رجوع إلى البحوث العقيدة والفرق والتاريخ العقدي

«موجود» بين اللغة والعقيدة: تصحيح تعليل شائع

العقيدة والفرق والتاريخ العقدي٨ دقائق للقراءة١٬٤٢٠ كلمة

هذه نتيجةٌ صحيحةٌ بُنِيَت على تعليلٍ مُختَلّ. فالكلامُ المنقولُ فيه إصابةٌ في المُنتَهى وخطأٌ في الطريق؛ وقد اجتمع فيه خطأٌ لغويٌّ صريح، ولَزِمَ عنه خطأٌ عَقَديٌّ خفيٌّ هو أشدُّ مما فَرَّ منه. وبيانُ ذلك في المطالبِ الآتية.

أوّلًا: ما أصابَ فيه الكاتبُ فيُشكَرُ عليه

أصابَ في ردِّ دعوى التكفير، وهذا صوابٌ محضٌ وواجبٌ شرعيّ؛ فقولُ القائلِ «اللهُ موجود» ليس كفرًا ولا بدعةً ولا مكروهًا، بل هو جارٍ على ألسنةِ أئمّةِ الإسلامِ من الماتُريديّةِ والأشاعرةِ وأهلِ الحديثِ في مصنّفاتِهم العَقَديّةِ من غيرِ نكيرٍ من أحد. وقد نصَّ العمرانيُّ الشافعيُّ (ت ٥٥٨هـ) على أنّه وصفٌ متعيِّنٌ لا مجرَّدُ جائز، فقال في «الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار» (٢/ ٥٤١): «كما أنّ اللهَ سبحانه يُوصَفُ بالوجودِ؛ لأنّ الوجودَ ضدُّ العدم، ولمّا لم يُوصَفْ بالعدمِ تعيَّنَ وصفُه بالوجود».

وأصابَ في التفريقِ بين الثلاثيِّ والرباعيّ؛ فقولُه إنّ اسمَ المفعولِ من الرباعيِّ «أَوْجَدَ» هو «مُوجَد» بمعنى المخلوقِ المُنشَأ، وإنّه لا يُقالُ على اللهِ تعالى — صحيحٌ صرفيًّا ومعنًى، وهو من أحسنِ ما في النصّ. غيرَ أنّ صوابَ ضبطِ اللفظينِ: مُوجِد ومُوجَد بضمِّ الميمِ فيهما، لا بفتحِها كما وقعَ في كلامِه. وأصابَ في قولِه: «وأيضًا موجودٌ عكسُ معدوم»؛ فهذا هو التخريجُ الصحيحُ للّفظِ بعينِه. غيرَ أنّه أوردَه بصيغةِ الاستئناسِ «وأيضًا»، وهو في الحقيقةِ أصلُ البابِ لا تَتِمَّتُه؛ بل هو مُبطِلٌ لتخريجِه الأوّلِ كما سيأتي. وأصابَ أخيرًا في تخريجِ المسألةِ على بابِ الإخبار، إذ قال: «فيصحُّ قولُنا: اللهُ موجودٌ من بابِ الإخبار»، وهو تخريجٌ سديدٌ موافقٌ لما قرّره المحقِّقون.

ثانيًا: موضعُ الخللِ الأوّل — الخطأُ اللغويُّ الصريح

قال الكاتب: «الصوابُ أنّ (موجود) من الفعلِ الثلاثيِّ (وجد) بمعنى (طلب) أو (عثرَ على)واسمُ المفعولِ (موجود) أي: الذي يجدُه طالبُه».

وهذا غلطٌ في تعيينِ الفعل. فإنّ مادّةَ (و ج د) ليست فعلًا واحدًا ذا معنًى واحد، بل هي فعلانِ متغايرانِ في المعنى وفي التعدية، فرَّق بينهما أئمّةُ اللغةِ والتفسيرِ تفريقًا صريحًا: فأمّا الأوّلُ فهو وَجَدَ من الوِجْدان، ومعناه العلمُ أو الإصابةُ أو العثور، وهو إذا كان بمعنى العلمِ نصبَ مفعولَين؛ والمشتقُّ منه «واجِد» بمعنى المُدرِك، و«موجود» بمعنى المُدرَك. وأمّا الثاني فهو وُجِدَ من الوُجُود، ومعناه الكَوْنُ والثبوتُ الذي هو ضدُّ العدم، وهو يَنصِبُ مفعولًا واحدًا أو يكونُ لازمًا؛ والمشتقُّ منه «موجود» بمعنى الثابتِ المتحقِّقِ في نفسِه. وهذا هو المرادُ في مسألتِنا خاصّةً.

