رجوع إلى البحوث العقيدة والفرق والتاريخ العقدي

بين حقيقة التلبس وتجارة الرقية: قراءة شرعية تأصيلية في الأدلة والواقع

العقيدة والفرق والتاريخ العقدي٥ دقائق للقراءة٨٩١ كلمة

مقدمة

تتداخل في أذهان الكثيرين مفاهيم "عالم الغيب" مع عوارض "الجسد والنفس"، ولعل من أبرز القضايا التي تثير الجدل قديماً وحديثاً مسألة "تلبس الجن بالإنس"، والتي أفرزت في عصرنا ظاهرة مجتمعية مقلقة تتمثل في احتراف "الرقية الشرعية" وتحولها إلى تجارة رائجة. وانطلاقاً من سؤال وردنا من أحد المتابعين الفضلاء من "المغرب" الأقصى، يطلب فيه جلاء الحق في هذه المسألة؛ نضع هذا الملف على طاولة البحث الفقهي والموضوعي، متجردين للحق، ومستندين إلى الأدلة النقلية والعقلية، لنفصل بين ما هو ثابت شرعاً وما هو دخيل وهماً.

المبحث الأول: القائلون بإثبات التلبس العضوي (رأي الجمهور)

ذهب جمهور أهل السنة والجماعة، وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل، وأبو الحسن الأشعري، وابن تيمية، إلى إثبات إمكانية دخول الجن في بدن الإنسان وتأثيره فيه. أدلتهم:

  1. من القرآن الكريم: استدلوا بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾.

وجه الدلالة: أثبتت الآية المس والتخبط حقيقةً. يقول القرطبي: "في هذه الآية دليل على فساد إنكار من أنكر الصرع من جهة الجن". إضافة أصولية: يؤكد الإمام أبو الحسن الأشعري في كتابه "مقالات الإسلاميين" هذا المعنى قائلاً: "وأنهم (أي أهل السنة) يقرون بأن الشيطان يوسوس للإنسان ويخبطه، كما قال تعالى: ﴿الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾".

٢. من السنة النبوية

حديث مجرى الدم: قوله ﷺ: "إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم" (متفق عليه). وقد حملوه على ظاهره المادي. حديث إخراج الجان: رقية النبي ﷺ للصبي المصروع وقوله: "اخرج عدو الله، أنا رسول الله" (رواه أحمد).

٣. الدليل العقلي والواقعي

يقرر ابن تيمية أن العقل لا يمنع دخول الكائن اللطيف (الجن) في الكثيف (الإنسان)، تماماً كسريان الروح في الجسد. تعزيز من ابن القيم: قسّم الإمام ابن القيم في كتابه "زاد المعاد" الصرع إلى قسمين، فقال: "الصرع صرعان: صرع من الأرواح الخبيثة الأرضية، وصرع من الأخلاط الرديئة (الصرع الطبي)"، مبيناً أن علاج الأول بالروحانيات والثاني بالطب المادي.

المبحث الثاني: القائلون بنفي التلبس العضوي وقصره على "الوسوسة"

في المقابل، برز اتجاه فقهي وعقدي يرى أن سلطة الجن على الإنس محصورة في "الوسوسة النفسية" ولا تتعداها إلى التلبس العضوي المادي. وهو رأي المعتزلة، والإمام الفخر الرازي، والإمام ابن حزم الظاهري، ومن المعاصرين: الشيخ محمد عبده، والشيخ محمد الغزالي، والشيخ يوسف القرضاوي. تفنيدهم لأدلة الجمهور وأدلتهم الخاصة:

١. تأويل آية التخبط

يرون أن الآية جاءت على سبيل التمثيل والمجاز بناءً على ثقافة العرب.

يقول الزمخشري: "تخبط الشيطان من زعمات العربفجاء التشبيه على ما اعتقدوه".

ويقول الشيخ محمد رشيد رضا في "تفسير المنار": "القرآن خاطبهم بلغتهم وما يعهدون، فالعرب تسمي المجنون ممسوساً".

٢. تأويل حديث مجرى الدم وإخراج الجن

حديث مجرى الدم هو كناية واستعارة بلاغية عن شدة الملازمة والإغواء، وليس حقيقة فسيولوجية. أما أحاديث "اخرج عدو الله"، فهي من باب العلاج بالإيحاء النبوي لتبديد الوهم النفسي لدى المريض الذي يعتقد تلبسه.

