ويزداد الالتباس حين توضع المسألة في صورة ثنائية حادة: إما سياسة أخلاقية مثالية لا تتنازل عن شيء، وإما سياسة واقعية ميكافيلية لا تؤمن إلا بالقوة والمنفعة والنتيجة.
وهذه الثنائية ليست صحيحة من جهة النظر الشرعي؛ لأن الإسلام لا يقر سياسةً تتجرد من الأخلاق، كما لا يقر أخلاقًا سياسيةً تتعامى عن القدرة والمصلحة والمآل. فالسياسة الشرعية ليست موعظةً مجردةً عن حركة التاريخ، وليست حيلةً براغماتيةً منفصلةً عن الوحي، وإنما هي:
«اجتهادٌ في تنزيل مقاصد الشريعة وأحكامها على واقع متغير، بحسب القدرة والاستطاعة، وبما يحقق أعظم المصالح الممكنة ويدفع أكبر المفاسد المقدور على دفعها.»
ومن هنا فإن السؤال الصحيح ليس: هل نقدم الأخلاق أم الواقع؟
بل السؤال الصحيح هو:
«كيف نحفظ أخلاق الشريعة ومقاصدها ونحن نتحرك داخل واقعٍ معقد، متفاوت القوى، محدود الإمكانات؟»
أولًا: تحرير محل النزاع
يشتمل النقاش المتقدم على عدد من المقولات الصحيحة، لكنها تحتاج إلى تحريرٍ يمنع تعارضها الظاهري.
فالقول بأن الأخلاق عمود السياسة الإسلامية قول صحيح من حيث الأصل؛ إذ لا سياسة شرعية مع الظلم والخيانة والغدر واستباحة الدماء والفساد والكذب المنهجي وتقديم المصالح الشخصية على مصالح الأمة.
والقول بأن القدرة والعجز والاستطاعة والمصلحة والمآل من أصول السياسة الشرعية قول صحيح كذلك؛ إذ الأحكام لا تنزل في فراغ، والتكاليف مرتبطة بالاستطاعة، والسياسة من أكثر مجالات الشريعة اتصالًا بالممكن والمتاح وتعارض المصالح والمفاسد.
والقول بأن مراعاة الواقع ليست هي الميكافيلية صحيح أيضًا؛ لأن الميكافيلية تجعل النجاح السياسي أو حفظ السلطة غايةً مستقلةً تبرر الوسائل، بينما تجعل السياسة الشرعية الغايات والوسائل معًا خاضعةً لمقاصد الشريعة وضوابطها.
وعليه فطرفا المناقشة لا يختلفان ـ في الحقيقة ـ على أصل وجوب الأخلاق، وإنما يقع الخلاف في ثلاثة أمور:
- ما المقصود بالأخلاق السياسية؟
- هل كل تنازل أو هدنة أو مهادنة أو تأجيل لحكمٍ ما يعد مخالفةً أخلاقية؟
- ما الحدود الفاصلة بين الواقعية الشرعية والانتهازية الميكافيلية؟
وهذه الأسئلة لا تجيب عنها لغة الشعارات، وإنما يجيب عنها التأصيل الفقهي المقاصدي.
ثانيًا: ما المقصود بالأخلاق السياسية في الإسلام؟
الأخلاق السياسية في الإسلام ليست مجرد الصراحة المطلقة، أو المواجهة الدائمة، أو رفض كل تنازل، أو تطبيق جميع الأحكام دفعة واحدة دون اعتبار للقدرة.
كما أنها ليست مجرد صفات فردية كاللين والكرم وحسن الخطاب، وإنما هي منظومة قيم حاكمة للسلطة والقرار العام، من أبرزها:
العدل، والأمانة، وحفظ الدماء، والوفاء بالعهود، وتحريم الغدر، والشورى، وصيانة المال العام، واحترام كرامة الإنسان، وتحقيق المصالح العامة، ومنع الاستبداد والفساد، وتقديم مصلحة الأمة على مصلحة الحاكم والحزب والجماعة.
قال تعالى:
«﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨].»
وقال سبحانه:
«﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨].»
