رجوع إلى البحوث السياسة الشرعية والشأن العام

ردٌّ علميٌّ سياسيٌّ على مُغالَطات المَقال الإيرانيِّ الهوى

السياسة الشرعية والشأن العام٦ دقائق للقراءة١٬٠٦٣ كلمة

ا.د.محمد طه السامرائي

بسم الله، والحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، وبعدُ:

فإنَّ المقال الذي بين أيدينا يَلبَسُ لَبوسَ الإنصافِ والحِياد، ويَرفعُ رايةَ "الحكمِ العادل"، وهو في حقيقتِه ترقيعٌ خطابيٌّ للمشروع الإيرانيِّ التوسُّعيِّ في المنطقة العربية، مكسوٌّ بطلاءٍ شرعيٍّ، ومُوَشَّحٌ بمُغالَطاتٍ منهجيَّةٍ وتاريخيَّةٍ ومنطقيَّة. وسنَنقُضُه بإذن الله نَقضَ العالِم لا نَقضَ الخَصم، ونُبيِّنُ عُوارَه من أوجُهٍ ستَّة:

الوجه الأول: مُغالَطةُ توظيف النصِّ الشرعيِّ في غير مَوضِعِه

استشهدَ الكاتبُ بقوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (المائدة: 82)، ليُرتِّب عليها أنَّ اليهود "أصلٌ" والمشركين "تَبَعٌ"، فتكون إيرانُ بالقياس أخفَّ خطرًا من إسرائيل.

وهذا تَعَسُّفٌ في الاستدلال؛ فالآيةُ تُخبِرُ عن شِدَّةِ العَداوة القلبيَّة والدينيَّة، لا عن تَرتيبِ الأخطارِ السياسيَّة في مرحلةٍ بعَينها. والفَرقُ بين العدوِّ الأشدِّ بُغضًا والعدوِّ الأشدِّ ضَررًا في لحظةٍ تاريخيَّةٍ معيَّنة فَرقٌ مَعلومٌ عند أهل السياسة الشرعيَّة، كما قرَّره العزُّ بنُ عبد السلام في قواعد الأحكام، من أنَّ دَرءَ المفاسد يُنظَرُ فيه إلى الأقرب فالأقرب، والأشدِّ وُقوعًا فالأشدَّ.

ثمَّ إنَّ الكاتبَ بَتَرَ سياقَ الآية، فالله تعالى يَصِفُ اليهودَ والذين أشركوا في مرتبةٍ واحدةٍ من شِدَّة العَداوة، ولم يَجعَل أحدَهما "أصلًا" والآخرَ "تَبَعًا". وإذا أرادَ أن يُدرِجَ الشيعةَ الإماميَّةَ في "المشركين"، فهذا تكييفٌ يَحتاجُ إلى دَليلٍ مع أن سلوكهم اليوم مسلك المشركين، وإن امتَنَعَ جُمهورُ المُحَقِّقين من تكفير عوامِّهم، مع تَبديعِ غُلاتِهم.

الوجه الثاني: تَزييفُ مَفهوم "الاستدعاء" لتَبرير الاحتلال

زَعَمَ الكاتبُ أنَّ إيرانَ "لم تَحتَلَّ أربع عواصم، بل اسْتُدعِيَت"، وهي مُغالَطةٌ كُبرى يَستحقُّ صاحبُها أن يُرسَلَ إلى مَدارِج المُبتدئين في علم السياسة؛ فإنَّ كلَّ احتلالٍ في التاريخ إنَّما تَمَّ باستدعاءِ طَرَفٍ مَحلِّيٍّ مُستفيدٍ أو مُستَضعَف. فقد استَدعَى المُغولَ بعضُ الوُزَراء، واستَدعَى الصَّليبيِّين أُمراءُ الشَّام المُتناحِرون، واستَدعَى الاستعمارَ الفرنسيَّ والإنجليزيَّ عُملاءُ الدَّاخل في مِصرَ والشَّام والمَغرب. فهل نَقولُ إنَّ فرنسا لم تَحتَلَّ الجزائرَ لأنَّ الدايَ أخطأَ دبلوماسيًّا، أم إنَّ بريطانيا لم تَحتَلَّ العراقَ لأنَّ فَيصلًا قَبِلَ الحُكم؟

