رجوع إلى البحوث السياسة الشرعية والشأن العام

رب ضارة نافعة: كيف وحدت الضربة الإسرائيلية لقطر الصف العربي؟

السياسة الشرعية والشأن العام٨ دقائق للقراءة١٬٣٣٢ كلمة

مقدمة: عندما تجمع المصيبة المصابين

يقول الشاعر العربي القديم: "ورب ضارة نافعة"، وهو مثل يتردد صداه عبر العصور، ليجد تجسيداً حياً في الأحداث التي تعصف بمنطقتنا العربية اليوم. ففي خضم التحديات الجسام التي تواجه الأمة، من عدو يتربص في الشرق وآخر في الغرب، تأتي أحياناً الصدمات العنيفة لتكون بمثابة جرس إنذار يوقظ النائمين ويوحد المتفرقين. وهذا ما شهدناه جلياً في أعقاب الضربة الإسرائيلية الغادرة التي استهدفت قلب العاصمة القطرية الدوحة في التاسع من سبتمبر 2025، والتي رغم مرارتها وألمها، إلا أنها فجرت ينابيع التضامن العربي وأعادت اللحمة إلى الصفوف التي بدت متصدعة.

إن التاريخ يعلمنا أن المحن الكبرى غالباً ما تكون هي المحك الحقيقي الذي يكشف عن معادن الرجال والدول، وأن المصائب، على قسوتها، قد تجمع المصابين وتذكرهم بوحدة الهدف والمصير. فهل تكون هذه الضربة، التي شكلت انتهاكاً سافراً لسيادة دولة عربية وتهديداً خطيراً للأمن الإقليمي، هي الشرارة التي ستعيد إحياء روح التضامن العربي وتدفع بالأمة نحو مواجهة تحدياتها بصف واحد وقلب رجل واحد؟

الضربة التي وحدت العرب: تفاصيل العدوان وردود الفعل الفورية

في عصر يوم الثلاثاء التاسع من سبتمبر 2025، وبينما كانت الأنظار تتجه نحو الجهود الدبلوماسية الحثيثة التي تقودها قطر للتوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة، دوى صوت الانفجارات في قلب الدوحة، معلناً عن عدوان إسرائيلي غادر استهدف مجمعاً سكنياً في منطقة راقية شمال العاصمة. لم يكن هذا الهجوم مجرد عملية عسكرية أخرى في سلسلة الصراع الممتد، بل كان نقطة تحول فارقة، ورسالة دموية لم تستهدف قادة حركة حماس فحسب، بل استهدفت سيادة دولة عربية تلعب دوراً محورياً في الوساطة والسلام.

تفاصيل العدوان: استهداف السيادة في وضح النهار

كشفت التحقيقات الأولية أن الهجوم تم تنفيذه بواسطة عشر طائرات حربية إسرائيلية على الأقل، وباستخدام أسلحة متطورة لم تتمكن الرادارات القطرية من رصدها. وقد أسفر الهجوم عن مقتل ستة أشخاص، من بينهم عنصر من قوة الأمن الداخلي القطري، ونجل كبير مفاوضي حماس، وأربعة من المرافقين والحراس. ورغم أن قادة حماس المستهدفين قد نجوا من محاولة الاغتيال، إلا أن الرسالة كانت واضحة: إسرائيل مستعدة لتوسيع نطاق عدوانها إلى أي مكان، ضاربة عرض الحائط بكل القوانين والأعراف الدولية.

وقد وصفت قطر الهجوم بأنه "إرهاب دولة"، مؤكدة أنها "تحتفظ بحق الرد". ومما زاد من خطورة الموقف أن قطر، الحليف الوثيق للولايات المتحدة، لم يتم إبلاغها بالهجوم إلا بعد وقوعه بعشر دقائق، مما أثار تساؤلات جدية حول مصداقية التحالفات والتعهدات الأمنية في المنطقة.

ردود الفعل العربية: تضامن فوري وغير مسبوق

لم تكد تمضي ساعات قليلة على العدوان، حتى هبت عاصفة من الإدانات والتضامن العربي، لتشكل جبهة موحدة لم تشهدها المنطقة منذ سنوات. فمن الرياض إلى القاهرة، ومن عمان إلى بغداد، توالت بيانات الشجب والاستنكار، معبرة عن رفض قاطع لهذا الانتهاك السافر لسيادة دولة عربية شقيقة. وقد تجلى هذا التضامن في أبهى صوره في الزيارات رفيعة المستوى التي قام بها عدد من القادة العرب إلى الدوحة، في لفتة رمزية وسياسية بالغة الدلالة.

