رجوع إلى البحوث العقيدة والفرق والتاريخ العقدي

الجامع لمذاهب أهل السنة في صفات الله تعالى: دراسة ومقارنة

العقيدة والفرق والتاريخ العقدي٤ دقائق للقراءة٦٢٩ كلمة

[من شروحي على بدء المالي و النسفية و الطحاوية].

أولاً: مذهب الأشاعرة والماتريدية

يمثلان المدرسة الكلامية لأهل السنة، ويتفقان في الأصول العامة مع فوارق دقيقة.

١. القاعدة الأساسية (التنزيه المطلق)

ينطلقون من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. ينزهون الله عن الجسمية، والمكان، والزمان، والحدود، والأعضاء.

٢. أقسام الصفات

الصفات النفسية: الوجود.

الصفات السلبية (التنزيهية): (القدم، البقاء، المخالفة للحوادث، القيام بالنفس، الوحدانية).

صفات المعاني (الأزلية):

عند الأشاعرة (٧ صفات): (العلم، القدرة، الإرادة، الحياة، السمع، البصر، الكلام). عند الماتريدية (٨ صفات): يضيفون صفة "التكوين" (وهي صفة الخلق والإيجاد القائمة بالذات)، بينما يعتبرها الأشاعرة أثراً للقدرة وليست صفة مستقلة.

٣. موقفهم من الصفات الخبرية (اليد، الوجه، الاستواء)

لهم مسلكان معتمدان:

التفويض (طريقة السلف عندهم): إثبات اللفظ، ونفي المعنى الظاهر المادي، وتفويض العلم بمراد الله إليه سبحانه.

التأويل (طريقة الخلف): صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى يليق بالله (مثل: اليد = القدرة/النعمة، الاستواء = القهر/الاستيلاء).

٤. صفة الكلام

الله متكلم بـ "كلام نفسي" قديم لا بحرف ولا صوت. أما القرآن المقروء فهو عبارة مخلوقة دالة على الكلام النفسي القديم.

ثانياً: مذهب أهل الحديث وابن تيمية

يُمثل مدرسة الأثر والتمسك بظواهر النصوص مع نفي الكيفية.

١. القاعدة الأساسية (الإثبات بلا تكييف)

قاعدتهم: "أمِرُّوها كما جاءت بلا كيف". يثبتون ما أثبته الله لنفسه حقيقةً.

٢. منهج ابن تيمية الخاص

إثبات المعنى وتفويض الكيف: المعنى اللغوي للصفة (مثل اليد أو الغضب) معلوم، لكن الكيفية مجهولة.

القاعدة: "القول في الصفات كالقول في الذات"؛ إثبات ذات لا تشبه الذوات يقتضي إثبات صفات لا تشبه الصفات.

٣. حلول الحوادث (الأفعال الاختيارية)

يخالفون الأشاعرة ويثبتون أن الله يفعل ما يشاء متى شاء (كالنزول، المجيء، الغضب، الرضا). ويرون أن تجدد أفعال الله كمالٌ يدل على قدرته وحياته، وليس نقصاً.

ثالثاً: المقارنة الشاملة

1. الصفات الخبرية (اليد، الوجه، العين)

الأشاعرة والماتريدية: تأويلها (بمعاني القدرة والذات) أو تفويض معناها. لأن ظاهرها يوهم الجسمية.

أهل الحديث وابن تيمية: إثباتها حقيقةً على ما يليق بالله، بلا تكييف ولا تمثيل.

2. الاستواء على العرش

الأشاعرة والماتريدية: يُفسر بـ (الاستيلاء والقهر)، أو يُفوّض. لأن الاستواء الحقيقي يقتضي المكان والتحيز.

أهل الحديث وابن تيمية: يُفسر بـ (العلو والارتفاع والاستقرار) حقيقةً، والله بائن من خلقه وفوق عرشه ولا يحويه مكان.

3. كلام الله (القرآن)

الأشاعرة والماتريدية: كلام نفسي (معنى قائم بالذات بلا صوت)، والقرآن عبارة مخلوقة دالة عليه.

أهل الحديث وابن تيمية: كلام حقيقي بحرف وصوت (يسمعه من يشاء)، قديم النوع، حادث الآحاد (يتكلم متى شاء).

4. صفات الأفعال (الغضب، الرضا، النزول)

الأشاعرة والماتريدية: لا تقوم بذات الله (لأن التغير دليل الحدوث). تُفسر بإرادة الثواب أو العقاب.