وهذا التفريقُ منصوصٌ عليه عند المفسِّرين في إعرابِ قولِه تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾؛ قال البيضاويُّ ونقلَه عنه غيرُ واحد: «﴿نَجِدْ﴾ إن كان من الوِجدانِ بمعنى العلم فينصِبُ مفعولين، ويحتملُ كونُه من الوجودِ ضدِّ العدم فينصِبُ مفعولًا واحدًا». نقلَه الهرريُّ في «حدائق الروح والريحان» (١٧/ ٤٧٢)، وصديق حسن خان في «فتح البيان» (٨/ ٢٨٤)، وأوردَ نحوَه المظهريُّ في تفسيرِه (٦/ ١٦٧).

وههنا يتبيّنُ مَقتَلُ استدلالِ الكاتب؛ فإنّ كلَّ الأدلّةِ التي ساقَها من القسمِ الأوّلِ لا الثاني: فآيةُ ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور: ٣٩] من الوِجدانِ بمعنى الإصابةِ والمُلاقاة. وآيةُ ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] متعدّيةٌ إلى مفعولَين — «اللهَ» و«توّابًا رحيمًا» — فهي من الوِجدانِ بمعنى العلمِ قطعًا، بنصِّ القاعدةِ المتقدِّمة. وحديثُ «احفظِ اللهَ تجدْه تجاهك» من الإصابةِ والمُلاقاةِ كذلك. فليس في شيءٍ من هذه الأدلّةِ لفظُ «موجود» أصلًا، ولا واحدةٌ منها تدلُّ على المعنى المتنازَعِ فيه؛ فهو استدلالٌ في غيرِ محلِّ النزاع، بل هو نظيرُ من استدلَّ على إثباتِ صفةِ الغِنى لله بآيةِ الغضبِ لاشتراكِهما في المادّة. ثمّ إنّ الكاتبَ نقضَ تخريجَه بنفسِه حين قال بعدُ: «وأيضًا موجودٌ عكسُ معدوم»؛ فإنّ مقابلةَ «موجود» بـ«معدوم» لا تستقيمُ إلّا إذا كان الفعلانِ من بابِ الكونِ والثبوتِ (وُجِدَ وعُدِمَ)، لا من بابِ العثورِ والطلب.

فاجتمعَ في كلامِه تخريجانِ متنافيان، ولا يصحُّ منهما إلّا الثاني.

ثالثًا: موضعُ الخللِ الثاني — اللازمُ العَقَديُّ الخطير

هذا أخطرُ ما في النصّ، وهو الذي يُسأَلُ عنه حقيقةً حين يُقال: «هل فيه خطأٌ شرعيّ؟». فإنّ الكاتبَ سلَّمَ للخصمِ مقدّمتَه ولم ينقُضْها. قالت الشبهة: «موجودٌ يستلزمُ واجدًا»، فأجابَ: «نعم يستلزمُ واجدًا، لكنّ الواجدَ هو الذي يعثرُ عليه لا الذي يخلقُه». فانتقلَ من افتقارٍ إلى افتقار! ويلزمُ على تخريجِه لوازمُ باطلةٌ بالضرورة: أوّلُها: أن يكونَ وجودُه سبحانه إضافيًّا نِسبيًّا متعلِّقًا بغيرِه؛ إذ لا يكونُ «موجودًا» إلّا إذا كان ثَمَّ طالبٌ يجدُه. ووجوبُ الوجودِ يقتضي أن يكونَ وجودُه ذاتيًّا لا يتوقّفُ على غيرِه بوجهٍ من الوجوه. وثانيها، وهو قاصمة: أن لا يكونَ اللهُ تعالى موجودًا في الأزلِ قبلَ خلقِ الخلق؛ إذ لم يكن ثَمَّ طالبٌ ولا واجدٌ يجدُه. وهذا مصادِمٌ لنصِّ البخاريِّ من حديثِ عمرانَ بنِ حُصَين: «كان اللهُ ولم يكنْ شيءٌ غيرُه»؛ فقد كان سبحانه موجودًا ولا واجدَ ولا طالبَ ولا مُدرِك. وثالثُها: أن يكونَ وجودُه في حقِّ من لم يجدْه منتفيًا، فيلزمُ أنّه «موجودٌ» للمؤمنِ «غيرُ موجودٍ» للجاحد.

