا الأهل والأحباب، وهجرنا الديار والأوطان، وحُرمنا من رؤية فلذات الأكباد. لم تسلم أعراضنا من الافتراء، ولا سمعتنا من الدجل، فصُوّرنا في عيون الناس خونة وعملاء، ومأجورين وأجراء. ولكن هكذا طريق المصلحين، مليء بالشوك، محفوف بالمكاره، قال تعالى: "وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ" (البقرة: 155-156).
الثبات رغم التساقط
وفي خضم هذه المحن، تساقط الكثيرون على الطريق، فمنهم من آثر السلامة، وركن إلى الذين ظلموا، فكان مصيره كما قال تعالى: "وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ" (هود: 113). ومنهم من باع دينه بدنياه، وساوم على مبادئه، فخسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين. أما نحن، فثبتنا على الحق، لم نساوم، لم نداهن، لم نمارِ، لم نجامل، بل قلناها كلمة مدوية: لا للمساومة على ديننا، لا للمداهنة في عقيدتنا، لا للمماراة في مبادئنا، لا للمجاملة على حساب ثوابتنا. كنا كما قال الشاعر: إذا لم يكن من الموت بدٌّ فمن العجز أن تموت جبانا
البشارة والأمل
وبينما نحن في غمرة الكرب، وظلمة الليل، جاءتنا البشارة من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، بالرضى مع ثلة قليلة دون الغثاء في رؤى صادقة واحاديث ساطعة، فقال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" (متفق عليه). فاستبشرنا خيراً، وأيقنا أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً. قال تعالى: "فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا" (الشرح: 5-6).
فازداد عزمنا، وقويت شوكتنا، ومضينا في طريقنا، لا نلوي على شيء، حتى يأذن الله بالنصر، أو نموت دونه.
في وصف الطائفة المنصورة
فيا لها من طائفة مباركة، قليلة العدد، عظيمة القدر، ضعيفة الحيلة، قوية الإيمان، فقيرة المال، غنية القلب، مهجورة من الناس، محبوبة عند الله. هم كالنجوم في السماء، قليلون لكنهم مضيئون، وكالملح في الطعام، يسير لكنه مؤثر. لا يضرهم من خذلهم، ولا ينفعهم من نصرهم، إلا بإذن الله. هم الغرباء في زمن الغربة، والصادقون في زمن الكذب، والثابتون في زمن التقلب، والصابرون في زمن الجزع. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ غريباً، فطوبى للغرباء" (مسلم).
هم الذين إذا رأوا منكراً غيروه، وإذا سمعوا باطلاً أنكروه، وإذا دُعوا للحق أجابوه، وإذا أُمروا بالمعروف فعلوه. لا يخافون في الله لومة لائم، ولا يرهبون من طاغية ظالم. قلوبهم معلقة بالمساجد، وأرواحهم تحن للجهاد، وأعينهم تذرف من خشية الله، وألسنتهم رطبة بذكر الله. هم الذين قال فيهم المولى عز وجل: "وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ" (الطلاق: 2-3).
في ذكر صفات المتساقطين: أما المتساقطون على الطريق، فهم أصناف شتى، وأنواع مختلفة. منهم من سقط لضعف في اليقين، ومنهم من سقط لحب الدنيا والمال، ومنهم من سقط خوفاً من السجن والنكال، ومنهم من سقط طمعاً في الجاه والمنال. هؤلاء هم الغثاء الذي كغثاء السيل، كثير العدد، قليل الجدوى، ضعيف الأثر، سريع الزوال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل" (أبو داود).
فمن المتساقطين من باع آخرته بدنياه، فخسر الصفقة، وندم على البيعة، ومنهم من آثر العاجلة على الآجلة، فحُرم من الخير كله. ومنهم من خاف الموت فمات قبل أجله، ومنهم من طلب الأمان فوقع في الخطر. هؤلاء هم الذين قال الله فيهم: "وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ" (الحج: 11).
اللهم إنا نسألك الثبات على دينك، والاستقامة على شرعك، والصبر على بلائك، والرضا بقضائك. اللهم اجعلنا من الطائفة المنصورة، التي لا تزال ظاهرة على الحق، لا يضرها من خذلها، ولا ينفعها من نصرها إلا بإذنك. اللهم قوِّ ضعفنا، واجبر كسرنا، وارحم غربتنا، وآنس وحشتنا، وفرج كربتنا، وأصلح أحوالنا. اللهم انصرنا على من ظلمنا، وأعنا على من عادانا، واهدِ من ضل منا، وثبت من اهتدى منا. اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ونعوذ بك من فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.
وختاماً، فإن طريق الحق وعر، وسبيل الهدى صعب، ولكن عاقبته حميدة، ونهايته سعيدة. فمن صبر ظفر، ومن ثبت نجا، ومن استقام وصل، ومن جاهد فُتح له. والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، ولا يخيب رجاء من توكل عليه، ولا يرد دعاء من التجأ إليه. فاصبروا واصطبروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، الذي علمنا الصبر والثبات، وعلى آله وصحبه الذين ساروا على نهجه، واقتفوا أثره، وماتوا على ملته، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
والحمد لله رب العالمين، الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله تُرفع الدرجات، وبرحمته تُغفر السيئات. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
