رجوع إلى البحوث السياسة الشرعية والشأن العام

جدلية السقوط والبقاء: قراءة نقدية في مآلات الدول وسنن العمران البشري

السياسة الشرعية والشأن العام٤ دقائق للقراءة٦٤٣ كلمة

تتسم الكتابات الأدبية ذات الطابع التاريخي بقدرة فائقة على دغدغة العواطف واستنهاض الوجدان، ومقولة "عندما تموت الدول وهي تبتسم" للكاتب أدهم شرقاوي هي نموذج بارز لهذا الطرح الرومانسي. غير أن إخضاع مثل هذه المقولات لمشرط النقد الأكاديمي، التاريخي والأصولي، يقتضي تجريد النص من بلاغته العاطفية للاحتكام إلى محددات "السنن الإلهية" الحاكمة لحركة التاريخ وعلم الاجتماع السياسي. إن القراءة المتأنية لتاريخ الأمم تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الدول لا تسقط بمجرد تبدل الأخلاق بمعناها الفردي، بل تسقط عندما تتخلى عن "أسباب بقائها" المادية والمؤسسية، وفقاً لسنن كونية لا تحابي أحداً، مصداقاً للقرآن الكريم في إرساء قاعدة حتمية السنن: {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا}.

أولاً: الظلم وسلب مقومات البقاء (المقاربة الأصولية والسننية)

يطرح النص الأدبي فكرة أن الظلم هو المعول المباشر لهدم الدول، وهو طرح يحتاج إلى تحرير أصولي دقيق. من منظور الفقه التاريخي، الظلم يقوض الدول، نعم، ولكن ليس بضربة غيبية مجردة، بل لأن الظلم الممنهج يؤدي بالضرورة إلى تآكل "مقومات البقاء".

الدولة الظالمة تسقط عندما يؤدي ظلمها إلى اختلال موازين العدالة الاجتماعية التي تضمن تماسك الجبهة الداخلية، وعندما يحول الظلم دون استثمار الكفاءات، فيسود الفساد الإداري والسياسي. لقد جعل الله تعالى في كونه سنناً صارمة؛ فالبقاء والسيادة في الأرض لمن أخذ بأسباب البقاء من قوة عسكرية، واستقرار اقتصادي، وتماسك مجتمعي، بغض النظر عن هويته العقدية. ولهذا قرر ابن تيمية قاعدته الذهبية: "إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة". فالعدل هنا هو أداة استقرار العمران، والظلم هو ما يفكك هذا العمران، ويسحب من الدولة مبررات وجودها وأسباب ديمومتها.

ثانياً: الحتمية البايولوجية للدول (دورة حياة الحضارات)

جانب الكاتب الصواب حين صوّر سقوط الدول وكأنه حدث عبثي مفاجئ يقع والدولة في كامل صحتها. المنظور الأكاديمي، المستند إلى فلسفة التاريخ عند العلامة ابن خلدون، يؤكد أن الدول كائنات عضوية تمر بدورة حياة حتمية:

  1. مرحلة الطفولة والنشأة: وتتسم بالعصبية القوية والاندفاع والخشونة.
  2. مرحلة الشباب والفتوة: وهي مرحلة اكتمال المؤسسات، وبناء الأمجاد، وذروة القوة العسكرية والاقتصادية.

3. مرحلة الشيخوخة والهرم

حيث يطغى الترف، وتضعف العصبية، وتتآكل المؤسسات، وتصبح الدولة عبئاً على نفسها قبل أن تكون فريسة لغيرها، وصولاً إلى الفناء. الدول لا تموت وهي في كامل صحتها كما يزعم النص، بل تموت عندما تبلغ مرحلة "الشيخوخة المؤسسية والسياسية"، وحينها يكون السقوط الخارجي مجرد تحصيل حاصل لانهيار داخلي عميق.

ثالثاً: تحرير الوقائع التاريخية (سقوط بغداد والأندلس)

وقعت المقالة الأدبية في فخ "القفز التاريخي" وخلط الحقب الزمنية لخدمة فكرته، وهو ما يتنافى مع المنهجية التاريخية الأكاديمية الصارمة:

مغالطة العصر العباسي:

الربط بين هارون الرشيد وسقوط بغداد هو ربط تعسفي يختزل أكثر من 400 عام من التاريخ المعقد. بغداد لم تسقط في عهد الرشيد، بل كانت في عهده "درة الدنيا"، لأن الخلافة كانت في طور "الشباب والفتوة"، ممسكة بكل أسباب القوة العسكرية والمركزية السياسية. سقوط بغداد على يد هولاكو جاء بعد قرون من الانحدار إلى أسوأ مراحل "الشيخوخة السياسية". لقد سقطت بغداد عندما تلاعب السلاطين (من بويهيين وسلاجقة وخوارزميين وأتراك) بمؤسسة الخلافة، فأصبح الخليفة صورة بلا معنى، واسماً يخطب له على المنابر دون سلطة فعلية.

تخلت الدولة عن جيشها الوطني، واعتمدت على المرتزقة، وانهار اقتصادها؛ فسقطت لأنها فقدت أسباب بقائها، لا لأنها نسيت نفسها فجأة.

مغالطة الأندلس

بالمثل، لم تسقط الأندلس وهي في عز أمجاد قرطبة إبان حكم عبد الرحمن الناصر أو الحاجب المنصور، حيث كانت القوة العسكرية في أوجها، والأخذ بأسباب التقدم المادي في ذروته. السقوط الحقيقي بدأ واستمر في حقبة "ملوك الطوائف"، وهي مرحلة الهرم والانحطاط السياسي، حيث تمزقت الدولة إلى دويلات متناحرة، وتخلت عن مفهوم "السيادة" لصالح الاستعانة بالعدو الخارجي (الممالك المسيحية) لضرب الأخ الداخلي. سقطت الأندلس لأنها تخلت طوعاً عن مقومات القوة والوحدة، فكان فناءها نتيجة طبيعية لسنن الكون.

خاتمة

إن التاريخ لا يُدار بالرومانسية ولا بالمعجزات المجردة، بل بقوانين دقيقة وسنن إلهية لا تحابي أمة على حساب أخرى. الدول لا تسقط غيلة وهي تبتسم وفي كامل عافيتها العسكرية والمؤسسية، بل تسقط عندما تتعفن من الداخل، وتتخلى عن أسباب قوتها، ويصل بها الظلم والترف إلى مرحلة تنخر فيها عظام مؤسساتها. حينها، وحينها فقط، تتدخل السنن الربانية لتسليم راية العمران لمن أخذ بأسباب البقاء، وتطوي صفحة من استسلم لشيخوخته وضعفه.

شارك المقالة

Scroll to Top