٣. أدلة النفي من القرآن الكريم

قوله تعالى حكاية عن إبليس: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: 22]. قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: 42]. فالنفي هنا قاطع لأي تسلط مادي قهري.

٤. الدليل العقلي الصارم

حجة الفخر الرازي: لو قدر الشيطان على صرع الناس، لصرع الأنبياء والعلماء ودمر الدول، ولانهدم مبدأ "التكليف والمسؤولية" إذ لا يُعرف فِعل الإنسان من فعل الجني. حجة ابن حزم: يؤكد الإمام ابن حزم في "الفصل في الملل والأهواء والنحل" استحالة ذلك فيزيائياً وعقلياً، قائلاً: "وأما من زعم أن شيطاناً يدخل في جسم إنسان فهذا هوس... لأن تداخل جسمين في مكان واحد محال".

المبحث الثالث: ظاهرة "الرقاة" بين المشروعية الشرعية والتجارة الوهمية

بعيداً عن الترجيح بين الرأيين السابقين، فإن الاستقراء لواقع ساحة "الرقية" اليوم يوجب إنكاراً شديداً لما آلت إليه الأمور، ويمكن حصر الإشكالات في النقاط التالية:

١. تحويل الاستثناء إلى مهنة وحرفة

يحتج الرقاة بحديث أبي سعيد الخدري حين رقى سيد القوم وأخذ قطيعاً من الغنم (رواه البخاري). التحليل الفقهي: هذه كانت "واقعة عين" لضرورة عارضة في سفر، ولم يجلس أبو سعيد ولا غيره من الصحابة في خيمة بالمدينة يستقبل المرضى بأجر! رأي كبار العلماء: أفتى العلامة ابن عثيمين واللجنة الدائمة للإفتاء بالتحذير الشديد من فتح "عيادات الرقية"، واعتبروا اتخاذها حرفة يتربح منها خروجاً عن هدي السلف ومظنة للاستغلال.

٢. الجناية الطبية وتأخير العلاج

إن إيهام مريض الاكتئاب، أو الفصام، أو الصرع العضوي بأنه "معيون" أو "ممسوس" هو جناية مكتملة الأركان؛ إذ يدفعه لترك الدواء الطبي الموصوف، وقد يفضي به إلى الانتحار أو تفاقم المرض. والنبي ﷺ أمر صراحة: "تداووا عباد الله" (رواه أبو داود).

٣. صناعة الوهم (التفسير النفسي)

يؤكد علم النفس الحديث أن جلوس المريض أمام راقٍ يمارس طقوساً مرعبة (كالصراخ، والضرب، واستنطاق الجن) يخلق حالة من "الإيحاء النفسي" (Autosuggestion). فيستجيب العقل الباطن للمريض ويتقمص شخصية الجني، فيتغير صوته ويصرخ، فيظن المريض والراقي أنه تلبس، وما هو في الحقيقة إلا "وهم مركب" وهستيريا انشقاقية. إضاءة تراثية: وقد حذر الإمام ابن الجوزي في كتابه "تلبيس إبليس" من حيل بعض المعزمين الذين يستغلون سذاجة العوام وضعفهم النفسي لإيهامهم بأمور لا حقيقة لها.

٤. التعلق بالبشر وخدش العقيدة

الرقية في أصلها "دعاء" ولجوء إلى الله. وتحويلها إلى طقوس معقدة واحتكارها بيد "الراقي" يجعل قلوب العوام تتعلق به، وتظن أن سر الشفاء في "ريقه" أو "زيتِه" أو "مائه"، مما يخدش كمال التوكل على الله، ويفتح أبواب الشركيات الخفية.

الخاتمة

إن الخلاف الفقهي في مسألة التلبس خلاف معتبر ومسطور في كتب التراث، ولكن اليقين الذي لا خلاف فيه؛ هو أن المسلم مأمور بحماية عقله من الخرافة، والأخذ بأسباب الطب الحديث والنفسي. أما الرقية الشرعية فهي حق، وخير رقية هي "رقية المرء لنفسه وأهل بيته" بالفاتحة والمعوذتين بيقين صادق وتوكل خالص، دون الحاجة لوساطة بشرية، ودون تسليم العقول والأموال لتجار الأوهام الذين شوهوا جمال التوكل وصفاء العقيدة. والحمد لله رب العالمين، فالق الحب والنوى،،،

شارك المقالة

Scroll to Top