رجوع إلى البحوث السياسة الشرعية والشأن العام

الخدمات مقابل الانتخاب فتوى فقهية معاصرة

الجزء الثاني

السياسة الشرعية والشأن العام٥ دقائق للقراءة٨٨٧ كلمة

بسم الله الرحمن الرحيم

في بيان المسألة

تَرِدُ إلينا في سياق واقعنا المعاصر نازلةٌ تتكرر في كثير من المجتمعات، وهي أن تكون للناس حاجةٌ ماسّةٌ إلى خدماتٍ عامةٍ أساسية، كالطرق والمرافق ونحوها، مما هو من واجبات الدولة ومسؤولياتها تجاه رعيتها. وفي ظل تقصير الدولة عن أداء هذا الواجب، يعمد بعض المرشحين للمجالس النيابية أو المسؤولين التنفيذيين إلى استغلال هذه الحاجة، فيعرضون على الناس توفير تلك الخدمات مقابل وعدٍ منهم بانتخابهم في الاستحقاقات القادمة. فما هو التوصيف الشرعي لهذا الفعل، وما هو الموقف الفقهي الذي ينبغي على المكلف اتخاذه في مثل هذه الحالة؟ للإجابة على هذه المسألة، لا بد من تفصيل القول في عدة محاور أصولية وفقهية مترابطة، نبسطها على النحو التالي: المحور الأول: التكييف الفقهي للعملية الانتخابية:

اختلف الفقهاء المعاصرون في توصيف (تكييف) الانتخابات، وانبنى على هذا الاختلاف تباينٌ في بعض الأحكام المتعلقة بها. ويمكن إجمال أبرز اتجاهين في المسألة: الاتجاه الأول: الانتخاب شهادة وتزكية: يرى أصحاب هذا القول أن تصويت الناخب لمرشح معين هو بمثابة شهادة له بالصلاحية والكفاءة، وتزكية له لتولي المنصب. ويترتب على هذا التكييف أن يأخذ الانتخاب بعض أحكام الشهادة، فيأثم الناخب إن شهد لغير الكفء، وتصبح شهادته أمانة يسأل عنها. .الاتجاه الثاني: الانتخاب وكالة ونيابة: يرى أصحاب هذا القول أن الانتخاب هو توكيل من الناخب للمرشح لينوب عنه في ممارسة مهام الولاية المنوطة به، كالتشريع والرقابة والمطالبة بالحقوق. وهذا التوصيف هو الأقرب إلى حقيقة النظم النيابية المعاصرة، حيث إن النائب يمثل دائرته الانتخابية في السعي لتحقيق مصالحها. .والذي يترجح بالنظر في طبيعة العملية الانتخابية العامة أنها أقرب إلى معنى الوكالة والنيابة منها إلى الشهادة بمعناها الاصطلاحي الدقيق.

فالناخب ينيب عنه من يرى فيه القدرة (القوة) على تحصيل المصالح ودرء المفاسد، أكثر من كونه مجرد شاهد يزكي شخصاً. وهذا ما يفتح الباب للنظر في معيار الاختيار، كما سيأتي. المحور الثاني: حكم الاتفاق والوعد بالانتخاب:

إن الاتفاق الذي يتم بين المرشح والناخبين ليس عقدَ بيعٍ أو إجارة، فصوت الناخب ليس سلعة قابلة للمعاوضة، بل هو أمانة ومسؤولية. وعليه، فإن هذا الاتفاق لا يعدو كونه وعداً مشروطاً، وصيغته: "إن قمت بتوفير الخدمة الفلانية، فإننا نعدك بانتخابك". وهنا ننتقل إلى حكم الوفاء بالوعد في الفقه الإسلامي. لقد اختلف الفقهاء في حكم الإلزام بالوعد قضاءً على عدة أقوال: مذهب الجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة): يرون أن الوفاء بالوعد مستحب ديانةً ومن مكارم الأخلاق، ولكنه غير ملزم قضاءً. مذهب المالكية: يفصّلون في المسألة، ويرون أن الوعد يكون ملزماً قضاءً إذا كان مرتبطاً بسبب، ودخل الموعود (الناخبون في حالتنا) في كلفة أو التزام بناءً على ذلك الوعد. ولكن، هناك نقطة جوهرية تحسم المسألة هنا، وهي أن الفقهاء قد أجمعوا على أن الوعد بفعل محرم أو ما يؤدي إلى محرم هو وعد باطل، لا يجوز الوفاء به، بل يجب إخلافه.

