أيها المسلم الغيور، يا من يتلظى فؤاده على حال الأمة، وتعتصر روحه لما يصيبها من غمة. اعلمْ، أرشدني الله وإياك، أن تاريخ أهل الإسلام بين مدٍّ وجزر، وأن أيامهم دولٌ بين نصرٍ وكسر. فما كانت الدنيا لهم دار قرار، ولا كانت انتصاراتهم فيها بغير انحسار. فلا يروعنّك ما ترى من تبدّل الأحوال، ولا يهولنّك ما تسمع من تداعي الأهوال. فإن الله لم يكتب لهذه الدار الخلود، ولم يجعل النصر فيها حليفًا بلا حدود. فليست القضية أن تنتصر الفئة الفلانية، أو تُهزم الطائفة العلانية، فتلك سُنن الله في كونه تجري، وأقداره في خلقه لا يملك دفعها إنسيٌّ ولا جني. إنما القضية الكبرى، والمحنة العظمى، أن تُسأل يوم يقوم الناس لرب العالمين، عن نفسك لا عن الآخرين. لن يسألك الله: هل انتصر القوم في الشام؟ أو هل علت رايتهم في أرض الإسلام؟ بل سيقول لك: أين كنتَ أنت حين ارتفع الأذان؟ وماذا قدمتَ حين استُبيح الحصان؟
سيُنصب لك الميزان، وتُعرض عليك صحائف الأعمال، في يومٍ لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون، إلا من أتى الله بقلبٍ سليمٍ مصون. يوم يُقال: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ (مريم: 95)، ويوم يُنادى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المدثر: 38). فماذا أعددت لذلك اليوم من جواب؟ وكيف ستنجو من شديد الحساب؟ فيا عجباً لمن يهرب من مسؤوليته الفردية، ويلقي باللائمة على المسؤولية الجماعية! فتراه يصرخ في المحافل والأسواق، ويملأ الدنيا صياحًا ونفاق: أين الحكام؟ أين العلماء؟ أين الأمة الغافلة؟ أين الجموع الهائلة؟ وهو في قرارة نفسه يخدّر ضميره، ويبرر تقصيره. يغفل عن السؤال الأهم، والطريق الأقوم: أين أنا؟ لئن غابوا فهل حضرتُ؟ ولئن ناموا فهل استيقظتُ؟ إن هذا الصياح، وهذا النواح، لن يبرئك من تقصيرك إن قصّر الجميع، ولن يعفيك من مسؤوليتك إن تخلى القطيع. فكن كما قال الشاعر الحكيم: إِذَا الْقَوْمُ قَالُوا مَنْ فَتًى؟ خِلْتُ أَنَّنِي عُنِيتُ فَلَمْ أَكْسَلْ وَلَمْ أَتَبَلَّدِ
فابدأ بنفسك، حاسبها قبل أن تُحاسَب، وزنها قبل أن توزن. فإن مسؤوليتك تتناسب مع قدرتك، وتتعاظم مع مكانتك. فـ "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" (متفق عليه). إن كنت شابًا، فاجعل من حوارك وقودًا للقضية، ومن وقتك شعلةً للقضية. وإن كنتِ امرأة، فاغرسي في أبنائك حب الأمة، وربيهم على حمل همّها ومقاومة الظلمة. وإن كنت صاحب قلم، فاجعل من حروفك سهامًا على الأعداء، ومن كلماتك بلسمًا للجرحى والضعفاء. وإن كنت ذا مال، فابذلْ في سبيل الله، وجاهدْ بمالك قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خِلال. لا تحقرنّ من الفعل شيئًا، ولا تقلل من أثر جهدك مهما كان ضئيلاً. فإن الإنجازات تراكمية، والثمار لا تأتي إلا بعد الغرس والسقاية. إن تحمّل كل فرد مسؤوليته، هو الذي يحول القضية إلى روحٍ وثابة، لا يقوى على قتلها أحد، ولا على إخمادها مارد. وعندما تتحول القضايا إلى أرواح، فلن يكون بينها وبين النصر أسلاكٌ شائكة، ولا خنادق لاهبة. فقف مع نفسك وقفة صدقٍ ومحاسبة، قبل أن تقف بين يدي الله للمساءلة والمطالبة.
وانظر ما هو موقفك من قضايا أمتك، وما هو دورك في رفع غمتك. فإن الله سائلك عن سعيك لا عن سعي غيرك، وعن عملك لا عن عمل دهرك. ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ (النجم: 39-40).