وكان في مقدمة هؤلاء القادة رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، محمد بن زايد آل نهيان، الذي وصل إلى الدوحة في اليوم التالي للهجوم، في زيارة وصفت بأنها "أخوية تضامنية". وقد أكد محمد بن زايد خلال لقائه بأمير قطر، تميم بن حمد آل ثاني، أن "الاعتداء الإسرائيلي على الأراضي القطرية يشكل انتهاكاً لسيادة قطر ويقوض الأمن والاستقرار والسلام بالمنطقة"، مجدداً "تضامن الإمارات الكامل مع قطر ودعمها جميع الإجراءات التي تتخذها للحفاظ على سيادتها".

ولم تقتصر الزيارات على الإمارات، بل شملت أيضاً ولي العهد الأردني الأمير الحسين، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، اللذين توافدا على الدوحة في الأيام التالية، في رسالة واضحة مفادها أن أمن قطر جزء لا يتجزأ من أمن المنطقة بأسرها، وأن أي عدوان عليها هو عدوان على الأمة العربية جمعاء.

تغير الخطاب الإعلامي: صوت واحد ضد العدوان

لم يقتصر التضامن على المواقف الرسمية، بل امتد ليشمل المنابر الإعلامية العربية، التي بدت وكأنها تتحدث بصوت واحد في مواجهة العدوان. فالقنوات التي كانت حتى الأمس القريب تتبنى خطابات متباينة، وأحياناً متضاربة، تجاه القضايا الإقليمية، توحدت في إدانتها للهجوم الإسرائيلي، مؤكدة على ضرورة الوحدة ورص الصفوف. وقد شكل هذا التحول في الخطاب الإعلامي دليلاً إضافياً على أن الصدمة كانت من القوة بحيث أنها تمكنت من إذابة الجليد وتجاوز الخلافات، ولو إلى حين.

وهكذا، فإن الضربة الإسرائيلية التي كانت تهدف إلى بث الفرقة والضعف في الصف العربي، قد أتت بنتائج عكسية تماماً، لتكون بمثابة "ضارة نافعة" أيقظت في الأمة روح التضامن والتآزر، وذكرتها بأن قوتها الحقيقية تكمن في وحدتها.

التاريخ يعيد نفسه: عندما تجمع المصائب العرب

إن ما نشهده اليوم من تقارب عربي في مواجهة العدوان الإسرائيلي ليس ظاهرة جديدة أو فريدة من نوعها، بل هو تكرار لنمط تاريخي لطالما حكم العلاقات العربية-العربية. فالتاريخ يزخر بأمثلة عديدة على كيف أن الأزمات الكبرى والتهديدات الخارجية كانت هي العامل الحاسم في تجاوز الخلافات الداخلية وتوحيد الصفوف. وكما يقول المثل: "المصائب تجمع المصابين"، فإن الأمة العربية، كلما واجهت خطراً وجودياً، كانت تجد في نفسها القوة الكامنة للسمو فوق الجراح والتوحد في مواجهة التحدي.

المصالحة الخليجية 2021: درس في تجاوز الخلافات

ولعل أقرب مثال على هذه الظاهرة هو المصالحة الخليجية التي تمت في قمة العلا بالمملكة العربية السعودية في يناير 2021، والتي أنهت أزمة استمرت لأكثر من ثلاث سنوات بين قطر من جهة، والسعودية والإمارات والبحرين ومصر من جهة أخرى. فبعد سنوات من القطيعة والاتهامات المتبادلة، جاءت المصالحة لتعيد اللحمة إلى البيت الخليجي، ولتؤكد أن روابط الأخوة والمصير المشترك أقوى من أي خلافات طارئة.

