رجوع إلى البحوث التربية والسلوك والإصلاح

بين العقل والهم: شقاء العاقل ونعيم الجاهل

التربية والسلوك والإصلاح٤ دقائق للقراءة٦٢٥ كلمة

الحمد لله الذي رفع منزلة العقل وجعله سراجًا، وأنزل كتابه داعيًا إلى التفكر ومنهاجًا، والصلاة والسلام على من أوتي جوامع الكلم، ونطق بأفصح بيان وأعذب نغم، وعلى آله وصحبه مصابيح الدجى، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم اللقاء والرجى. أما بعد: فإن الله جل وعلا قد أودع في الإنسان سرًا عجيبًا، ووهبه نورًا ولطيفةً ربانيةً، بها يميز بين الحق والباطل، والضار والنافع، وتلك هي جوهرة العقل، التي بها كرّمه وفضّله، وعليها أناط به التكليف وأرسله. وقد قيل في الأثر: "ما أوتي أحدٌ أفضل من العقل"، وقالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "قد أفلح من جعل الله له عقلًا". فهو عمود السعادة، وأصل كل فضيلة ورشاد، ولو كان شجرة، لكانت من أحسن الشجر، كما قال الإمام ابن حبان. غير أن لهذه المنحة وجهًا آخر، ولهذه النعمة ثمنًا باهرًا، فالعقل بقدر ما هو مصدر للنور، فهو كذلك سبب للهموم والتفكير المستمر، وقد صدق من قال: "العقل والهم لا يفترقان".

فصاحب العقل الوقّاد، والفكر النقّاد، لا يزال قلبه في كد، وفكره في جد، يتأمل في أسرار الكون، ويتبصر في عواقب الأمور، ويحمل همّ المبدأ والمآل، ويشقى بما لا يشقى به أهل الغفلة والبطال. وهذا ما عبّر عنه ابن المعتز في قوله البليغ: [وَحلاوةُ الدُّنيا لِجاهِلِها .. وَمرارةُ الدُّنيا لِمَنْ عَقَلا] وهو المعنى الذي صاغه المتنبي في حكمة خالدة، حين قال: [ذو العَقلِ يَشقى في النَعيمِ بِعَقلِهِ .. وَأَخو الجَهالَةِ في الشَقاوَةِ يَنعَمُ] فالعاقل يرى بنور بصيرته ما وراء الحُجُب، فيدرك حقيقة الدنيا وأنها دار ممر لا دار مقر، وأن نعيمها زائل، وسرابها حائل، فيزهد في فانٍ، ويرغب في باقٍ، وهمّه يتجاوز حدود يومه، ليفكر في غده وأمسه، ويحمل همّ أمته، وهمّ آخرته. أما الجاهل، فقد أراح نفسه من هذا العناء، وألقى مرساة فكره في بحر من الغفلة والهناء، فعيشه رغد، وقلبه جمد، لا يرى أبعد من موطئ قدمه، ولا يفكر إلا في لذة يومه، فهو في شقاوة حقيقية، لكنه ينعم فيها لجهله المطبق، وغفلته التي تحيط به من كل جانب.

وقد دعانا القرآن الكريم في آيات كثيرة إلى إعمال هذا العقل، وحثنا على التفكر والتدبر، وجعل ذلك من صفات أولي الألباب، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 190-191]. فالعقل في الإسلام ليس أداة للمعرفة المادية فحسب، بل هو سلم للوصول إلى معرفة الله، ووسيلة لليقين والإيمان. وثمرته الحقيقية، كما قال الإمام ابن عقيل، "طاعة الله فيما أمرك ونهاك، وعدلك في معاملة الناس". ومن هنا نفهم أن شقاء العاقل ليس شقاءً مذمومًا، بل هو شقاء محمود، لأنه شقاء اليقظة والتأمل، وشقاء المسؤولية والهمة. إنه الكدح الذي يقود إلى الفلاح، والتعب الذي يورث الراحة الأبدية. وهو ما يجعل المؤمن العاقل صعب المرتقى على الشيطان، فكما قال وهب بن منبه: "إن الشيطان لم يكابد شيئًا أشد عليه من مؤمن عاقل".

أما نعيم الجاهل، فهو نعيم مذموم، لأنه نعيم الغفلة والبهيمية، الذي يعقبه الحسرة والندامة، وقد ذم الله المعرضين عن التفكر فقال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: 179]. فيا أيها العاقل، لا تأسَ على همّ يلازمك، ولا تحزن على فكرٍ يؤرقك، فإنما هو دليل حياة قلبك، وعلامة يقظة روحك. واعلم أن قوت العقل الحكمة، وغذاءه التجربة والفكرة، كما قال السلف: "العقل التجارب"، وهو ينمو بالتعلم والتحصيل. فاشحذ عقلك بنور الوحي، وصقله بالتفكر في آلاء الله، واحذر آفاته من العجب والكبر، فإنها تطفئ نوره، وتفسد أمره.وختامًا، فإن المفارقة العجيبة بين شقاء العاقل ونعيم الجاهل، هي في حقيقتها ميزان يزن قيمة الإنسان.

فشتان بين من يحيا بهمّ سامٍ وفكرٍ عالٍ، وإن قاسى في دنياه، وبين من يعيش في غفلة سادرة ونعيم زائل، وإن بدا للناس سعيدًا. فاللهم هب لنا عقلًا غريزيًا بنورك يشرق، وعقلًا مكتسبًا بالحق ينطق، واجعلنا من أولي الألباب الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والحمد لله رب العالمين.

شارك المقالة

Scroll to Top