رجوع إلى البحوث العقيدة والفرق والتاريخ العقدي

إطلاقُ لفظِ «موجود» على اللهِ تعالى وحكمُه

دراسةٌ عَقَديّةٌ مقارِنة

العقيدة والفرق والتاريخ العقدي١٣ دقيقة للقراءة٢٬٢١٦ كلمة

تمهيدٌ في تحريرِ محلِّ النزاع

الخللُ الأكبرُ في هذه المسألةِ إنّما نشأ من خلطِ ثلاثةِ أبوابٍ يُظَنُّ أنّها بابٌ واحد، وهي في التحقيقِ ثلاثةٌ متغايرةٌ في الحكمِ والمأخذ: الأوّل: بابُ التسميةِ — أي عدُّ اللفظِ اسمًا من الأسماءِ الحسنى يُعبَّدُ به ويُدعى به ويُحصى في التسعةِ والتسعين. وهذا بابٌ توقيفيٌّ بالاتّفاقِ عند أهلِ السنّةِ من الماتُريديّةِ والأشاعرةِ وأهلِ الحديث؛ فلا يُثبَتُ فيه إلّا ما ورد به النصُّ.

الثاني: بابُ الوصفِ — أي إثباتُ معنًى قائمٍ بالذاتِ العليّة. وهو توقيفيٌّ أيضًا عند الجمهور، غيرَ أنّ دائرتَه أوسعُ من دائرةِ التسمية؛ إذ كلُّ اسمٍ متضمِّنٌ لصفة، وليس كلُّ صفةٍ مُشتَقًّا منها اسم.

الثالث: بابُ الإخبارِ — أي الإخبارُ عن اللهِ تعالى بلفظٍ صادقٍ في نفسِه لا يُوهِمُ نقصًا، من غيرِ أن يُتَّخَذَ اسمًا ولا وصفًا اصطلاحيًّا.

وهذا البابُ أوسعُ البابَينِ قبلَه بالاتّفاق، ونصُّ ابنِ القيّمِ فيه صريحٌ قاطعٌ للنزاع: «ويجب أن يُعلَمَ هنا أمورٌ: أحدها: أنّ ما يدخل في بابِ الإخبارِ عنه تعالى أوسعُ ممّا يدخل في بابِ أسمائه وصفاته؛ كالشيءِ والموجودِ والقائمِ بنفسِه، فإنّه يُخبَرُ به عنه ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العُلى». (فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى، ص ٢٤ — وهي منتزَعةٌ من «بدائع الفوائد»

فـ«الموجود» — كما ترى — مضروبٌ به المثلُ في هذا البابِ الثالثِ عينِه. وبهذا التقسيمِ يتبيّنُ أنّ من أطلقَ المنعَ أَخَذَ حكمَ البابِ الأوّلِ فعمَّمَه، ومن أطلقَ الجوازَ أَخَذَ حكمَ البابِ الثالثِ فعمَّمَه؛ وكلاهما مُخِلٌّ بالتحرير.

المبحث الأوّل: التحريرُ اللغويُّ والصرفيُّ

المطلب الأوّل: مادّةُ (و ج د) ومعانيها

للمادّةِ في كلامِ العربِ مصادرُ متباينةٌ تُبايِنُ معانيها:

الوِجْدان — بمعنى الإصابةِ بعدَ الطلب: وَجَدَ الضالّةَ.

المَوْجِدة — بمعنى الغضب: وَجَدَ عليه.

الوُجْد والجِدَة — بمعنى الغِنى واليَسار: ومنه ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾.

الوَجْد — بمعنى الحُبِّ المُبرِّح.

الوُجُود — وهو المرادُ هنا: الكَوْنُ والثبوتُ، ونقيضُه العدم.

فـ«الموجود» في مسألتِنا مأخوذٌ من المعنى الخامسِ خاصّةً، لا من الإيجادِ ولا من الوِجدانِ ولا من المَوْجِدة؛ وهذا التمييزُ هو مِفتاحُ الجوابِ عن الإشكالِ الصرفيِّ الآتي.

المطلب الثاني: الإشكالُ الصرفيُّ وجوابُه

أورَدَ جماعةٌ أنّ «موجودًا» صيغةُ اسمِ مفعولٍ، وظاهرُها اقتضاءُ فاعلٍ أوجَدَه؛ فيلزمُ منه أن يكونَ للهِ تعالى مُوجِدٌ، تعالى اللهُ عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا. وهو إشكالٌ لفظيٌّ يُجابُ عنه من وجوه:

الوجه الأوّل: أنّ «موجودًا» هاهنا ليس مبنيًّا من «أَوْجَدَ» المتعدّي، بل من «وُجِدَ» بمعنى كان وثَبَتَ؛ والفعلُ بهذا المعنى لازمٌ لا يستدعي فاعلًا خارجيًّا البتّة.

