الحمد لله الذي أرسى قواعد العدل والإنصاف، والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي أُرسل ليتمم مكارم الأخلاق، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان. أما بعد: إن من المؤسف حقًا أن نرى تساهلًا في تطبيق المبادئ الإسلامية العظيمة عند الحكم على الأشخاص والأحداث، ولا سيما عند حملة الشريعة الذي هم أولى الناس بتطبيق معانيه. وفيما يلي وقفات وعظية موجزة حول هذا الأمر، مستلهمة من ملاحظاتكم القيمة:
أولًا: التبيّن قبل الحُكم، والستر قبل التشهير.
إن أول ما يجب أن يتحلى به المسلم هو التثبت من الأخبار والتبين من حقيقة ما يرى ويسمع، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾. فكيف يليق بنا أن نطلق الأحكام جزافًا على مشهد لم نحط به خبرًا؟ أفلا يُحتمل أن تكون الصورة على غير ما تبدو، مما يرفع الحرج ويُبطل العتب؟ وإن وصل للمرء ما يريب، كما إن من تمام المروءة وكمال الدين أن يقف الخبر عنده، عملًا بوصية الحبيب المصطفى ﷺ: «وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ». فأي حكمة تُرتجى من إشاعة زلة، وأي خير يُجنى من فضح مسلم؟
ثانيًا: التفريق بين زلة العالم ومكانة العالِم
لقد قرر أهل العلم والفضل أن العصمة لم تُكتب لبشر بعد الأنبياء، وأن كل ابن آدم خطّاء. وزلة العالم أو هفوة الصالح لا تسوغ أبدًا هدم مكانته أو نسف تاريخه الحافل بالعلم والدعوة. فالإنصاف يقتضي أن نميّز بين الفعل والفاعل؛ فنُنكر الخطأ ونبيّن الصواب، مع حفظ قدر العالم ومكانته. ولا ينبغي أن ننسى، رغم أي اختلاف، ما قدمه من علم نافع تتلمذت عليه أجيال، وانتفع به ملايين المسلمين. فليس من العدل أن تُهدم جبال الحسنات بحجر زلة.
ثالثًا: أدب الخلاف والدعاء بالهداية
إن ساحة العلم والفكر تتسع للاختلاف في مسائل الاجتهاد، وقد وقع الخلاف بين من هم خير منا من صحابة رسول الله ﷺ. ولو أننا أسقطنا كل عالم اختلفنا معه في رأي، لما سلم لنا رمز من رموز الأمة. والأعجب من ذلك أن ترتفع ألسنة بالدعاء على عالم بالسوء وسوء الخاتمة لمجرد خطأ في مسألة! سبحان الله! وهل بُعثنا إلا رحمة للعالمين، ندعو للكافر بالهداية ونرجو للعاصي التوبة؟ فكيف يليق بنا أن نتمنى الشر لمن أفنى عمره في خدمة الدين؟ إن منهج الأنبياء والصالحين هو الدعاء بالصلاح، لا الدعاء بالهلاك.
رابعًا: فقه المقاصد لا جدل المسائل
إن الخوض في حكم فقهي معين في سياق عابر كهذا، هو انحراف عن جوهر الموقف ومقاصد الشريعة. فبدلًا من الجدل العقيم الذي يغفل عن فقه الواقع، كان الأحرى بنا أن ننشغل بما هو أنفع للأمة، وأن نركز على الأصول الكبرى التي تجمعنا، لا على الفروع التي تفرقنا. نسأل الله أن يرزقنا البصيرة في ديننا، والإنصاف في أحكامنا، وأن يستعملنا في خدمة دينه، وأن يهدينا جميعًا إلى صراطه المستقيم.