ثمَّ إنَّ الحقيقةَ التي يُحاول الكاتبُ أن يُداريها: أنَّ إيرانَ تَدَخَّلَت لإنقاذِ أقلِّيَّاتٍ حاكمةٍ تَضطهِدُ أغلبيَّاتٍ سُنِّيَّة، فدعَمَت النُّصَيريَّةَ في قَمع 74٪ من الشعب السوري، ودعَمَت الحُوثيِّين الزيديِّين الجاروديِّين في قَمع 70٪ من الشعب اليمنيِّ، وصَنَعَت في العراق دويلةً شيعيَّةً طائفيَّةً على أنقاض ثُلُثٍ من السكَّان السُّنَّة. فأيُّ "استدعاءٍ" هذا الذي يُدفَعُ عن طَرَفٍ ويُنكَرُ على آخَر؟ ولماذا كان تَدَخُّلُ الحلف الأطلسيِّ احتلالًا، وتَدَخُّلُ فيلق القُدس نجدةً؟

هذا المِعيارُ المُزدوَجُ يَكشِفُ أنَّ الكاتبَ لا يُحاكِمُ الوقائعَ بميزانٍ واحد، بل يَتلاعَبُ بالأوزان بحسب الهُويَّة المذهبيَّة للفاعِل.

الوجه الثالث: قَلبُ الحقائق التاريخيَّة

يُقرِّرُ الكاتبُ أنَّ "أهل السنَّة لم يَتَحرَّكوا لنَجدةِ السوريِّين، بل وَقَفوا إلى جانب الحملة الصهيوصليبيَّة"، وهذا قَلبٌ للحقائق لا يَقبَلُه مُنصِف:

فإنَّ الأنظمةَ العربيَّةَ الرسميَّةَ شَيءٌ، والشعوبَ السُّنِّيَّةَ شيءٌ آخَر. وقد تَدَفَّقَ على الجِهاد السوريِّ عَشَراتُ الآلاف من المُقاتلين والمُتَبَرِّعين والدُّعاةِ السُّنَّة من كلِّ قُطر، ووَصَلَ الدعمُ الشعبيُّ إلى حدِّ استنزافِ جمعيَّاتٍ خيريَّةٍ بأكملِها. أمَّا إيرانُ وميليشياتُها، فقد دَخَلَت سوريا بقرارٍ مُؤسَّسيٍّ من الحرس الثوريِّ، وحَرَّكَت الحَشدَ الأفغانيَّ (فاطميُّون) والحَشدَ الباكستانيَّ (زَينبيُّون) وحزب الله اللبنانيَّ، فقَتَلَت ودَمَّرَت في حَلَب وحِمص ودير الزور والغوطة ما لا يَخفى إلا على مُكابر.

ثمَّ إنَّ قولَه: "اليمن كان يَحكُمه الشيعةُ الزيديَّة منذ ألف عام" مُغالَطةٌ تاريخيَّةٌ فَجَّة؛ فإنَّ الإمامةَ الزيديَّةَ لم تَحكُم كلَّ اليمن أصلًا، بل اقتَصَرَت على الشَّمال وبعض الوَسَط في فتراتٍ مُتَقطِّعة، وكان اليمنُ الأسفلُ والسَّاحلُ الغربيُّ وحَضرَموتُ تحت حُكمٍ سُنِّيٍّ (الرَّسوليُّون، الطاهريُّون، ثمَّ العثمانيُّون ثمَّ الجمهوريَّةُ اليمنيَّة). والأخطرُ من ذلك: أنَّ الحُوثيَّ ليس زيديًّا تقليديًّا، بل جارودِيٌّ مُتَأَثِّرٌ بالثورة الخُمينيَّة، وأيديولوجيَّتُه مُستَوردةٌ من قُمّ لا من صَعدة، بشَهادةِ كبار علماء الزيديَّة أنفُسِهم كالعلَّامة مُجاهد بن أحمد المِرتَضَى.