فالعدل هنا ليس قيمةً وعظيةً هامشية، بل هو معيار شرعية القرار السياسي، حتى مع الخصوم والأعداء.
غير أن العدل لا يعني المساواة الحسابية في كل ظرف، ولا يعني أن يعامل الحاكم جميع الحالات بالطريقة نفسها. فقد تكون التسوية بين المختلفات ظلمًا، كما قد يكون التفريق بينها عين العدل.
ومن ذلك سهم المؤلفة قلوبهم الذي نص عليه القرآن الكريم ضمن مصارف الزكاة؛ فقد يعطي ولي الأمر بعض ذوي القوة أو النفوذ تأليفًا لقلوبهم أو اتقاءً لشرهم أو استجلابًا لنفعهم، مع وجود فقراء أشد حاجة منهم. وليس ذلك محاباةً شخصية، وإنما تصرف سياسي شرعي تحكمه المصلحة العامة.
فالفرق كبير بين:
أن يعطي الحاكم المال العام لأعوانه تثبيتًا لسلطانه الشخصي.
وأن يعطيه لمن يُرجى بإعطائه دفع فتنة أو حماية جماعة المسلمين أو استجلاب مصلحة عامة معتبرة.
الصورة المادية واحدة، وهي «إعطاء المال»، لكن الحكم الأخلاقي والشرعي يختلف باختلاف المقصد والمآل والجهة المستفيدة.
ولهذا فإن تعريف الأخلاق السياسية لا يصح أن يبنى على الانطباعات العامة أو الأعراف الإعلامية المعاصرة، بل على مقاصد الشريعة وقواعدها الكلية.
ثالثًا: الواقعية الشرعية ليست الواقعية الميكافيلية
ينبغي التمييز بين ثلاثة أنواع من الواقعية:
١. الواقعية الوصفية
وهي معرفة الواقع كما هو: موازين القوى، وإمكانات الدولة، وطبيعة المجتمع، وحجم التأييد والمعارضة، والاقتصاد، والتحالفات، والمخاطر الداخلية والخارجية.
وهذه المعرفة واجب شرعي؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولا يمكن إصدار قرار سياسي صحيح بناءً على واقع متخيل.
٢. الواقعية الشرعية
وهي التحرك في حدود الممكن لتحقيق أقرب الأحوال إلى مقاصد الشريعة، مع تقليل المفاسد، وحفظ ما يمكن حفظه، وتأجيل ما يتعذر إنجازه، والاستمرار في بناء القدرة اللازمة لتحقيقه مستقبلًا.
وهذه الواقعية من صميم الشريعة؛ لأنها تقوم على نصوص الاستطاعة والتدرج والموازنة والمآل.
قال تعالى:
«﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].»
وقال سبحانه:
«﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].»
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
«إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» متفق عليه.»
٣. الواقعية الميكافيلية
وهي التعامل مع القوة والمنفعة بوصفهما المرجعية العليا، بحيث يجوز للحاكم أن يكذب ويغدر وينقض العهود ويظلم ويستبيح الحقوق متى رأى ذلك مفيدًا لبقائه أو انتصاره.
وهنا يقع الفرق الجوهري.
فالواقعية الشرعية تقول:
«افعل من الخير ما تستطيع، وادفع من الشر ما تقدر، واختر أقل الضررين عند الاضطرار، مع بقاء الحرام حرامًا والظلم ظلمًا.»
أما الميكافيلية فتقول:
«افعل ما يوصلك إلى الغاية، ثم اجعل النجاح السياسي هو الذي يمنح الفعل شرعيته.»
السياسة الشرعية لا تقول إن الغاية تبرر الوسيلة، وإنما تقول إن الغاية الشرعية لا تُطلب إلا بوسيلة مشروعة في أصلها أو مأذون فيها عند الضرورة بقدرها.
فليس للحاكم أن يستبيح الدماء المعصومة بحجة حماية الدولة، أو ينهب الأموال بحجة تمويل المشروع، أو يغدر بالعهود بحجة الذكاء السياسي، أو يكذب على شعبه بلا ضرورة بحجة إدارة المعركة.
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله:
«الحرب خدعة».»