وبما أن التصويت أمانة تقتضي اختيار الأصلح والأنفع للأمة، فإن الوعد بانتخاب شخص معين - بغض النظر عن وجود من هو أصلح منه - هو وعد بالتفريط في هذه الأمانة. فإن ظهر للناخبين مرشح آخر هو أصلح وأنفع للمسلمين، فإن الوفاء بالوعد الأول بانتخاب المرشح الذي قدم الخدمة يصبح متعارضاً مع واجب اختيار الأصلح، فيسقط الوجوب، بل يحرم الوفاء به.

المحور الثالث: قاعدة استخراج الحقوق بالحيل المشروعة

إذا كانت الدولة أو ممثلوها مقصرين في أداء واجبهم تجاه الناس، فإن هذه الحقوق (الخدمات العامة) تعتبر حقوقاً مشروعة ومغتصبة. وقد أجاز الفقهاء استعمال الحيلة المشروعة لاستخلاص الحق من الغاصب أو الظالم. والحيلة المشروعة هي كل وسيلة ظاهرها الجواز يتوصل بها إلى تحقيق مقصد مشروع، وليست من باب الاحتيال على الشرع لإسقاط واجب أو تحليل محرم. والأصل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "الحرب خدعة" (متفق عليه)، وهو دليل على جواز استعمال ما ظاهره مخالف للحقيقة للوصول إلى غاية مشروعة، وهي هزيمة العدو.

وقد قاس الفقهاء على ذلك جواز استعمال الحيلة لاستنقاذ الحقوق. يقول الإمام ابن القيم الجوزية في "إعلام الموقعين": "فالحيل التي يتوسل بها إلى استخراج الحقوق من الظلمة والفجرة جائزة". وبناءً على ذلك، فإن إظهار الناخبين للمرشح الظالم أو المستغل لحاجتهم نية انتخابه، لينالوا بذلك حقهم المسلوب في الخدمات، هو من باب الحيلة المشروعة لاستخراج الحق، ولا إثم عليهم في ذلك، ما دامت نيتهم متجهة إلى انتخاب الأصلح في نهاية المطاف.

المحور الرابع: معيار الاختيار بين المرشحين

يبقى على الناخب واجب شرعي لا يسقطه أي وعد أو اتفاق، وهو تحري الأصلح والأنفع للمسلمين. والمعيار في الولايات العامة ليس التقوى الشخصية فحسب، بل هو اجتماع القوة والأمانة، كما قال تعالى على لسان ابنة شعيب: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (القصص: 26). القوة: تتمثل في الكفاءة والقدرة على إنجاز المهام، واستخراج الحقوق، ومقارعة الخصوم، وتحقيق المصالح العامة.

الأمانة: تتمثل في خشية الله، والورع عن استغلال المنصب، والحفاظ على حقوق الناس. وقد يكون المرشح الأقل تقوى في عباداته الشخصية هو الأقوى والأقدر على تحقيق مصالح الناس العامة، فيكون تقديمه في هذا المقام أولى من تقديم التقي الورع الذي لا يملك من القوة والكفاءة ما يمكنه من أداء أعباء الولاية. فالمصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة، والولاية مناطها تحقيق مصالح الرعية.

الخلاصة والحكم النهائي

بناءً على ما تقدم، يمكن تلخيص الحكم الشرعي في هذه النازلة في النقاط التالية:

  1. يجوز لأهل منطقة ما الدخول في اتفاق مع مرشح أو مسؤول يعدهم بتقديم خدمات عامة هي من حقوقهم أصلاً.
  2. هذا الاتفاق هو من باب الحيلة المشروعة لاستخراج الحقوق من يد مقصرة أو مستغلة، وليس على الناخبين حرج في ذلك.
  3. الوعد بالانتخاب الذي يقطعونه للمرشح هو وعد غير ملزم شرعاً، لأنه يتعلق بأمر هو من باب الأمانة التي لا يجوز التفريط فيها، وهي اختيار الأصلح.
  4. يبقى الواجب الشرعي على الناخبين قائماً، وهو أن يتحروا عند الانتخاب المرشح الأصلح والأنفع والأقوى والأمين، فيصوتوا له، سواء كان هو من قدم لهم الخدمة أم غيره.

والله تعالى أعلى و أعلم

شارك المقالة

Scroll to Top