الوجه الرابع: التَّلاعُبُ بالأرقام والمَوازين

يَقبَلُ الكاتبُ رقمَ "100 ألف فلسطينيٍّ قَتَلَتهم إسرائيل" دون تَشكيك، ثمَّ إذا جاءَ إلى أرقام ضحايا إيرانَ في سوريا والعراق ولبنان واليمن، قال: "هذه الأرقامُ غيرُ دقيقة، وهناك اختلافٌ بين المصادر"! فأيُّ مِعيارٍ علميٍّ هذا؟ ولماذا تَصِحُّ الإحصاءاتُ حين تُدينُ اليهود، وتَضطربُ حين تُدينُ الشيعة؟

إنَّ الشبكةَ السوريَّةَ لحُقوق الإنسان (وهي جِهةٌ دوليَّةٌ مُستقلَّةٌ مُوثَّقة، ليست سُنِّيَّةً ولا إيرانيَّة) وَثَّقَت أكثر من 230 ألف مَدنيٍّ سوريٍّ قَتَلَهم نظامُ الأسد وحُلَفاؤه الإيرانيُّون، إضافةً إلى مئات الآلاف من المُقاتلين والمُغَيَّبين. ومَجازرُ الحوثيِّين في اليمن، ومَجازرُ الحشد الشعبيِّ في صَلاح الدين والأنبار (كسُبَيحة، والبونمر، وجَرف الصَّخر)، ومَجازر حزب الله في القُصير وداريَّا ومُضايا، كلُّها مُوَثَّقةٌ بالصُّور والشَّهاداتِ والأسماء.

ثمَّ يَستَدرِكُ الكاتبُ أنَّ "أمريكا وحُلفاءَها" شَركاءُ في القتل، وهذه حقٌّ، لكنَّه يَستَخدِمُه للتَّشويش لا للتَّحليل؛ فإنَّ الشَّركةَ في الجريمةِ لا تَنفي الجريمة، بل تُضاعفُ المسؤوليَّة. وقد كانت إيرانُ شَريكًا للأمريكيِّ في احتلال أفغانستان والعراق، بشَهادة الرئيس الإيرانيِّ الأسبق رفسنجاني ومُساعد وزير الخارجيَّة محمد جواد ظريف.

الوجه الخامس: إغفالُ الأيديولوجيا الإيرانيَّة التَّوسُّعيَّة

المَقالُ يَتَعامَلُ مع إيرانَ وكأنَّها دولةٌ إقليميَّةٌ عاديَّةٌ تُدافعُ عن مَصالحِها، وهذا قُصورٌ مُتَعَمَّدٌ عن رؤية جَوهر المشروع الإيرانيِّ؛ فإنَّ الجمهوريَّةَ الإيرانيَّةَ دولةٌ أيديولوجيَّةٌ قائمةٌ على نظريَّة ولاية الفقيه التي أسَّسها الخُمَينيُّ، وصَريحُها — كما في كتابِه "الحكومة الإسلاميَّة" — إقامةُ وِلايةٍ عالميَّةٍ للفقيه الشيعيِّ الإماميِّ على جميع المُسلمين. فهي دولةٌ "تَصديرُ الثورة" مَكتوبٌ في دُستورها (المادَّة 154)، وجعلَت من تشكيل الميليشيات العابرة للحدود أُسلوبًا مَنهَجيًّا.