لكن هذا الإذن بالخداع الحربي لا يبيح الغدر؛ فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أيضًا:
«لكل غادر لواء يوم القيامة».»
فالخداع العسكري المشروع شيء، ونقض العهد والخيانة شيء آخر.
رابعًا: القدرة والعجز أساس في تنزيل الأحكام لا في إبطالها
من أهم ما ورد في المناقشة القول إن السياسة الشرعية تقوم على الموازنة بين القدرة والعجز. وهذه عبارة صحيحة، بشرط ألا يُساء استخدامها.
فالقدرة ليست مصدرًا للحكم الشرعي، لكنها شرط في إمكان تنفيذه.
وقد يكون الفعل واجبًا في أصله، لكنه يتعذر في وقت معين، فيسقط وجوبه مؤقتًا بالعجز، أو ينتقل المكلف إلى بدله، أو يؤدي منه ما يستطيع.
إلا أن سقوط التنفيذ بالعجز لا يعني سقوط الاعتقاد بشرعية الحكم، ولا جواز محاربته فكريًا، ولا تحويل العجز المؤقت إلى فلسفة سياسية دائمة.
وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مواقف:
الموقف الأول: من لا يستطيع تطبيق الحكم، فيقر بعجزه، ويحفظ أصل الحكم، ويسعى إلى بناء القدرة اللازمة له.
وهذا موقف شرعي.
الموقف الثاني: من يعجز عن التطبيق، فيدعي أن ما عجز عنه ليس من الشريعة أصلًا.
وهذا تحريف ناشئ عن ضغط الواقع.
الموقف الثالث: من يملك القدرة، لكنه يتذرع بالعجز والمصلحة ليحفظ امتيازاته أو تحالفاته.
وهذا تلاعب بالسياسة الشرعية.
فالاستطاعة لا تُقدَّر بالأوهام ولا بالرغبات الشخصية، وإنما تحتاج إلى معلومات صحيحة، وخبرة متخصصة، وشورى، ومقارنة بين البدائل، ودراسة للمآلات.
ولا يكفي أن يقول الحاكم: «قدرتنا لا تسمح»، كما لا يكفي للمعارض أن يقول: «كان يستطيع». بل لا بد من بيان طبيعة القدرة، وكلفة الفعل، والبدائل المتاحة، والمفاسد المتوقعة، ومقدار رجحانها.
خامسًا: صلح الحديبية نموذج للتناغم بين المبدأ والواقع
يُعد صلح الحديبية من أوضح النماذج النبوية في الجمع بين ثبات المبادئ والمرونة السياسية.
فقد قبل النبي صلى الله عليه وسلم شروطًا بدت لبعض الصحابة قاسية وغير متكافئة، حتى قال عمر رضي الله عنه متألمًا:
«فعلامَ نعطي الدنية في ديننا؟».»
ولم يكن اعتراض عمر رفضًا للوحي، بل كان نابعًا من غيرته وقوة يقينه بعدالة القضية. لكن رؤية النبوة كانت أوسع من ظاهر اللحظة؛ إذ رأت ما سيتيحه الصلح من أمنٍ وانتشار للدعوة وتحول في موازين القوى.
وقد وصف القرآن ذلك الصلح بقوله:
«﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١].»
فالمرونة في صياغة الوثيقة، وقبول كتابة «محمد بن عبد الله» بدلًا من «محمد رسول الله»، وقبول بعض الشروط غير المتكافئة ظاهريًا، لم يكن تخليًا عن النبوة ولا عن الحق.
لقد تنازل النبي صلى الله عليه وسلم عن صيغة كتابية وإجراء مؤقت، ولم يتنازل عن حقيقة الرسالة ولا عن مقصدها.
وهذا يقرر قاعدة دقيقة:
«يجوز التنازل عن بعض الوسائل والصور والمكاسب الجزئية إذا كان ذلك يحقق مقصدًا أعظم، ولا يجوز التنازل عن أصل الدين أو حق قطعي لا تسمح الشريعة بإهداره.»
ومن الخطأ أن يُنظر إلى صلح الحديبية بمنطقين متناقضين:
منطق مثالي يراه ضعفًا ودنية.