وهذه نِسبيّةٌ تفتحُ بابًا على الإلحادِ من حيث أُريدَ سدُّه. ورابعُها: أن يكونَ معنى «موجود» راجعًا إلى إدراكِ الخلقِ له، فيكونُ من بابِ الإضافاتِ لا من بابِ الذات؛ وهذا يُبطِلُ أوّلَ مقاماتِ البرهانِ في العقائد. وقاعدةُ الإنصافِ أنّ لازمَ المذهبِ ليس بمذهب؛ فالكاتبُ لم يُرِدْ شيئًا من هذه اللوازمِ قطعًا، ولا يُنسَبُ إليه القولُ بها، ولا يُبدَّعُ ولا يُؤثَّم. ولكنّ التعليلَ يُنقَضُ ويُصحَّح؛ لأنّ البناءَ إذا فَسَدَ أساسُه لم تنفعْه صحّةُ سطحِه.

رابعًا: الجوابُ المحرَّرُ عن الشبهةِ من كلامِ الأئمّة

نعم الشبهةُ قديمةٌ لا جديدة، وقد تصدّى لها حجّةُ الإسلامِ الغزاليُّ وأقرَّه ابنُ تيميّةَ وزادَه تحريرًا. قال الغزاليُّ في نظيرِها من شبهةِ التركيب: «هذا كقولِ القائل: كلُّ موجودٍ يفتقرُ إلى مُوجِد، ولو قال: إلى واجدٍ لكان أقربَ إلى مطابقةِ اللفظ».

ثمّ علَّقَ ابنُ تيميّةَ بالنصِّ الذي هو فَصلُ الخطابِ في مسألتِنا، فقال في «درء تعارض العقل والنقل» (٣/ ٤٠٥):«وهذا صحيحٌ، فإنّ الموجودَ اسمُ مفعولٍ من وَجَدَ يَجِدُ فهو واجِد. فإذا قال القائل: كلُّ موجودٍ يفتقرُ إلى واجدٍ أو مُوجِدٍ — نظرًا إلى اللفظِ — كان كقولِه: كلُّ مركَّبٍ يفتقرُ إلى مُركِّبٍ نظرًا إلى اللفظ؛ ولكنّ لفظَ الموجودِ إنّما يُرادُ به ما كان متحقِّقًا في نفسِه، لا يُعنى به ما وَجَدَه أو أَوجَدَه غيرُه... فالذي جرى لهؤلاء المُغالِطين في لفظِ التأليفِ والتركيبِ كما جرى لأشباهِهم في لفظِ التخصيصِ والتقدير، فإنّ البابَ واحد؛ فليتفطَّنِ اللبيبُ لهذا فإنّه يحلُّ عنه شبهاتٍ كثيرة».

فتأمَّلْ كيف نسفَ هذا النصُّ الشبهةَ وجوابَ الكاتبِ معًا في عبارةٍ واحدة: فليس المرادُ بـ«موجود» ما وَجَدَه غيرُه — وهذا ردٌّ على الكاتب — ولا ما أَوجَدَه غيرُه — وهذا ردٌّ على صاحبِ الشبهة. بل المرادُ: ما كان متحقِّقًا في نفسِه.

والجوابُ الصناعيُّ الدقيقُ من وجهين: أوّلُهما: أنّ الصيغةَ هنا جاريةٌ مَجرى الصفةِ المشبَّهةِ الدالّةِ على الثبوتِ لا مَجرى اسمِ المفعولِ الإسناديّ؛ نظيرَ قولِهم: مَحمومٌ ومَجنونٌ ومَزكومٌ ومَسلولٌ ومَشؤومٌ ومَيمون، فهذه على وزنِ «مفعول» ولا يُلحَظُ فيها فاعلٌ أوقعَ الفعلَ البتّة. وثانيهما: أنّ «وُجِدَ الشيءُ» بمعنى ثَبَتَ وكان هو من الأفعالِ الملازِمةِ للبناءِ للمجهولِ صورةً، اللازمةِ معنًى — كـ«عُنِيَ بالأمر» و«زُهِيَ» و«جُنَّ» و«حُمَّ» — فلا يُستدعى لها فاعلٌ أصلًا، لا خالقٌ ولا عاثِر. فالجوابُ الصحيحُ إذن منعُ المقدّمةِ من رأسِها، لا التسليمُ بها مع تغييرِ تفسيرِ «الواجد».