وقد كانت الأزمة الخليجية، التي بدأت في يونيو 2017، قد ألقت بظلالها القاتمة على المنطقة بأسرها، وأثارت مخاوف جدية من تفكك مجلس التعاون الخليجي. إلا أن حكمة القادة، وإدراكهم لخطورة التحديات الإقليمية، وخاصة التهديد الإيراني، قد دفعتهم إلى طي صفحة الخلاف والعودة إلى الحوار والتفاهم. وقد عبر ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، عن هذا التوجه بكلمات بليغة في قمة العلا، حيث قال: "هناك حاجة ماسة اليوم لتوحيد جهودنا، للنهوض بمنطقتنا ومواجهة التحديات التي تحيط بنا".

إن المصالحة الخليجية تقدم درساً بليغاً في فن الممكن، وفي القدرة على تحويل الأزمات إلى فرص. وهي تؤكد أن الحوار هو السبيل الوحيد لحل الخلافات، وأن الوحدة هي السلاح الأقوى في مواجهة التحديات. وما نشهده اليوم من تضامن خليجي وعربي مع قطر في مواجهة العدوان الإسرائيلي، هو امتداد طبيعي لروح المصالحة التي سادت في العلا، وتأكيد على أن البيت الخليجي، ومن ورائه البيت العربي، قد أصبح أكثر مناعة وقوة في مواجهة العواصف.

أمثلة تاريخية أخرى: من حرب 1973 إلى الغزو العراقي للكويت

وبالعودة إلى الوراء، نجد أن التاريخ العربي حافل بأمثلة أخرى على كيف أن المصائب قد وحدت العرب. فحرب أكتوبر 1973، التي جاءت بعد سنوات من الانقسام والهزيمة، قد شهدت تضامناً عربياً منقطع النظير، حيث توحدت الجيوش العربية في مواجهة العدو الإسرائيلي، واستخدم سلاح النفط لأول مرة كسلاح استراتيجي فعال. ورغم أن نتائج الحرب لم تكن حاسمة، إلا أنها أعادت للأمة كرامتها وثقتها بنفسها، وأثبتت أن الوحدة العربية قادرة على صنع المعجزات.

إن هذه الأمثلة، وغيرها الكثير، تؤكد أن منطق "رب ضارة نافعة" هو منطق تاريخي راسخ في الوجدان العربي. وهي تبعث على الأمل في أن تكون الضربة الإسرائيلية الأخيرة على قطر هي بداية لصحوة عربية جديدة، ولإدراك عميق بأن التحديات التي تواجه الأمة أكبر من أي خلافات داخلية، وأن الوحدة هي طوق النجاة الوحيد في هذا العالم المضطرب.

نحو استراتيجية عربية موحدة ومستدامة

إن التضامن العربي الذي شهدناه في أعقاب العدوان الإسرائيلي على قطر يبعث على الأمل والتفاؤل، ولكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالاً جوهرياً: هل ستكون هذه الوحدة الطارئة مجرد رد فعل عاطفي ومؤقت، أم أنها ستتحول إلى استراتيجية عربية موحدة ومستدامة لمواجهة التحديات الوجودية التي تواجه الأمة؟ إن الإجابة على هذا السؤال تكمن في قدرة القادة العرب على البناء على هذه اللحظة التاريخية، وتحويل مشاعر التضامن إلى أفعال ومؤسسات. فالوحدة الحقيقية لا تقتصر على البيانات والمواقف السياسية، بل تتجسد في التعاون الاقتصادي والعسكري والثقافي، وفي بناء مؤسسات عربية فاعلة قادرة على حماية الأمن القومي العربي والدفاع عن مصالح الأمة. إن الأمة العربية تقف اليوم على مفترق طرق. فإما أن تستلهم دروس التاريخ، وتستغل هذه "الضارة النافعة" لبناء مستقبل عربي جديد قائم على الوحدة والتضامن، وإما أن تترك هذه الفرصة تضيع، وتعود إلى دوامة الخلافات والانقسامات التي لم تجلب لها سوى الضعف والهوان.

إن الكرة الآن في ملعب القادة العرب. فهل سيرتقون إلى مستوى المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقهم؟ وهل سيتمكنون من تحويل هذه المحنة إلى منحة، وهذه الضارة إلى نافعة؟ إن الأيام والأسابيع القادمة كفيلة بالإجابة على هذه الأسئلة المصيرية. ولكن ما هو مؤكد هو أن الأمة العربية تمتلك كل المقومات اللازمة للنهوض من جديد، وأن وحدتها هي السلاح الأقوى في مواجهة كل التحديات.

شارك المقالة

Scroll to Top