أو منطق ميكافيلي يراه دليلًا على جواز كل تنازل سياسي.
فهو ليس هذا ولا ذاك، وإنما هو اجتهاد نبوي محكوم بالوحي، وقراءة دقيقة لموازين القوى والمآلات.
سادسًا: مفاوضة غطفان وفقه دفع الخطر
عندما اشتد الحصار على المدينة يوم الأحزاب، تداول النبي صلى الله عليه وسلم إمكان مصالحة غطفان على جزء من ثمار المدينة مقابل انسحابها من التحالف المحاصر.
ثم شاور سعد بن معاذ وسعد بن عبادة رضي الله عنهما، فلما تبين له من كلامهما قدرة الأنصار على الصمود، لم يتم الاتفاق.
وهذه الواقعة تكشف عن جملة من الأصول:
أولها: أن بذل بعض المال لدفع خطر عسكري عظيم ليس ممنوعًا في ذاته إذا تحققت ضرورته ومصلحته.
وثانيها: أن تقدير العجز والقوة لا ينفرد به الحاكم بعيدًا عن أهل الخبرة وأصحاب الشأن.
وثالثها: أن السياسة الشرعية لا تتعلق بالفعل المجرد، وإنما تتعلق بظروفه وبدائله ومآلاته.
ورابعها: أن القرار قد يتغير بعد الشورى وظهور معلومات جديدة، وليس الرجوع عن الرأي ضعفًا، بل قد يكون عين الرشد.
وقد ذكر فقهاء المسلمين في أبواب الهدنة والجهاد جواز بذل المال للعدو عند الضرورة إذا عجز المسلمون عن دفعه، وكانت في ذلك حماية للنفوس والديار، على أن يظل ذلك إجراءً اضطراريًا مؤقتًا، لا نظامًا دائمًا ولا قبولًا بالاستتباع.
فالمال المدفوع في حال العجز ليس «جزيةً شرعية» بمعناها الاصطلاحي، ولا ينبغي تزيين الذل أو تسميته نصرًا، وإنما هو تحمل لمفسدة أخف لمنع مفسدة أعظم، مع وجوب إعداد القوة للخروج من حالة الاضطرار.
سابعًا: فقه المصالح والمفاسد هو عقل السياسة الشرعية
قرر العز بن عبد السلام أن مقصود الشرائع تحصيل المصالح ودرء المفاسد، ووسع في بيان مراتب المصالح والمفاسد وكيفية الترجيح بينها في كتابه قواعد الأحكام في مصالح الأنام.
وأكد الشاطبي أن المجتهد لا يكفيه النظر إلى مشروعية الفعل في ذاته، بل لا بد أن ينظر في مآلات تطبيقه؛ لأن الفعل قد يكون مشروعًا في أصله، ثم يترتب على تنزيله في ظرف معين فساد أعظم.
وبيّن ابن تيمية في السياسة الشرعية أن الولاية تقوم على أداء الأمانات والحكم بالعدل، وأن الواجب تحصيل الأصلح فالأصلح بحسب الإمكان.
وقرر ابن القيم أن السياسة العادلة هي كل طريق يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، ما لم تخالف نصًا أو أصلًا شرعيًا.
ومن مجموع هذه الأصول يتبين أن القرار السياسي الشرعي لا ينظر إلى سؤال واحد: «هل هذا الفعل جائز في ذاته؟»، بل ينظر إلى أسئلة متكاملة:
ما مصلحة الفعل؟
وما مفسدته؟
وما البدائل المتاحة؟
وما قدرة الدولة على تنفيذه؟
وما أثره القريب والبعيد؟
ومن يتحمل كلفته؟
وهل المصلحة عامة أم حزبية أو شخصية؟
وهل الإجراء مؤقت أم سيتحول إلى واقع دائم؟
وهل يؤدي إلى بناء القدرة أم إلى تكريس العجز والتبعية؟
فالسياسة الشرعية ليست فقه النص وحده، ولا فقه الواقع وحده، وإنما هي فقه النص وفقه الواقع وفقه التنزيل وفقه المآل.
