رجوع إلى البحوث العقيدة والفرق والتاريخ العقدي

وقفات في عاشوراء

رؤية أصولية عقائدية سنية

العقيدة والفرق والتاريخ العقدي١٢ دقيقة للقراءة١٬٩٩٩ كلمة

تُعدّ عاشوراء من الأيام التي تحمل في طياتها دلالات تاريخية وآثار برزت بعض الفرق العقائدية في الوعي الإسلامي. ومع تباين الرؤى وتعدد التفسيرات حول هذه المناسبة، يبرز لزوم العودة إلى الأصول الشرعية والمناهج العلمية الرصينة لتقديم فهم سليم ومستقيم يتوافق مع عقيدة أهل السنة والجماعة. إن الهدف من هذه المقالة هو تسليط الضوء على أبرز الوقفات الأصولية والعقائدية المتعلقة بيوم عاشوراء، مع تصحيح المفاهيم المغلوطة وتأصيل الرؤية السنية القائمة على الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة.

أولاً: المنهج السني في التعامل مع الروايات التاريخية

إن من أهم الأسس التي يقوم عليها المنهج السني في التعامل مع الأحداث التاريخية، وخاصة تلك التي تتعلق بالفتن والصراعات، هو التثبت والتحقق من صحة الروايات. فكتب التاريخ، وإن كانت مصدراً مهماً لسرد الوقائع، إلا أنها لا تُعامل معاملة كتب الحديث في الدقة والتمحيص.

لقد دأب كثير من المؤرخين على جمع ما وصل إليهم من أخبار دون تمييز بين الصحيح والسقيم، أو الغث والسمين، فكانت غايتهم في كثير من الأحيان هي مجرد النقل والحكاية، لا التوثيق والتدقيق. ولذلك، فإن غالب ما يُروى في هذه الكتب لا يُعدّ من المسلمات أو الأمور المقطوع بها، بل يشوبه الحذر والتوقف، ولا يجوز اعتباره حجة في العقائد أو الأحكام. إن هذا المنهج الحصيف يقتضي منا عدم الانسياق وراء كل ما يُذكر من تفاصيل، خاصة تلك التي تفتقر إلى الأسانيد الصحيحة أو التي تتعارض مع الأصول الشرعية ومبادئ العدل والإنصاف التي جاء بها الإسلام. فالتاريخ يُستأنس به، ولا يُبنى عليه الاعتقاد إلا ما ثبت منه ثبوتاً قطعياً لا شبهة فيه، وهذا ما يميز منهج أهل السنة في التعامل مع المرويات التاريخية عن غيرهم ممن يتخذون من القصص والأخبار غير الموثقة أساساً لعقائدهم وشعائرهم.

ثانياً: حادثة استشهاد الحسين رضي الله عنه وموقف أهل السنة

تُعدّ حادثة استشهاد الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما في كربلاء من الأحداث المؤلمة في تاريخ الإسلام، والتي تثير مشاعر الحزن والأسى في قلوب المسلمين. فالإمام الحسين، سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانته، كان من خيرة الصحابة وأفاضلهم، وقد خرج مجتهداً رأيه، ساعياً لإصلاح ما رآه من انحراف في مسار الحكم، وهو اجتهاد مأجور عليه إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر. ومهما كان اجتهاده، فإن قتله كان ظلماً وعدواناً عظيماً، تتحمل وزره الفئة الباغية التي أقدمت على هذا الفعل الشنيع. إن أهل السنة والجماعة يحبون صحابة النبي وآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ويوالونهم، ويترضون عن الحسين وعن جميع الصحابة الكرام، ويبرأون ممن قتله أو رضي بقتله. إلا أن هذه الحادثة مازال يكتنفها كثير من الغموض ودقة المرويات لا سيما مع اعتراض كبار الصحابة الكرام على الخروج .

ومع إقرارنا بفظاعة هذه الجريمة وشناعتها، إلا أن منهج أهل السنة يختلف عن منهج الفرق الأخرى في التعامل مع هذه الحادثة. فبينما تتخذ بعض الفرق من هذا اليوم مناسبة للبكاء والعويل واللطم وإقامة المآتم.

فإن أهل السنة يرون أن هذه الأفعال لا تتفق مع هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا مع سنة الصحابة الكرام. فلقد استشهد كثير من الصحابة الأجلاء في سبيل الله، منهم من قُتل في المعارك، ومنهم من اغتيل غدراً، كعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، وهم من هم في الفضل والسابقة، ومع ذلك لم تتخذ الأمة أيام مقتلهم مناسبة للبكاء الدائم أو النياحة المستمرة أو إقامة الشعائر الخاصة بذلك.