أهل الحديث وابن تيمية: تقوم بذات الله. يفعلها متى شاء، وهي صفات كمال لا نقص.

رابعاً: المنظومة العقدية (أرجوزة بيان الصفات)

بِسمِ الإلَهِ الخَالِقِ القَدِيرِوَالحَمدُ لِلمُهَيْمِنِ الخَبِيرِ
ثُمَّ الصَّلاةُ مَعْ سَلامٍ نَامِيعَلى النَّبِيِّ المُصْطَفَى التِّهَامِي
وَبَعْدُ فَاسْمَعْ قِصَّةَ المَذَاهِبْ فِيآيَةِ الصِّفَاتِ وَالمَطَالِبْ فَالكُلُّ يَنْفِي
عَنْهُ وَصْفَ النَّقْصِوَالشَّبْهَ بِالخَلْقِ وَحَدَّ الشَّخْصِ

( مَذْهَبُ الأَشَاعِرَةِ وَالمَاتُرِيدِيَّة )

فَمَذْهَبُ الأَشْعَرِيِّ وَ "المَاتُرِيدْ"تَنْزِيهُ رَبِّ العَرْشِ عَمَّا لَا يُفِيدْ
قَالُوا صِفَاتُ الفِعْلِ وَالأَعْضَاءِمَصْرُوفَةٌ عَنْ ظَاهِرِ الإِمْضَاءِ
يَقُولُ فِي "اليَدَيْنِ" تِلْكَ القُدْرَةُوَ "الوَجْهُ" ذَاتُ اللَّهِ جَلَّتْ حَضْرَةُ
وَفَسَّرُوا "اسْتِوَاءَهُ" بِالمُلْكِخَوْفَ التَّحَيُّزِ بِجَوْفِ الفُلْكِ
وَفَوَّضُوا العِلْمَ لِرَبِّ النَّاسِفِي كُلِّ نَصٍّ مُوهِمِ الإِلْبَاسِ
كَلامُهُ فِي النَّفْسِ مَعْنًى قَامَالَيْسَ بِحَرْفٍ يُسْمِعُ الأَنَامَا
وَالخَلْقُ مَخْلُوقٌ بَدِيعُ الصُّنْعِ وَاللَّهُلَا تَحِلُّ فِيهِ (يَا أُخَيُّ) فُعْلُ

( مَذْهَبُ أَهْلِ الحَدِيثِ وَابْنِ تَيْمِيَة )

وَمَذْهَبُ "الحَدِيثِ" وَابْنِ تَيْمِيَةطَرِيقُهُمْ إِثْبَاتُ وَصْفٍ عَالِيَهْ
يُمِرُّهَا كَمَا أَتَتْ فِي النَّصِّ مِنْغَيْرِ تَشْبِيهٍ لَهَا بِالشَّخْصِ يَقُولُ: مَعْنَى
الوَصْفِ شَيْءٌ يُعْقَلُ لَكِنَّ (كَيْفَ) ذَاكَ أَمْرٌيُجْهَلُ فَاليَدُ حَقٌّ وَالعُلُوُّ ثَابِتُ وَالذَّاتُ فَوْقَ
العَرْشِ لَا تُبَاهِتُ وَلَيْسَ يَلْزَمُ مِنَ الثُّبُوتِتَشَابُهَ الخَالِقِ بِالمَمْقُوتِ
كَلامُهُ بِصَوْتِهِ المَسْمُوعِمُتَّصِلٌ بِمَشْيِهِ المَطْبُوعِ
يَرْضَى وَيَغْضَبُ كَيْفَ شَاءَ وَاخْتَارْلا يَمْنَعُ الفِعْلَ الكَرِيمَ الجَبَّارْ

( الخَاتِمَة )

فالأَوَّلُونَ حَكَّمُوا العُقُولاوَأَوَّلُوا خَشْيَةَ أَنْ يَقُولا:
بِأَنَّ لِلَّهِ صِفَاتِ الجِسْمِفَخَالَفُوا الظَّاهِرَ عِنْدَ الحُكْمِ

وَالآخِرُونَ عَظَّمُوا المَنْقُولا وَأَثْبَتُوا التَّفْصِيلَ وَالأُصُولا قَالُوا صِفَاتُ الرَّبِّ لَا تُشَابِهُ صِفَاتِنَا، وَالحَقُّ لَا يُجَابَهُ

وَكُلُّهُمْ يَبْغِي رِضَا الرَّحْمَنِ وَالفَوْزَ بِالْجَنَّةِ وَالإِحْسَانِ

شارك المقالة

Scroll to Top