الوجه الثاني: أنّ العربَ تُخرِجُ صيغةَ اسمِ المفعولِ عن مقتضاها الإسناديِّ كثيرًا، فتقولُ: مجنونٌ ومَحمومٌ ومَزكومٌ ومَسلولٌ ومَشؤومٌ ومَيمون؛ ولا يُلحَظُ في شيءٍ منها فاعلٌ أوقعَ الفعل. فالصيغةُ في هذه المواضعِ جاريةٌ مجرى الصفةِ المشبّهةِ الدالّةِ على الثبوت.

الوجه الثالث: أنّ الألفاظَ إذا نُقِلَت إلى الاصطلاحِ العلميِّ حُوكِمَت إلى اصطلاحِه لا إلى أصلِ وضعِها. و«الموجود» في اصطلاحِ أهلِ النظرِ قاطبةً: ما ثَبَتَ في نفسِ الأمر، من غيرِ نظرٍ إلى مُثبِت.

الوجه الرابع — وهو أدقُّها: أنّ الوجودَ في حقِّه سبحانه ذاتيٌّ لا كسبيٌّ ولا مُستفاد؛ فهو موجودٌ بذاتِه لا بغيره، والمخلوقُ موجودٌ بإيجادِ ربِّه لا بذاتِه. فاللفظُ واحدٌ والحقيقةُ مُتباينةٌ أعظمَ التباين. وهذا مرادُ ابنِ عطيّةَ بقولِه المشهورِ الذي جرى مَجرى القاعدةِ عند المحقِّقين:«وكما أنّ اللهَ تعالى موجودٌ لا كالموجودات، معلومٌ لا كالمعلومات، فكذلك كلامُه لا كالكلام». (المحرَّر الوجيز ٢/ ١٣٧، وكرَّرَه ٢/ ٤٥٠)

المطلب الثالث: الفرقُ بين «الواجد» الواردِ و«الموجود» غيرِ الوارد

هذا موضعُ اشتباهٍ يقعُ فيه كثيرون. فإنّ «الواجد» ثابتٌ في سَرْدِ الأسماءِ الحسنى المرويِّ من طريقِ الوليدِ بنِ مسلم، وقد أخرجَه البيهقيُّ في «شعب الإيمان» (١/ ٢٠٩)، وساقَه الزجّاجُ في «تفسير أسماء الله الحسنى» (ص ٢٧)، وابنُ الأثيرِ في «جامع الأصول» (٤/ ١٧٣)، وعبدُ الحقِّ الإشبيليُّ في «الأحكام الكبرى» (١/ ٢٢٤) — كلُّهم بلفظ: «... الحيُّ، القيّومُ، الواجدُ، الماجدُ، الواحدُ، الأحدُ، الصمدُ...».

ومعناه عندَ أئمّةِ اللغةِ والتفسير: الغنيُّ الذي لا يفتقرُ ولا يُعوِزُه شيء، من الوُجْدِ بمعنى الغِنى؛ وقيل: المُدرِكُ لكلِّ ما يطلبُه فلا يفوتُه مطلوب. فـ«الواجد» اسمٌ ثابتٌ بالسند، و«الموجود» ليس في هذا السَّرْدِ ولا في غيرِه من الأسانيدِ المرويّةِ في تعدادِ الأسماء. وبينهما فرقُ ما بين اسمِ الفاعلِ واسمِ المفعول، وفرقُ ما بين معنى الغِنى ومعنى الثبوتِ في نفسِ الأمر. ومن أدرجَ أحدَهما في الآخرِ فقد غَلِطَ في اللفظِ والمعنى معًا.

المبحث الثاني: الأدلّةُ النقليّة

أوّلًا: ما في القرآنِ الكريم لم يردِ لفظُ «الموجود» وصفًا لله تعالى في كتابِه البتّة. غيرَ أنّ معناه — وهو الثبوتُ والكينونة — مقرَّرٌ في مواضعَ كثيرةٍ بأبلغِ عبارة:

﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠] — استفهامُ إنكارٍ لنفيِ الشكِّ في الوجود، فهو نصٌّ في المعنى.

﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣] — والأوّليّةُ والآخريّةُ لا تُعقَلانِ إلّا لموجود.

﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] — والقَيُّوميّةُ قيامُه بنفسِه وقيامُ كلِّ شيءٍ به، وهي أعلى مراتبِ الوجود.

﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ۝ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٦–٢٧] — إثباتُ البقاءِ فرعُ إثباتِ الوجود.

ثانيًا: ما في السنّة

حديثُ عمرانَ بنِ حُصَينٍ عند البخاريِّ: «كان اللهُ ولم يكنْ شيءٌ غيرُه» — وهو نصٌّ في الوجودِ الأزليِّ المُطلَق، وأنّ وجودَه سبحانه غيرُ مسبوقٍ بعدمٍ ولا مُستفادٍ من غير.

ثالثًا: دلالةُ عدمِ الورودِ في سَرْدِ الأسماء

تتبُّعُ روايتَيِ التسعةِ والتسعينَ المشهورتَينِ يُظهِرُ خُلُوَّهما من لفظِ «الموجود»؛ وهذا هو مستندُ من منعَ عدَّه اسمًا. وقد صرّح جماعةٌ من المعاصرين بأنّه لم يردْ في الكتابِ ولا في السنّةِ كونُ «الموجود» اسمًا من أسمائه سبحانه، وأنّ الأسماءَ حُسنى فلا بدّ أن تتضمّنَ وصفَ مدحٍ وكمال، و«الموجود» مشترَكٌ يقعُ على أخسِّ الأشياءِ كما يقعُ على أشرفِها؛ فلا يُفيدُ بمجرَّدِه مدحًا ولا جلالًا.

وهذا المعنى الأخيرُ هو الذي قرّره الفخرُ الرازيُّ في «مفاتيح الغيب» (١/ ١١٣) في نظيرِها من لفظِ «الشيء»؛ إذ المفهومُ من لفظِ الشيءِ حاصلٌ في أخسِّ الأشياء، وذلك دليلٌ على أنّ اسمَ الشيءِ لا يُفيدُ صفةَ المدحِ والجلال. وهي علّةٌ جاريةٌ في «الموجود» بعينها، وهي المُعوَّلُ عليها في إخراجِه من بابِ الأسماءِ الحسنى مع بقائِه في بابِ الإخبار.

المبحث الثالث: مذاهبُ الطوائفِ في الإطلاق

المذهب الأوّل: الماتُريديّةُ والحنفيّة

أطلقَ أئمّةُ الماتُريديّةِ لفظَ «الموجود» في مصنّفاتِهم العَقَديّةِ إخبارًا من غيرِ نكيرٍ ولا تحرُّج، وبَنَوا عليه أوّلَ مقاماتِ البرهان: إثباتُ وجودِ الصانعِ سبحانه بدليلِ حدوثِ العالم. ومذهبُهم المحرَّرُ في حقيقةِ الوجود أنّه عينُ الذاتِ في الواجب، زائدٌ عليها في الممكن؛ لا أنّه زائدٌ في الكلِّ ولا عينٌ في الكل. قال الخادميُّ في تعدادِ ما استقرَّ عليه المذهب: «... وأنّ الوجودَ عينُ الذاتِ في الواجبِ زائدٌ في الممكنِ، لا أنّه زائدٌ في الكلّ». (بريقة محمودية في شرح الطريقة المحمّدية ١/ ٢٤٩) وثمرةُ هذا التحريرِ أنّ إطلاقَ «موجود» على اللهِ إخبارٌ عن ذاتِه المقدَّسةِ نفسِها، لا إثباتُ صفةٍ زائدةٍ لم يردْ بها نصّ؛ فارتفعَ الإشكالُ من أصلِه على هذا المذهب.

المذهب الثاني: الأشاعرة

أطلقوه كذلك إجماعًا عمليًّا، وبَنَوا عليه مقدّماتِ النظرِ في كتبِهم من «التمهيد» و«الإرشاد» و«الاقتصاد» و«المواقف» و«المقاصد». غيرَ أنّهم اختلفوا في حقيقةِ الوجودِ على قولين:

قولُ أبي الحسنِ الأشعريِّ وطائفةٍ من كبارِ أصحابِه: أنّ الوجودَ عينُ الذاتِ فلم يعُدُّوه صفةً زائدة. وقد نصَّ على نسبةِ هذا إليه الشنقيطيُّ في «أضواء البيان» (٢/ ٢٤ ط الفكر) قائلًا: «ومنهم من جعل الوجودَ عينَ الذاتِ فلم يعُدَّه صفةً، كأبي الحسنِ الأشعريِّ».