ثامنًا: متى تتحول الواقعية إلى انتهازية؟
ليست كل دعوى للمصلحة مصلحةً شرعية، وليست كل مرونة حكمةً، وليست كل مهادنة فقهًا للواقع.
وتتحول الواقعية إلى انتهازية حين تظهر واحدة أو أكثر من العلامات الآتية:
١. انقلاب الوسيلة إلى غاية
كأن يكون التحالف المؤقت وسيلةً لدرء الخطر، ثم يتحول الحفاظ على التحالف إلى غاية تبرر التضحية بالمبادئ والمصالح العامة.
٢. تحويل الضرورة المؤقتة إلى سياسة دائمة
فالضرورة تقدر بقدرها، ولا يصح أن تستمر الاستثناءات بعد زوال أسبابها.
٣. توظيف المصلحة لحماية الحاكم أو الحزب
تصرف الإمام على الرعية منوط بمصلحتها، لا بمصلحة بقائه الشخصي ولا بمصلحة تنظيمه السياسي.
٤. غياب الشورى والمحاسبة
المصلحة التي يحددها شخص واحد لنفسه، دون رقابة أو أهل خبرة، أقرب إلى الهوى منها إلى الاجتهاد.
٥. الكذب المنهجي على الأمة
يجوز كتمان بعض الخطط العسكرية أو التفاوضية التي يضر كشفها، وتجوز المعاريض في مواضعها، لكن لا يجوز تحويل السياسة إلى صناعة دائمة للتضليل، أو بناء الشرعية على أخبار مختلقة ووعود يعلم الحاكم استحالة الوفاء بها.
٦. عدم بناء القدرة
من قبل تنازلًا اضطراريًا اليوم يجب أن يعمل للخروج منه غدًا. أما من يستخدم الضعف حجةً للتنازل، ثم لا يعد القوة ولا يبني الدولة ولا يعالج أسباب العجز، فقد حوّل الضرورة إلى وظيفة سياسية.
٧. إعادة تعريف المبادئ تبعًا للمصالح
السياسي الشرعي قد يقول: «هذا حكم شرعي لا أستطيع تطبيقه الآن».
أما الانتهازي فيقول: «ما لا أستطيع تطبيقه ليس من الدين»، أو: «ما يحقق مصلحتي هو التفسير الصحيح للدين».
تاسعًا: مخاطر المثالية السياسية المجردة
في مقابل الانتهازية، توجد مثالية سياسية قد تبدو أخلاقية في ظاهرها، لكنها تفضي إلى مفاسد خطيرة.
ومن مظاهرها مطالبة الدولة الضعيفة بما لا تقدر عليه، واعتبار كل هدنة خيانة، وكل تفاوض استسلامًا، وكل تدرج تمييعًا، وكل مراعاة للأقليات أو التوازنات تنازلًا عن الهوية.
وقد يؤدي هذا التفكير إلى إهلاك الناس وضياع ما تحقق من مصالح؛ لأن صاحبه يقيس السياسة بما ينبغي في حال القدرة الكاملة، لا بما يمكن في حال الضعف والانتقال.
وليس من الأخلاق أن يدفع السياسي شعبًا كاملًا إلى حرب يعلم أنه لا يملك أدواتها، ثم يسمي ذلك ثباتًا.
وليس من الشجاعة أن يقطع الحاكم وعودًا يعلم أنه غير قادر على تنفيذها.
وليس من الوفاء أن يرفع سقف الخطاب إرضاءً للجمهور، ثم يترك الناس يدفعون ثمن الفجوة بين الخطاب والإمكانات.
وقد قال تعالى:
«﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢-٣].»
ومن هنا فإن عدم التعهد بما يتجاوز القدرة قد يكون من الصدق والمسؤولية، لا من الجبن.
لكن استعمال الكلام المحتمل والمعاريض السياسية لا يكون مشروعًا بإطلاق؛ بل يشترط ألا يتضمن نقض عهد، أو أكل حق، أو تضليلًا للأمة في أمر يجب بيانه، أو إيقاع طرف بريء في ضرر.
فالسرية المشروعة غير الكذب، والغموض التفاوضي غير الخيانة، والمرونة الخطابية غير التلون في المبادئ.
