رجوع إلى البحوث السياسة الشرعية والشأن العام

حَصَادُ الهَشِيم: فِي عَبَثِيَّةِ المُقَدِّمَاتِ العَتِيقَةِ وَالمُخْرَجَاتِ المُسْتَحِيلَة

السياسة الشرعية والشأن العامدقيقتان للقراءة٣٦٩ كلمة

عجباً لمن ينسج من خيوط الوهم ثوباً للرجاء، ولمن يقف على أطلال الأمس منتظراً بزوغ فجرٍ جديدٍ من رحم الظلام الدامس! إنّ قوانين المنطق الصارمة، وسنن الحياة الثابتة، تأبى أن تلد المقدماتُ المكررة سوى نتائج مستنسخة، فكيف نغالط العقل، ونُمنّي النفس بمخرجاتٍ نضرة، من رحم ذات المقدمات البالية؟

خيمياء الوهم: مقدمات مكررة لنتائج عقيمة

إنّ السياسة، شأنها شأن الطبيعة، لا تحابي أحداً ولا تتجاوز نواميسها. فكيف نؤمل مخرجاتٍ تنهض بالوطن وتُعلي من شأنه، ونحن لم نبارح ذات المقدمات التي أوردتنا موارد الهلاك؟

لقد عادت مسرحية "المحاصصة السياسية والطائفية" لتُعرض على خشبة الوطن بنفس النص القديم، وإن تبدلت بعض الوجوه أو أُعيد تدويرها.

إنها محاصصةٌ تنهش جسد الدولة، وتقسم مقدراتها كغنائم باردة في أروقة النخب، جاعلةً من الانتماء الضيق معياراً، ومن الولاء الأعمى مقياساً للكفاءة المزعومة.

من وراء الستار إلى سدة القرار: عسكرة التجارة في أروقة الوزارة

ولعل أشد فصول هذه المسرحية مرارةً، هو ذلك التحول السافر في أدوار اللاعبين. فبعد أن كان تُجّار السياسة ومقاولو الأزمات يديرون المشهد من خلف واجهاتٍ مستعارة، يحركون خيوط اللعبة من وراء ستار، ها هم اليوم يسقطون الأقنعة ليعتلوا سدة الوزارة بشكل مباشر.

لقد استحالت الحقائب الوزارية إلى صفقاتٍ تُبرم، وتحولت مكاتب الدولة إلى "بورصات" تخضع لمعايير الربح والخسارة الخاصة.

فكيف ننتظر من تاجرٍ، تعوّد أن يزن المواقف بميزان الذهب والفضة، أن يزن آلام الناس بميزان العدل والوطنية؟

كيف نرجو القطاف من أرضٍ قحلاء؟ كيف نؤمل ثماراً من أرضٍ ما زالت قحلاء، لم يلامس ثراها غيث الإصلاح، ولم تحرثها معاول التغيير الحقيقي؟

إن الأرض التي زُرعت بشوك الانقسام، وسُقيت بماء المحسوبية، لن تطرح فجأةً سنابل القمح وعناقيد العنب. البذرة الفاسدة لا تنبت شجرةً طيبة، والأرض الجدباء المنهكة من توالي مواسم الخيبة لا يمكن أن تهبنا ربيعاً مزهراً بمجرد تغيير لافتة الحقل!

كيفوكيف؟!

تتوالى الاستفهامات الدامية، تقرع أجراس الغفلة في العقول: كيف نرجو الخلاص بقواربٍ مثقوبة صُنعَت من ذات الخشب الذي أغرقنا بالأمس؟

كيف ننتظر العدل من موازين اختلت كفاتها يوم ارتضت المحاصصة بديلاً عن المواطنة؟

كيف نبني صرحاً جديداً بأيدٍ لم تتقن سوى فنون الهدم والمتاجرة؟

إن الخيبة الحقيقية لا تكمن في قسوة الواقع فحسب، بل في سذاجة من يتوقع نهاياتٍ سعيدة لقصةٍ كُتبت فصولها بحبر الفساد والمحاصصة. فلا جديد يُرتجى ما دامت المقدمات تُملي على النتائج شروطها، وما لم نقتلع جذور الشوك، فسنبقى أسرى ذات الألم، نلوك ذات الأسئلة، ونحصد ذات الهشيم.

شارك المقالة

Scroll to Top