وهذه الأيديولوجيا أخطرُ استراتيجيًّا من احتلال الأراضي؛ لأنَّ الاحتلالَ العسكريَّ يُرَى ويُقاوَم، أمَّا الاختراقُ العَقديُّ والطائفيُّ والأمنيُّ فيَنخُرُ في بنية المجتمعات السنيَّة من الدَّاخل، ويُنشئُ طوابير خامسةً تَعمَلُ لصالحِ طهرانَ وهي تَحمِلُ جِنسيَّاتِ بُلدانِها.

الوجه السادس: التَّناقُضُ الدَّاخليُّ في الخطاب

أعجبُ ما في المقال قولُه: "في إيرانَ ما لا يقلُّ عن 30 مليون سُنِّيٍّ كأنَّهم لا أحد"! وهذه شَهادةُ الكاتب على نفسه بتَناقُضِه؛ فإنَّ نظامًا يُهمِّشُ 30 مليون سُنِّيٍّ في بَلَده، ويَمنَعُ بناءَ مَسجدٍ سُنِّيٍّ واحدٍ في طِهرانَ العاصمة، ويَقتُلُ عُلَماءَ البَلوش والأكراد والأحوازِ السُّنَّة، ويَمنَعُهم من المَناصب العُليا، ويَفرضُ عليهم التَّشَيُّعَ تحت سَطوة القانون — هذا النظامُ كيف يُنتظَرُ منه أن يكون "نَصيرًا للمُستضعَفين" في فلسطينَ أو غيرِها؟

إنَّ شِعار "الموت لإسرائيل" في طهرانَ شِعارٌ تَسويقيٌّ لا أكثر، تُوَظِّفُه إيرانُ لشَرعَنَة توسُّعِها في العواصم العربيَّة، فيما لم تُطلِق رَصاصةً واحدةً على إسرائيل طِيلةَ أربعين عامًا، بل كان تَنسيقُها في سوريا ولبنانَ مع الإسرائيليِّ تنسيقًا ضِمنيًّا مَعروفًا عند المُحَلِّلين، يَكشِفُه تَرك الجيش الإسرائيليِّ لقَصف مَواقع حزب الله وفيلق القُدس في سوريا آلافَ المرَّات دون رَدٍّ جادّ.

خُلاصةُ القَول

ليست القَضيَّةُ مُفاضَلةً بين عَدُوَّين، فكِلاهُما عَدُوٌّ، وكِلاهُما مَحكومٌ عليه شرعًا وسياسيًّا بالخُروج من ديار المسلمين. لكنَّ ما فَعَلَه الكاتبُ أنَّه استَخدَمَ عَداوةَ إسرائيلَ شمَّاعةً لتَبرير عَداوةِ إيران، وهذه طَريقةٌ قديمةٌ في الخطاب الطائفيِّ الإيرانيِّ مُنذُ الثَّورة: "لا تَشغَلوا أنفُسَكم بإيرانَ، فالعَدُوُّ الحقيقيُّ إسرائيل". وهو خطابٌ يُرادُ به أمرانِ في آنٍ واحد: تَحييدُ النَّقد السُّنِّيِّ للمشروع الإيرانيِّ، واستدراجُ الشَّارع السُّنِّيِّ إلى تبنِّي مَقولات محور المُمانَعة.

والمَوقفُ الصَّحيحُ الذي يَنبغي على أهل السنَّة أن يَعتَصِموا به: أنَّ إسرائيلَ وإيرانَ وَجهانِ لعُملةٍ واحدة، كلاهُما مَشروعٌ استعماريٌّ عَقَديٌّ يَقومُ على استِضعاف الأمَّة السنيَّة العربيَّة. والمَخرَجُ ليس الاصطفاف مع أحدِهما ضدَّ الآخَر، بل بناءُ المشروع السنيِّ المُستقلِّ، المُتَحَرِّر من التَّبعيَّة، المُنطَلِق من ثَوابت الوَحي ومَصالح الأمَّة.

وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وآله وصحبِه وسلَّم.

شارك المقالة

Scroll to Top