رجوع إلى البحوث الفكر والمنهج وآداب العلم

حُرّيةُ الِاسْتِدْرَاكِ وَإِجْلَالُ الكِبَارِ: عِنْدَمَا يَكُونُ التَّعْقِيبُ عِمَاداً لِلْعِلْمِ لا نَقْصاً لِلْقَدْرِ

الفكر والمنهج وآداب العلم٣ دقائق للقراءة٥٧٢ كلمة

إنّ من المحزنات في زماننا هذا أن تضيق بعض الصدور، وتتوفز النفوس غضباً، كلما قام باحثٌ أو معقب بتوجيه رأيٍ أو مراجعة فتوى لأحد الشيوخ والأعلام؛ وكأن التعقيب قد أصبح مرادفاً للطعن، أو كأن مراجعة الدليل غدت في عرفهم استهانةً بأهل الفضل والسابقة! وإن هذا لخلطٌ بين واجب إجلال العلماء وبين وهم العصمة، وتداخلٌ بين توقير الأعدال وبين تقديس الآراء والآحاد. إنّ الفقه الإسلامي لم يستوِ على سوقه، ولم يتطد بنيانه، إلا عبر حوارٍ علمیّ متصل، وسجالٍ معرفي أثيل، يخضع فيه كل رأي للميزان، ويُعرض كل قول على الدليل، دون أن يُفسد ذلك للود قضية، أو يحطّ من قدر عالمٍ شُهد له بالفضل والتقدم.

مَشْرُوعِيَّةُ الـمُرَاجَعَةِ فِي عَصْرِ النُّبُوَّةِ وَالصَّحَابَةِ

إن سُنّة الاستدراك والمراجعة لم تكن بدعاً من القول، بل هي نهجٌ شريف أصلّه الصحابة الكرام في حضرة المصطفى ﷺ، ففرقوا بأفهامهم الثاقبة بين ما هو وحيٌ معصوم لا مِراء فيه، وبين ما هو اجتهادٌ دنيويّ أو رأي سياسي يستدعي الشورى والنصيحة. ولعلّ موقف الحُباب بن المنذر يوم بدرٍ يسطع كالشمس في هذا الباب، حينما سأل النبي ﷺ عن المنزل: أهو الوحـي الذي لا يتعداه المكلف، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فلما علم أنه الرأي، أشار بالبديل ورسم الخطة، فأخذ النبي ﷺ برأيه دون حرجٍ أو غاضاضة. ولم تكن مراجعات أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لتقف عند حدود الإدارة؛ بل امتدت لتناقش أبا بكر الصديق في قتال أهل الردة وفي جمع المصحف الشريف، حتى شرح الله صدر الصديق لما رآه عمر.

ناهيك عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، التي استدركت على كبار الصحابة في روايات وآراء، فصنّف الإمام الزركشي في استدراكاتها سفرًا خالداً أسمائه "الإجابة لما استدركته عائشة على الصحابة". نعم دَأْبُ الأَئِمَّةِ مَعَ شُيُوخِهِمْ: خِلاَفٌ فِي الرَّأْيِ وَوَفَاءٌ فِي القَلْبِ فلو تصفّح المنصف طبقات الفقهاء، لوجد أن أجلّ المذاهب وأعظم الآراء لم تتأسس إلا عبر استدراكات التلاميذ على شيوخهم، وهم في ذلك أشد ما يكونون أدباً وحباً وإجلالاً. فالإمام الشافعي – رحمه الله – الذي كان يقول عن شيخه الإمام مالك بن أنس: "إذا ذُكر العلماء فمالك النجم"، هو نفسه الذي أفرد كتاباً كاملاً في مذهبه لسرد "اختلافه مع مالك"، ورأى أن اتباع الأثر ووضوح الدليل أولى بالتقديم من الهيبة المجردة لشخص الإمام.

وهذا القاضي أبو يوسف والإمام محمد بن الحسن الشيباني، صاحبَا الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، قد خالفاه في نحو ثلث المذهب الحنفي بناءً على ما ظهر لهما من الأدلة والآثار الحديثية التي لم تبلغ شيخهما؛ فهل نقص ذلك من قدر أبي حنيفة؟ أم هل عُدّ الصاحبان عاقّين لإمامهما؟ بل إن المذهب الحنفي لم يزدَدْ بذلك إلا ثراءً وتسديداً.

القَوَاعِدُ الأُصُولِيَّةُ: الرِّجَالُ يُعْرَفُونَ بِالحَقِّ

لقد أجمع أئمة الهدى على قاعدة ذهبية تُعلي من شأن النص وتضع البشر في موضعهم الطبيعي من الخطأ والصواب؛ فكان الإمام مالك يرسلها حكمةً تدوي في أروقة المسجد النبوي: "كلٌّ يُؤخذ من قوله ويُردّ، إلا صاحب هذا القبر"، مشيراً إلى الحجرة الشريفة. وكان الشافعي يقول: "إذا صح الحديث فهو مذهبي"، ويردد: "أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة عن رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد". إن التعقيب العلمي الرصين ليس نقيصةً في حق المُعَقَّبِ عليه، بل هو اعترافٌ بجهده وتحريكٌ لعجلة الفقه؛ فالجاهل لا يُعقب عليه، وإنما يُعقب على الأعلام لأن آراءهم تقع موقع التأثير والافتداء.

خَاتِمَةُ القَوْلِ

إننا إذ نُعقب على فتوى شيخٍ جليل أو عالمٍ معروف، فإننا ننطلق من أرضية التبجيل والمحبة، لا من نزعة التجريح والإسقاط. إن النقد العلمي أدبٌ وشرف، أما التقعر والغضب لمجرد التعقيب فبدعةٌ مسلكية تُمرض الفقه وتُميت روح البحث.

فليتسع صدور الأفاضل للحق، وليعلم الجميع أن التعقيب سُنّة العلماء وسَبيل الوفاء، وأننا نُجلّ الشيوخ ونحبهم، لكننا نحب الحق أكثر.

شارك المقالة

Scroll to Top