خامسًا: حكمُ دعوى التكفيرِ نفسِها

من زعمَ أنّ قولَ «اللهُ موجود» كفرٌ فقد كفَّرَ بغيرِ مُكفِّر، ووقعَ في أمرٍ عظيم من أربعةِ أوجه: الأوّل: أنّه كفَّرَ عامّةَ أئمّةِ الإسلامِ الذين ملؤوا بها كتبَهم، من الماتُريديِّ والأشعريِّ والباقلانيِّ والجوينيِّ والغزاليِّ والنسفيِّ والعمرانيِّ وابنِ عطيّةَ والرازيِّ والتفتازانيِّ وابنِ تيميّةَ وابنِ القيّم؛ ولازمُ قولِه تكفيرُ الأمّة، وهو باطلٌ بالضرورة. الثاني: أنّه خالفَ قاعدةَ أنّ التكفيرَ حكمٌ شرعيٌّ مردُّه إلى اللهِ ورسولِه، لا إلى استحسانِ الناظرِ ولا إلى لوازمِ الألفاظ. الثالث: أنّه دخلَ في وعيدِ حديثِ ابنِ عمرَ المتّفقِ عليه: «أيُّما امرئٍ قال لأخيه: يا كافرُ، فقد باءَ بها أحدُهما». الرابع: أنّه بنى التكفيرَ على غلطٍ صرفيٍّ محض؛ والتكفيرُ بمقتضى تصريفِ الكلماتِ بابٌ لو فُتِحَ لم يَسلَمْ منه أحد.

سادسًا: الخلاصةُ والصياغةُ المُصحَّحة

فحُكمُ النصِّ المنقولِ أنّ نتيجتَه صحيحة، موافقةٌ لما عليه أهلُ السنّة، وأنّ رَدَّه للتكفيرِ صوابٌ واجب يُشكَرُ عليه، وأنّ تفريقَه بين الثلاثيِّ والرباعيِّ صحيحٌ في الجملة. غيرَ أنّ تفسيرَه «موجود» بـ(الذي يجدُه طالبُه) خطأٌ لغويٌّ خَلَطَ فيه بين فعلَينِ متغايرَين، وأنّ لازمَ هذا التفسيرِ خطأٌ عَقَديّ، إذ يجعلُ وجودَه تعالى إضافيًّا مُتعلِّقًا بواجد، وينقضُ «كان اللهُ ولم يكنْ شيءٌ غيرُه»، وأنّ أدلّتَه من الآياتِ والحديثِ واقعةٌ في غيرِ محلِّ النزاع.

والصياغةُ المُحرَّرةُ التي يُقترَحُ إحلالُها محلَّ ما كُتِبَ أن يُقال:

«ليس قولُ (اللهُ موجودٌ) كفرًا، بل هو حقٌّ جارٍ على ألسنةِ أئمّةِ الإسلام. والشبهةُ نشأت من غلطٍ في تصريفِ المادّة؛ فإنّ (موجودًا) مأخوذٌ من الوجودِ الذي هو ضدُّ العدم، لا من الوِجدانِ الذي هو العثورُ والإصابة، ولا من الإيجادِ الذي هو الخلقُ والإنشاء. وصيغةُ (مفعول) هنا جاريةٌ مجرى الصفةِ المشبَّهةِ الدالّةِ على الثبوت، كمَحمومٍ ومَجنونٍ ومَزكوم؛ فلا تستدعي فاعلًا أصلًا.

والمرادُ بالموجودِ: ما كان مُتحقِّقًا في نفسِه، لا ما وَجَدَه غيرُه ولا ما أوجَدَه غيرُه. فوجودُه سبحانه واجبٌ لذاتِه، أزليٌّ أبديٌّ غيرُ مستفادٍ من غيرِه ولا متوقِّفٍ على مُدرِكٍ يُدرِكُه. وأمّا (مُوجَد) بضمِّ الميمِ وفتحِ الجيمِ فاسمُ مفعولٍ من (أوجَدَ) الرباعيِّ بمعنى المخلوقِ المُنشَأ، فلا يُقالُ على اللهِ تعالى بحال. وهو موجودٌ لا كالموجودات، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾».

مع التنبيهِ على أنّ «الموجود» — وإن صحَّ الإخبارُ به — لا يُعَدُّ اسمًا من الأسماءِ الحسنى، ولا يُنادى به، ولا يُعبَّدُ له؛ لأنّه لم يردْ في سَرْدِ الأسماء، والوارِدُ إنّما هو «الواجد» ومعناه الغنيُّ الذي لا يفتقر.

شارك المقالة

Scroll to Top