رجوع إلى البحوث السياسة الشرعية والشأن العام

صوت الأمانة في زمن الخيانة: نظرة شرعية في المشاركة السياسية

السياسة الشرعية والشأن العام٤ دقائق للقراءة٧٦٠ كلمة

الحمد لله الذي أقام السماوات والأرض بالعدل، وجعل ميزان الحق في أيدي عباده الصالحين، والصلاة والسلام على من أُرسل ليتمم مكارم الأخلاق، وعلى آله وصحبه الذين كانوا في الأرض منارات هدى، وفي السماء كواكب تُقتدى. أما بعد: في غياهب الفتن التي تتلاطم أمواجها، وحين يخيّم الفساد بأستاره المظلمة على ديار المسلمين، وتضيع الأمانات بين أروقة السياسة ودهاليزها، يقف المؤمن حائراً على مفترق طرق، يثقل كاهله سؤال الضمير والواجب: هل يلقي بصوته في صناديق الاقتراع، أم يطوي صفحة المشاركة، معتزلاً واقعاً بائساً لا يرتجي منه صلاح؟ إنه سؤال تتجاذبه رؤيتان: رؤية العقل الغيور الذي يرى في المشاركة عبثاً، وفي الإدلاء بالصوت شهادة زور لنظام أكل عليه الدهر وشرب. وداعي الحكمة الذي ينظر بنور البصيرة إلى ما وراء الحجب، فيدعو إلى المشاركة لا تزكيةً للفساد، بل تحجيماً لسلطانه، وحفظاً لما يمكن حفظه من مصالح العباد، ودفعاً لما يمكن دفعه من شرور تكاد أن تبتلع البلاد.

أولاً: نداء العقل الغيور ومقاطعة الفساد

يصدح أصحاب هذا الرأي قائلين: وأي جدوى من المشاركة في مسرحيةٍ أُعدت فصولها، وحُسمت نتائجها؟ وكيف نمنح شرعيةً بأصواتنا لمن أهلك الحرث والنسل، وبدد مقدرات الأمة، وجعل مصالحها غنيمة باردة؟ هؤلاء، بقلوب يملؤها الصدق ورفض الظلم، يرون أن المشاركة لا تعدو كونها صك غفران يُمنح للفاسدين، وأن المقاطعة هي الموقف الأنقى، والاحتجاج الأسمى، والرسالة الأبلغ في وجه منظومة لا تعرف إلا لغة المحاصصة والمصالح الضيقة. من هذا المنظور، تصبح المقاطعة صرخة شرف في وجه الباطل، وشهادة صامتة تقول: لن نكون لكم جسراً تعبرون عليه إلى مآربكم.

ثانياً: نور البصيرة الشرعية وفقه الموازنات

ولكن الشريعة وحكمتها، بسعتها وعمقها، تنظر إلى الأمور من زاوية أرحب، وتضعها في ميزان أدق. فليست الغاية مجرد التعبير عن سخط النفس، بل تحقيق مقاصد العدل والصلاح ما أمكن إلى ذلك سبيلاً. وهنا يتجلى فقه الموازنات، سفينة النجاة في بحور الفتن، الذي يقول: إذا لم يمكن إدراك الخير كله، فلا ينبغي ترك أقله. وإذا لم يمكن دفع الشر كله، وجب السعي لتقليل شرره ودرء أكثره. من هذا المنطلق المؤيد بالحكمة ، لا تكون المشاركة في الانتخابات إقراراً بالمنكر، ولا تأييداً للظلم، بل هي سعي حثيث لاختيار من هو أقل ضرراً، وأدنى فساداً، وأقرب إلى خدمة الناس ولو بدرجة يسيرة. فالحكمة لا تطالب المسلم أن ينتظر مدينة أفلاطون الفاضلة، بل تأمره أن يكون غارساً للإصلاح ولو في أرض سبخة، لأن تعطيل الإصلاح الجزئي بحجة غياب الكمال، هو في حقيقته تمكين للفساد الشامل.

وقد أصل القرآن هذا المنهج العظيم في قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]. وهي ليست دعوة للتقاعس، بل هي أمر بالعمل والسعي في حدود القدرة والطاقة، لا في حدود المثاليات التي قد لا تدركها الأيدي.

ثالثاً: مقاصد الشريعة.. منارات هادية في الدربوفي هذا الباب، تضيء لنا مقاصد الشريعة الدرب بثلاث منارات هادية

  1. تقليل المفاسد ما أمكن: فكما أن الطبيب الحاذق قد يبتر عضواً فاسداً لينقذ الجسد كله، كذلك العقل الشرعي يختار من هو أقل سوءاً، ليقلل من الضرر العام على الأمة، ويحفظ عليها دينها ودنياها.
  2. تحقيق مصالح العباد: فوجود من يمتلك في قلبه ذرة من ضمير، أو في عقله بقية من كفاءة، في سدة المسؤولية، خير ألف مرة من تسليم الأمر بالكلية لمن لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة.
  3. إقامة الحجة وإبراء الذمة: فالمسلم لا يُعفى من واجب السعي للإصلاح، ولو بإلقاء صوت في صندوق، حتى لا يكون غيابه سبباً في صعود من هو أشد فساداً وأعظم بطشاً. فيلقى الله وقد أدى ما عليه، وبرئت ذمته.

رابعاً: همسة عتاب ومحبة إلى المقاطعين

وإلى كل أخ كريم اختار المقاطعة، بقلب يغار على دينه، ونفس تأنف من الظلم: إن نيتك في رفض الفساد تُحمد، وغيرتك على الحق تُقدر. ولكن الحكمة تدعوك إلى ما هو أبعد من ذلك، تدعوك لتكون عنصراً فاعلاً لا متفرجاً ساخطاً. فترك الميدان للفاسدين يعني تمكينهم أكثر، وإخلاء الساحة لهم ليعيثوا فيها فساداً. إن صوتك، وإن بدا لك صغيراً، هو أمانة ستسأل عنها، وقد يكون سبباً في منع ضرر، أو جلب نفع، ولو في دائرة محدودة. فكل إصلاح عظيم يبدأ بخطوة صغيرة، وكل سيل عرم كان في أصله قطرة. السكوت في زمن الفساد لا يصلح شيئاً، والمقاطعة السلبية إن لم تحدث تغييراً، فهي في ميزان الشرع تفويت لمصلحة راجحة، وترك للواجب المقدور عليه. تذكر أن الله لا يكلفك بالنتائج، بل ينظر إلى قلبك وسعيك: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105]. خلاصة القول: بين الرأي العقلي المجرد، والرأي الشرعي المسدد، مسافة من الفهم تحتاج إلى ميزان دقيق من الحكمة والبصيرة.

العقل قد يدفعك إلى اليأس والانسحاب، لكن الحكمة تدعوك إلى الثبات والعمل والأمل. فالمشاركة في الانتخابات، في ظل فساد مستشرٍ، ليست تزكية للواقع المر، بل هي خطوة إصلاحية في طريق طويل، ومحاولة لدفع صولة الباطل، وتقليل غلوائه. ومن ترك الساحة للفاسدين طواعية، فلا يلومنّ إلا نفسه يوم يجد أن صوته الصامت، ومقاطعته السلبية، كانت أبلغ دعم لمن أفسد البلاد، واستعبد العباد. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

شارك المقالة

Scroll to Top