رجوع إلى البحوث الفكر والمنهج وآداب العلم

بين صرامة المنهج وغواية السرد: ضرورة إعادة قراءة التاريخ (إبراهيم العسال أنموذجاً)

الفكر والمنهج وآداب العلم٣ دقائق للقراءة٥٦٠ كلمة

إن التاريخ، في جوهره الأصيل، ليس مستودعاً للحكايات المسلية التي تُروى في أسمار الليالي، ولا هو مسرحٌ تُستدعى فيه شخوص الماضي لتُحاكم بأهواء الحاضر. التاريخ هو "ذاكرة الأمة"، وهو العلم الذي تتجلى فيه سنن الله في الكون، ومسارات العمران البشري. ومن هنا، كانت كتابة التاريخ وقراءته مسؤولية أخلاقية ومعرفية، تتطلب من التجرد والصرامة المنهجية ما يفوق مجرد الرغبة في الإمتاع والمؤانسة. وفي الفضاء الرقمي المعاصر، برزت ظاهرة مقلقة نطلق عليها "استسهال التاريخ"، حيث تحول هذا العلم الجليل إلى مادة دسمة لصناع المحتوى، سعياً وراء الإثارة وجذب الجماهير. ولعل من النماذج التي تستدعي وقفة أكاديمية جادة، ما يقدمه الأستاذ إبراهيم العسال؛ وهي حالة تستوجب التشريح النقدي، ليس طعناً في شخصه، بل غيرةً على الوعي التاريخي الذي يتشكل لدى شريحة واسعة من المتابعين والمحبين.

محنة التاريخ في زمن "الحكواتية"

لقد استوقفني كثيراً حجم القبول الذي يحظى به العسال، والالتفاف حول ما يطرحه. غير أن النظرة الأكاديمية الفاحصة لما يقدمه تكشف عن فجوة عميقة بين "الباحث المؤرخ" و"الراوي الحكواتي". المؤرخ الأكاديمي يتعامل مع النص التاريخي كما يتعامل الجرّاح مع الجسد؛ بحذر، ودقة، وأدوات معقمة. أما منهجية العسال، فتعتمد على سرد كل ما تقع عليه عينه، بطريقة أقرب إلى من وصفهم الأقدمون بـ "حاطب ليل"؛ يجمع الحطب في الظلام فلا يدري أقبض على عودٍ أم على أفعى. هذا الاعتماد على مجرد الحكي المتدفق، دون تمحيص للروايات أو تدقيق في سياقاتها، أوقعه في "طامات" علمية لا يقرها باحث متمرس.

غياب ميزان الذهب: علم الجرح والتعديل

إن أخطر ما في هذا الطرح هو غياب المنهجية النقدية، وتحديداً ما أصله علماء المسلمين في "علم الجرح والتعديل". هذا العلم العظيم الذي لم يُبتكر للحديث النبوي فحسب، بل هو ميزان حساس لنقد الرواية التاريخية أياً كان مصدرها.

قبول الروايات على عواهنها: يميل هذا الأسلوب إلى التقاط الروايات الشاذة أو الضعيفة لمجرد احتوائها على حبكة درامية تخدم "القصة" وتجذب المستمع، متجاهلاً قاعدة "ليس كل ما يُقرأ في الكتب يُروى على أنه حقيقة". التحامل والهوى: الباحث الحق يتجرد من قناعاته المسبقة قبل الدخول إلى محراب التاريخ. وما نلحظه في هذا الأنموذج هو استدعاء التاريخ لتصفية حسابات أو إسقاط أهواء شخصية، فيبرز التحامل واضحاً في انتقاء نصوص بعينها وغض الطرف عن أخرى، مما يُخرج العمل من دائرة البحث العلمي إلى دائرة التوظيف الأيديولوجي. بتر الأحداث عن سياقاتها: التاريخ سلسلة متصلة الحلقات. سرد واقعة بمعزل عن ظروفها السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية في عصرها، هو تزوير غير مباشر للوعي.

"إن قراءة التاريخ بلا وعي نقدي، وبلا إدراك لأدوات تمحيص الرواة، تحولنا من دارسين للتاريخ إلى ضحايا له."

نحو إعادة قراءة منهجية للتاريخ

إن التصدي لهذه الظاهرة لا يكون بالمنع، بل بتقديم البديل المنهجي، وتوعية المتلقي بأن المعرفة التاريخية لا تُستقى من جلسات الحكي، بل من خلال ضوابط صارمة:

1. إعمال النقد التاريخي

لا بد من عرض الروايات على محك العقل، ومقارنتها بالمصادر المتزامنة مع الحدث، ودراسة حال المؤرخين القدامى لمعرفة توجهاتهم وميولهم قبل قبول رواياتهم.

  1. التجرد عن الهوى: التاريخ ليس ساحة للانتصار لمذهب أو طائفة أو فكرة معاصرة.

يجب دراسة الشخصيات التاريخية كبشر يخطئون ويصيبون، بعيداً عن التقديس المطلق أو الشيطنة الكاملة.

  1. الربط التحليلي: الانتقال من "تاريخ الوقائع" إلى "تاريخ الأفكار والسنن".

فالأحداث لا تقع في فراغ، وفهم الأسباب العميقة لنهوض الأمم وسقوطها هو الغاية الكبرى من دراسة التاريخ. ختاماً؛ إن الجمهور المتعطش لمعرفة ماضيه يستحق منا أن نقدم له غذاءً فكرياً ناضجاً. إن محبة الناس واستماعهم هي أمانة ثقيلة، تفرض على المتحدث أن يرتقي بأدواته المعرفية، وأن يدرك أن الكلمة التي يلقيها في عقول الشباب اليوم، ستشكل وعي جيلٍ بأكمله غداً. التاريخ أمانة، وحقائق الأيام لا تُنال بغواية السرد، بل بصرامة المنهج وصدق البحث.

شارك المقالة

Scroll to Top