إن الحزن على المصائب أمر فطري، ولكن المبالغة فيه وتحويله إلى طقوس وشعائر يُعدّ خروجاً عن المنهج الشرعي، ويفتح باباً للبدع والمحدثات في الدين. فإننا نترحم على الحسين ونترضى عنه، ونسأل الله أن يلحقه بالصالحين، ولكننا لا نُحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله.

ثالثاً: نقد روايات أبي مخنف وأثرها في تضخيم الأحداث

من الأهمية بمكان عند تناول حادثة كربلاء الإشارة إلى المصادر التي استقت منها كثير من الروايات المتداولة. فمما يؤسف له أن نسبة كبيرة، قد تصل إلى تسعين بالمائة، مما يُحكى عن تفاصيل مقتل الحسين رضي الله عنه، إنما هو منقول عن أبي مخنف لوط بن يحيى. وهذا الرجل، كما أجمع عليه كثير من أئمة الجرح والتعديل، كان كذاباً غير موثوق به في النقل. وقد أشار إلى ذلك الإمام ابن كثير في "البداية والنهاية"، حيث اعتذر عن ذكر بعض رواياته، مما يدل على ضعفها وعدم الاعتماد عليها. ورغم ذلك، فقد اعتمد كثير من كتب التاريخ على ما رواه أبو مخنف، فسوّدوا بها الصحف وملأوا بها المدونات، حتى أصبحت هذه الروايات الضعيفة والمكذوبة هي السائدة في أذهان كثير من الناس. إن المنهج العلمي السليم يقتضي التثبت من صحة الروايات قبل قبولها، خاصة في الأمور التي تتعلق بالعقائد والأحكام أو التي تُبنى عليها مواقف وأحكام شرعية.

والقدر المتفق عليه من حادثة الحسين، والذي لا خلاف فيه بين أهل العلم، هو أنه رضي الله عنه لم يبايع يزيد بن معاوية، وكذلك ابن الزبير، وأن أهل الكوفة كاتبوه ووعدوه بالنصرة، ثم غدروا به وخذلوه، مما أدى إلى استشهاده رحمه الله تعالى. أما تفاصيل آلية خروجه، أو كيفية مقتله، أو التعامل مع أهل بيته، أو قضية التفاوض مع ابن زياد، فلا توجد روايات صحيحة ثابتة يمكن الاعتماد عليها في ذلك.

ولذلك، فإن من يخرج في وسائل الإعلام مسترسلاً بروايات لا تثبت، وتأملات لا تصح، وحكايات لا خطام لها ولا زمام، فإنه يقع في محظور نشر الأكاذيب وتضخيم الأحداث بما لا يتفق مع الحقيقة التاريخية المثبتة. ويكفينا في هذا المقام الترحم على الحسين والترضي عنه، والدعاء له بالرحمة والمغفرة، دون الخوض في تفاصيل لم تثبت صحتها.

رابعاً: صيام عاشوراء: حكمه الشرعي وعلاقته بالحادثة التاريخية

يُعدّ صيام يوم عاشوراء من المشروع على وجه الاباحة أو الاستحباب التي حثّ عليها النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان يصومه عليه الصلاة والسلام قبل فرض صيام رمضان. وهذا يدل على أن صيام عاشوراء كان معروفاً وممارساً قبل حادثة استشهاد الحسين رضي الله عنه بقرون عديدة، وأن سبب صيامه هو شكر الله تعالى على نجاة موسى عليه السلام وقومه من فرعون. والإشكال الذي يقع فيه البعض هو ربط صيام عاشوراء بحادثة استشهاد الحسين رضي الله عنه، واعتبار الصيام نوعاً من الاحتفال بهذه المناسبة أو الحزن عليها. وهذا الربط لا أساس له في الشرع، بل هو من البدع المحدثة. فصيام عاشوراء سنة نبوية ثابتة، لا علاقة لها بالحادثة التاريخية التي وقعت في كربلاء. وقد كان صيام عاشوراء واجباً في بداية الإسلام، ثم نُسخ وجوبه بفرض صيام رمضان، وبقي مشروعيته على وجه الاباحة أو الاستحباب . فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كانوا يصومون عاشوراء قبل أن يفرض رمضان، فلما فرض رمضان ترك، فكان من شاء صامه ومن شاء تركه" [صحيح البخاري].