قولُ الفخرِ الرازيِّ ومن تبعَه من المتأخِّرين: أنّ الوجودَ زائدٌ على الماهيّةِ مطلقًا. وعلى هذا جرى بحثُهم في الاشتراكِ المعنويِّ والتشكيكِ؛ قال ابنُ إمامِ الكامليّةِ في «تيسير الوصول» (٢/ ٢٩٤): «بأنّ الوجودَ زائدٌ مشترَك، وليس الوجودُ عينَ الذاتِ — كما زعمتَ — بل هو زائدٌ عليها، فيكون مشترَكًا اشتراكًا معنويًّا فيكون مُشكَّكًا».

وعند متأخِّري الأشاعرةِ كالسنوسيِّ في «أمّ البراهين»: الوجودُ أوّلُ ما يجبُ لله، وهو الصفةُ النفسيّة الوحيدةُ عندهم، وما عداها سَلبيّاتٌ ومعانٍ ومعنويّات. ومرادُهم بالنفسيّةِ: ما لا يُعقَلُ الذاتُ بدونِه، فرجَعَ الأمرُ إلى قريبٍ من قولِ الأشعريِّ نفسِه.

المذهب الثالث: أهلُ الحديثِ والحنابلة

مذهبُهم المحرَّرُ هو التفصيلُ الذي قدَّمناه في التمهيد: المنعُ من عدِّه اسمًا، والجوازُ في الإخبار. وقد تقدّم نصُّ ابنِ القيّمِ صريحًا في ذلك، ونُقِلَ نحوُه عن ابنِ تيميّةَ في «مجموع الفتاوى» (١/ ٢٤٥) في نظيرِها من لفظِ «القديم»: أنّه يصحُّ الإخبارُ به عنه وإن لم يكن من أسمائه؛ لأنّ بابَ الإخبارِ أوسعُ من بابِ الإنشاء.

المذهب الرابع: المعتزلة أطلقوه أيضًا، لكنّ بناءَهم مضطربٌ من جهتَين:

الأولى: أنّ عامّتَهم على أنّ المعدومَ شيءٌ ثابتٌ في العدم، فصار «الموجود» عندهم وصفًا زائدًا على الشَّيئيّة، وهو أصلٌ فاسدٌ ردَّه أهلُ السنّة.

الثانية: أنّ أبا هاشمٍ الجُبّائيَّ أثبتَ «الأحوال» — وهي وسائطُ بين الوجودِ والعدم — فأدخلَ الوجودَ في جدلٍ لا طائلَ تحته.

ثمّ إنّهم خالفوا في أصلِ البابِ فأجازوا التسميةَ بما دلّ العقلُ على ثبوتِ معناه ولو لم يردْ به سمعٌ؛ فلَزِمَهم على أصلِهم عدُّ «الموجود» اسمًا، وهو لازمٌ فاسدٌ يُبطِلُ الأصلَ الذي بَنَوا عليه.

المذهب الخامس: الفلاسفة

جَعَلوا عنوانَ الإلهيّاتِ عندهم «واجبَ الوجودِ لذاتِه»، وذهبَ ابنُ سينا إلى أنّه لا ماهيّةَ له وراءَ وجودِه، فماهيّتُه إنِّيّتُه. وهذا وإن كان صادقًا في نفيِ التركيبِ عن الذات، إلّا أنّ القومَ رتَّبوا عليه نفيَ الصفاتِ الزائدةِ رأسًا، وهو الذي أَبطَلَه المتكلّمون؛ فليست العلّةُ في إطلاقِهم اللفظَ، بل في المعنى الذي حمَّلوه إيّاه.

المذهب السادس: الكَرّاميّة

أطلقوه على أصلِ قولِهم بالجسميّةِ والجهة، فكان «الموجود» عندهم بمعنى القائمِ في حيِّزٍ مخصوص. فاللفظُ صحيحٌ والمعنى باطل، وهذا أنموذجٌ لما نُقرِّرُه من أنّ صحّةَ اللفظِ لا تُغني عن تحريرِ ما تحتَه.

المذهب السابع: القائلون بوحدةِ الوجود

وهؤلاء أخطرُ الطوائفِ في هذا الباب؛ إذ نقلوا اللفظَ من الإخبارِ عن ثبوتِ الذاتِ العليّةِ إلى دعوى أنّ الوجودَ حقيقةٌ واحدةٌ هي الحقُّ سبحانه، وأنّ الأكوانَ مظاهرُ لها لا حقائقَ متمايزة. وقد حاول بعضُهم التعلُّقَ بقولِ الأشعريِّ إنّ الوجودَ عينُ الذات، كما نقلَه الآلوسيُّ في «روح المعاني» (٩/ ١٩٦): «وهذا ما يقتضيه أيضًا قولُ الأشعريِّ بأنّ الوجودَ عينُ الذات». وهو تعلُّقٌ باطلٌ من وجهين:

أنّ الأشعريَّ إنّما نفى زيادةَ الوجودِ على ذاتِ اللهِ خاصّةً، ولم يقلْ بوحدةِ حقيقةِ الوجودِ في الواجبِ والممكن.

