في خضم معاركنا السياسية والاجتماعية، نجد أنفسنا أحيانًا أسرى لمشاعرنا وانتماءاتنا، فننظر إلى المشهد بعينين مختلفتين: عين الرضا التي لا ترى فيمن نحب إلا الكمال، وعين السخط التي لا تجد فيمن نكره إلا النقص. هذه الازدواجية في الرؤية، وهذا النفاق الاجتماعي الذي نرتديه أحيانًا دون وعي، هو ما يغذي الانقسام ويسمح للفساد بالاستشراء، بينما يعاني الجميع من ويلاته. المشكلة لا تكمن في وجود شخصيات سياسية نؤيدها وأخرى نعارضها، فهذا جزء طبيعي من أي حراك سياسي صحي. الكارثة الحقيقية تبدأ عندما تتحول هذه العلاقة إلى رابطة مصلحية عمياء، تجعلنا نرى في حلفائنا قديسين لا يخطئون، حتى وإن كانت أفعالهم هي السبب المباشر في تردي أوضاعنا. نعم، "وعين الرضا عن كل عيب كليلة"، كما قال الشاعر قديمًا، لكننا اليوم نجعل من هذا البيت الشعري دستورًا لتبرير ما لا يمكن تبريره، فنتغاضى عن الفساد، ونهون من حجم الكوارث، ونبحث عن أعذار واهية لمن نرى فيهم امتدادًا لمصالحنا أو أفكارنا.
في المقابل، وبنفس الحماس الذي ندافع به عن حلفائنا، ننصب أنفسنا قضاة جلادين لخصومنا. فجأة، تنكشف لنا كل عيوبهم، وتتضخم أخطاؤهم، وتصبح كل زلة منهم خطيئة لا تغتفر. نصبح خبراء في كشف الفساد، ومحللين استراتيجيين في فضح المؤامرات، لكن فقط عندما يكون المتهم في قفص الاتهام هو الخصم السياسي. ننسى أو نتناسى أن الجميع، في نهاية المطاف، يشتركون في المسؤولية عن الكارثة التي نعيشها جميعًا، من فقدان لأبسط مقومات الحياة إلى تفشي الفساد في كل مفاصل الدولة.
إن الإنصاف ليس مجرد كلمة جميلة نرددها في خطاباتنا، بل هو موقف وممارسة. هو القدرة على رؤية الحقيقة مجردة من أهوائنا الشخصية وتحيزاتنا الحزبية. هو أن نملك الشجاعة لنقول للمحسن "أحسنت" وللمسيء "أسأت"، بغض النظر عن موقعه في خريطتنا السياسية. إن الوطن الذي مزقته الصراعات ونهشه الفساد لن يبنيه المتعصبون والمنحازون، بل سيبنيه أولئك الذين استطاعوا أن يتجاوزا مصالحهم الضيقة، وأن ينظروا إلى المستقبل بعين واحدة، عين الحقيقة والعدل والإنصاف.