وإن حادثة استشهاد الحسين رضي الله عنه، وإن كانت عظيمة ومؤلمة، إلا أنها مجرد حادثة من حوادث المسلمين التاريخية، كغيرها من الحوادث التي وقعت للصحابة الكرام. فقد استشهد من هو خير من الحسين وأفضل منه في الفضل والسابقة، كعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، ولم يلتفت المسلمون إلى ربط صيام أو عبادة معينة بوفاتهم أو استشهادهم. إن أهل الإسلام لا يرون في هذه الحوادث إلا أحداثاً تاريخية لا علاقة للتشريع بها، على عكس أرباب الطوائف الذين جعلوا دينهم مجرد طقوس وشعائر مبنية على هذه الحوادث، مما أدى إلى الخروج عن جادة الصواب والابتداع في الدين. إننا نصوم عاشوراء اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم وشكراً لله على نجاة موسى، لا حزناً على الحسين أو احتفالاً بذكراه، فالحزن على المصائب له حدوده الشرعية، ولا يجوز تحويله إلى عبادات أو شعائر دائمة.

خامساً: رفض الخنوع وتغيير الهوية

الثبات على المنهج السني

فإن من أخطر ما يواجه الأمة الإسلامية في هذا العصر هو محاولات طمس الهوية وتغيير المعالم الشرعية، وذلك بالخنوع والخضوع لضغوطات خارجية أو داخلية تهدف إلى تذويب الفروقات العقائدية والمنهجية. ومن مظاهر ذلك ما نراه من تخصيص خطب ومحاضرات عن حادثة كربلاء في يوم عاشوراء، وكأن هذا الحدث هو الوحيد الذي يستحق الذكر والاهتمام، أو أنه يمثل مناسبة دينية خاصة. وهذا التماهي والنفاق في التعامل مع هذه المناسبة يُعدّ خروجاً عن المنهج السني القويم. فإذا كان الأمر يتعلق بذكر الأحداث التاريخية المؤلمة، فلماذا لا تُتخذ تواريخ وفيات الصحابة الكرام واستشهادهم حدثاً يُوقف عنده؟ لقد استشهد أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وهم أفضل الأمة بعد نبيها، ولم تُتخذ أيام وفاتهم مناسبات للبكاء والعويل وإقامة الشعائر. إن تخصيص يوم عاشوراء بذكر حادثة الحسين فقط، وإهمال باقي الأحداث العظيمة في تاريخ الإسلام، يُعدّ انتقائية غير مبررة، وتغييراً للهوية السنية التي تقوم على الاعتدال والشمولية.

كما أننا نرى البعض يذهب زائراً مراقد ما يُسمى بالأئمة، أو تُخصص قنوات سنية برامج في عشر محرم، وكأن محرم ليس فيه مناسبة غير ذكرى الهجرة النبوية في أوله، وعاشره الذي نُسخ حكم صيامه الوجوبي. إن هذا الانجراف نحو تقليد الفرق الأخرى في شعائرها وطقوسها يُعدّ خطراً على الهوية السنية، ويُدخل البدع والمحدثات إلى صفوف أهل السنة. إن الواجب على المسلم هو التمسك بما جاء في الكتاب والسنة، والابتعاد عن كل ما يُحدث في الدين من طقوس وشعائر لم يأذن بها الله ورسوله. فمحرم شهر عظيم، ولكن عظمته لا تكمن في حادثة كربلاء، بل في كونه شهر الله المحرم، وفيه ذكرى الهجرة النبوية الشريفة، وصيام يوم عاشوراء شكراً لله لا نتعداه لتقليد الاخرين، وهذا هو المنهج السني الصحيح الذي يجب الثبات عليه.

سادساً: الأئمة الاثنا عشر في منظور أهل السنة والجماعة

يُثار كثيراً الحديث عن الأئمة الاثني عشر، وخاصة في سياق الخلافات المذهبية. ومن المهم جداً توضيح موقف أهل السنة والجماعة من هؤلاء الأئمة. إن أهل السنة يحبون آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ويجلونهم، ويعتقدون أنهم من أفضل الناس وأعلمهم وأتقاهم. ولكن مفهوم الأئمة الاثني عشر عند أهل السنة يختلف جذرياً عن مفهومهم عند الفرق الأخرى. فالأئمة الاثنا عشر عند أهل الإسلام هم مجموعة من الأعلام والفضلاء الذين برزوا في العلم والتقوى والجهاد، وهم أقسام: منهم كبار الصحابة الكرام، كسيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو من الخلفاء الراشدين وأحد العشرة المبشرين بالجنة، ومن أعلم الصحابة وأشجعهم. ومنهم صغار الصحابة، كسيدنا الحسن والحسين رضي الله عنهما، وهما سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانتاه، وقد تربيا في بيته ونالا من علمه وفضله.