عاشرًا: النظرية مرجعية وليست برنامجًا آليًا للتنفيذ
من العبارات الدقيقة الواردة في المناقشة أن المواعظ والمثل تمثل مرجعيةً وضابطًا لتنزيل الأحكام، وليست هي بذاتها نوع الأحكام المنزلة في كل ظرف.
وهذه الفكرة صحيحة إذا أُحسن التعبير عنها.
فالنظرية الشرعية تحدد:
ما العدل؟
وما الظلم؟
وما المصالح المعتبرة؟
وما الحدود التي لا يجوز تجاوزها؟
وما الغايات الكبرى للدولة؟
لكنها لا تعطينا دائمًا قرارًا سياسيًا تفصيليًا واحدًا يصلح لكل زمان ومكان.
فالقرار المتعلق بعقد هدنة، أو توقيت مواجهة، أو بناء تحالف، أو توزيع الموارد، أو ترتيب الإصلاحات، يدخل في مساحة الاجتهاد السياسي الذي تتغير أحكامه بتغير القدرة والظروف والمعلومات.
وقد يتفق سياسيان على المرجعية الإسلامية ثم يختلفان في تقدير المصلحة والمآل، فيصيب أحدهما ويخطئ الآخر، دون أن يكون المخطئ بالضرورة ميكافيليًا أو خائنًا.
ومن أخطر الأخطاء إسقاط أحكام النيات والانتهازية على كل اجتهاد سياسي لا نوافق عليه.
فالاجتهاد السياسي يُنقد ببيان خلل تصوره للواقع، أو ضعف تقديره للمصلحة، أو مخالفته لنص شرعي، أو إهماله للبدائل، أو سوء مآلاته، لا بمجرد إطلاق أوصاف التخوين والميكافيلية.
وفي الوقت نفسه لا يجوز تحصين السياسي من النقد بمجرد ادعائه أنه «يعمل بالممكن»؛ لأن فقه الممكن نفسه اجتهاد قابل للفحص والمراجعة.
حادي عشر: في تقويم التجارب السياسية المعاصرة
ورد في المناقشة الاستدلال بتصرفات أحمد الشرع نموذجًا للموازنة بين النظرية والقدرة في مرحلة انتقالية. وتتعامل جهات دولية رسمية معه في عام ٢٠٢٦ بوصفه رئيس سوريا في سياق انتقال سياسي لا تزال تحدياته الأمنية والمؤسسية قائمة.
والمنهج العلمي يقتضي ألا تتحول هذه الإشارة إلى تزكية مطلقة أو إدانة مطلقة.
فلا يصح أن يقال: كل ما يفعله هو من فقه القدرة؛ لأن الأشخاص لا يمنحون قراراتهم الشرعية بمجرد انتسابهم إلى مشروع إسلامي أو مرحلة انتقالية.
ولا يصح كذلك أن يقال: كل مهادنة أو تنازل أو خطاب مرن يصدر عنه هو ميكافيلية؛ لأن الدول الخارجة من الحروب والانقسامات تعمل عادةً داخل قيود شديدة التعقيد.
والتقويم الشرعي لأي قرار في التجربة السورية أو غيرها يحتاج إلى الإجابة عن أسئلة محددة:
ما حقيقة القدرة المتاحة؟
وما البدائل الواقعية؟
وما المفسدة التي يراد دفعها؟
وهل المصلحة المتحققة عامة أم فئوية؟
وهل التنازل مؤقت أم نهائي؟
وهل رافقه بناء للقوة والمؤسسات؟
وهل تم في إطار من الشورى والمساءلة؟
وهل حُفظت به الدماء والحقوق؟
وهل كان الخطاب صادقًا مع الأمة في حدود ما تسمح به المصلحة؟
وهل النتائج المتوقعة أرجح من المفاسد الناشئة؟
وبغير هذه المعلومات يصبح الحكم مجرد انطباع عاطفي، سواء أكان إعجابًا أم رفضًا.
السياسة الشرعية لا تقدس الحاكم، كما لا تجرّمه لمجرد تعقيد قراراته، وإنما تزن كل تصرف بميزان الشرع والقدرة والمصلحة والمآل.