ومع عظيم فضلهما ومكانتهما، إلا أنهما في الرتبة دون العشرة المبشرين بالجنة، ودون المهاجرين والأنصار الذين شهدوا بدراً وأحداً وبيعة الرضوان، فالتفاضل بين الصحابة قائم على السابقة في الإسلام والجهاد والعلم والتقوى. ومن الأئمة الاثني عشر أيضاً كبار التابعين الذين نالوا قسطاً وافراً من العلم والفضل، وهم من سلالة آل البيت النبوي الشريف، ومنهم: علي بن الحسين زين العابدين، وهو من كبار التابعين وأئمة العلم والورع، وقد كان فقيهاً عابداً. وولده محمد الباقر، الذي كان عالماً فقيهاً، وقد روى عنه كثير من الأحاديث. وولده جعفر الصادق، الذي كان إماماً في الفقه والحديث، وقد أخذ عنه كثير من الأئمة. وولده موسى الكاظم، الذي كان عالماً عابداً زاهداً. وولده علي الرضا، الذي كان عالماً فاضلاً. فكل هؤلاء من أئمة الهدى والسنة المعروفين، لكن هناك في تاريخناالاسلامي من ربما فاقهم في العطاءو البذل و العلم و المنزلة و إن كان كل ذلك التفاضلفي ميزان الله تعالى.

وكذا أبناؤهم الذين جاءوا من بعدهم، وإن كانوا أقل منهم في الرتبة والخيرية، وهم: محمد الجواد بن علي الرضا، وولده علي الهادي، وولده الحسن العسكري. هؤلاء جميعاً هم أئمة أجلاء وإن خفيت علينا معظم سيرتهم، يُجلهم أهل السنة ويقدرون علمهم وفضلهم، ولكنهم لا ينسبون إليهم العصمة أو الولاية التكوينية أو غير ذلك من العقائد التي ابتدعتها الفرق الأخرى. أما ما يزعمه البعض في ولده محمد المهدي المنتظر، فلا يثبت وجوده في كتب أهل السنة والجماعة، فضلاً عن فضله أو غيبته أو رجعته. فعقيدة المهدي المنتظر عند أهل السنة مختلف فيه فورد أحاديث لكنها دون الصحة تثبت خروجه في آخر الزمان، وأنه سيكون من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنها لا تحدد شخصه أو نسبه بهذه التفاصيل التي تذكرها الفرق الأخرى، ولا تثبت غيبته أو وجوده حالياً. إن التمسك بما ثبت في الشرع، وترك ما لم يثبت، هو من أصول منهج أهل السنة والجماعة في العقيدة.

خاتمة

في الختام، يتضح لنا أن يوم عاشوراء يحمل في طياته دلالات عظيمة، ولكن يجب التعامل معها بمنهجية شرعية وعقائدية سليمة، بعيداً عن الغلو والابتداع. فأهل السنة والجماعة يتمسكون بالكتاب والسنة وفهم سلف الأمة، ويُجلون آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ويحبونهم، ويترضون عن جميع الصحابة الكرام. فإن صيام عاشوراء سنة نبوية ثابتة، لا علاقة لها بحادثة استشهاد الحسين رضي الله عنه، بل هي شكر لله على نجاة موسى عليه السلام. ويجب الحذر من الروايات الضعيفة والمكذوبة التي تهدف إلى تضخيم الأحداث التاريخية وتشويه الحقائق. إن الثبات على المنهج السني القويم، ورفض الخنوع وتغيير الهوية، هو السبيل الوحيد للحفاظ على نقاء العقيدة وسلامة المنهج. فلنكن على بصيرة من أمر ديننا، ولنتبع ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، ولنبتعد عن كل ما يُحدث في الدين من طقوس وشعائر لم يأذن بها الله ورسوله.

نسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا من المتمسكين بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يجمعنا به في جنات النعيم.

شارك المقالة

Scroll to Top