ثاني عشر: النموذج المتكامل للسياسة الشرعية
يمكن تلخيص النموذج الإسلامي الراشد في أربعة أركان:
١. المرجعية
وتتمثل في نصوص الشريعة وقيمها القطعية ومقاصدها العامة، كالعدل والأمانة وحفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل والكرامة والنظام العام.
٢. المعرفة الواقعية
وتشمل إدراك موازين القوى، وتركيب المجتمع، والاقتصاد، والعلاقات الدولية، وطبيعة الخصوم والحلفاء، وقدرات الدولة الفعلية.
٣. الاجتهاد التنزيلي
وهو الربط بين الحكم والواقع، وتحديد الواجب الممكن، وترتيب الأولويات، واختيار الوسائل المناسبة، والموازنة بين المصالح والمفاسد.
٤. الرقابة الأخلاقية والمؤسسية
وتمنع تحول المرونة إلى تلاعب، والضرورة إلى استبداد، والمصلحة إلى هوى، والسرية إلى فساد، والتدرج إلى تعطيل دائم.
فالنظرية بلا معرفة الواقع قد تنتج قرارات مدمرة باسم المبدأ.
والواقع بلا مرجعية قد ينتج انتهازيةً ناجحةً مؤقتًا، لكنها تهدم الإنسان والدولة.
والاجتهاد بلا مؤسسات يتحول إلى مزاج شخصي.
والمؤسسات بلا أخلاق قد تتحول إلى أدوات منظمة للظلم.
خاتمة
لا تقوم السياسة الشرعية على الأخلاق وحدها إذا قصد بالأخلاق مجرد المواعظ المجردة، ولا تقوم على الواقع وحده إذا قصد بالواقع الخضوع لمنطق القوة والمنفعة.
إنها تقوم على أخلاقٍ تعرف الواقع، وواقعيةٍ منضبطة بالأخلاق.
فالأخلاق هي البوصلة التي تحدد الاتجاه، والواقع هو الأرض التي تسير عليها الدولة، والقدرة هي مقدار ما تستطيع قطعه، والمقاصد هي الغاية، وفقه المآلات هو الذي يحذرها من المهالك والانحرافات.
ولذلك فليس كل تنازل خيانة، وليس كل ثبات حكمة، وليس كل مرونة ميكافيلية، وليس كل خطاب أخلاقي سياسةً شرعية.
قد يكون التنازل الجزئي عين الوفاء بالمقصد الكلي.
وقد يكون رفع الشعار الأخلاقي وسيلةً للهروب من مسؤولية القرار.
وقد تكون الهدنة شجاعةً وحكمة.
وقد تكون المواجهة تهورًا وإهدارًا للنفوس.
كما قد تكون الهدنة جبنًا، والتنازل بيعًا للمبادئ، والتدرج ذريعةً لتعطيل الشريعة.
والفاصل بين هذه الصور ليس الاسم الذي يطلقه السياسي على فعله، بل حقيقة الفعل ومقصده وضوابطه ومآلاته.
إن السياسة الشرعية الراشدة هي التي تحمل المثال كاملًا في ضميرها، وتنزل منه في الواقع أقصى ما تسمح به القدرة، دون أن تكذب على الأمة، أو تقدس عجزها، أو تتخذ الضرورة وطنًا دائمًا.
وخلاصة الأمر:
«الشريعة لا تطالب السياسي بأن يحقق ما لا يقدر عليه، لكنها تطالبه أن يصدق في تقدير قدرته، وأن يفعل أقصى الخير الممكن، وأن يقلل الشر ما استطاع، وأن يبني القدرة لما عجز عنه، وألا يحول عجز المرحلة إلى تنازل عن هوية الأمة وغاياتها.»
وبذلك لا تكون الأخلاق نقيض الواقعية، بل تكون الأخلاق هي التي تمنع الواقعية من السقوط في الميكافيلية، ويكون فقه الواقع هو الذي يمنع الأخلاق من التحول إلى مثالية عاجزة عن حماية الإنسان والدولة.