أنّ الأشعريَّ صرّح في «الإبانة» بإجراءِ المتشابهاتِ مع التنزيهِ بـ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وهذا نصٌّ في مباينةِ الخالقِ للمخلوقِ مباينةً حقيقيّة، وهو هادمٌ لأصلِ وحدةِ الوجودِ من أساسِه.

فالمُشابَهةُ بين القولين لفظيّةٌ محضة، والفرقُ بينهما فرقُ ما بين التوحيدِ والزندقة.

إشارةٌ إلى سائرِ المذاهب

جرى الإماميّةُ والزيديّةُ والإباضيّةُ في هذا اللفظِ مجرى المتكلّمين عمومًا؛ يُطلِقونه إخبارًا، ولا يعُدُّونه في سَرْدِ الأسماء. ولا خلافَ في هذه الجزئيّةِ يستحقُّ التطويل.

المبحث الرابع: تحقيقُ مسألةِ الوجود — أعينُ الذاتِ أم زائدٌ عليها؟

هذه المسألةُ هي عمودُ البابِ وأصلُه، وعليها يتخرّجُ حكمُ الإطلاق. وحاصلُ المذاهبِ فيها ثلاثة: القول الأول: الوجودُ عينُ الذاتِ مطلقًا ،وبه قال: أبو الحسن الأشعريّ ومن تبعه، والفلسفة. ولازمُه في مسألتنا الإطلاقُ إخبارٌ عن الذاتِ نفسِها، فلا محذور

القول الثاني: عينٌ في الواجبِ زائدٌ في الممكن: وبه قال: الماتُريديّةُ والحنفيّةُ ومحقِّقو الأشاعرة. ولازمُه في مسألتنا الإطلاقُ إخبارٌ صحيح، ولا يلزمُ إثباتُ صفةٍ لم تَرِد |

القول الثالث: زائدٌ على الماهيّةِ مطلقًا وبه قال: الفخرُ الرازيُّ ومن تبعه. ولازمُه في مسألتنا: يلزمُه إثباتُ صفةٍ زائدةٍ بلا نصّ والمختارُ: المذهبُ الثاني، وهو مذهبُ أصولِنا الحنفيّةِ الماتُريديّة؛ لأنّه يجمعُ بين أمرين لا يستقيمُ الاعتقادُ إلّا بهما: نفيُ التركيبِ عن الذاتِ العليّة، وإثباتُ التغايرِ الحقيقيِّ بين وجودِ الخالقِ ووجودِ المخلوق. فوجودُ الربِّ سبحانه واجبٌ ذاتيٌّ أزليٌّ أبديٌّ غيرُ مُستفادٍ من غيرِه، ووجودُ ما سواه ممكنٌ مُستعارٌ حادثٌ مُستفادٌ من إيجادِه. وأمّا الزيادةُ التي يُثبتُها الرازيُّ فأحسنُ ما تُحمَلُ عليه أنّها زيادةٌ ذهنيّةٌ اعتباريّةٌ لا خارجيّة؛ أي أنّ العقلَ يُفرِدُ مفهومَ الوجودِ بالاعتبارِ عن مفهومِ الذات، ولا يلزمُ من تغايرِ المفهوماتِ في الذهنِ تغايرُ الحقائقِ في الخارج. وبهذا الحملِ يزولُ أكثرُ الخلافِ ويعودُ لفظيًّا في جانبٍ منه.

المبحث الخامس: الحكمُ المُحرَّرُ — خمسُ صُوَرٍ لا تختلطُ أحكامُها

الصورة الأولى — الإخبارُ به عنه تعالى: كقولِك: «اللهُ موجودٌ لا كالموجودات»، و«وجودُه واجبٌ لذاته». حكمُها: الجوازُ بلا كراهة، بل هو من ضرورياتِ تقريرِ العقيدةِ وبناءِ البراهين، وقد جرى عليه أئمّةُ السنّةِ من الماتُريديّةِ والأشاعرةِ وأهلِ الحديثِ من غيرِ نكير. ويُستحَبُّ قرنُه بقيدِ التنزيهِ على طريقةِ ابنِ عطيّة: «موجودٌ لا كالموجودات».

الصورة الثانية — عدُّه اسمًا من الأسماءِ الحسنى: حكمُها: المنعُ؛ لعدمِ ورودِه في سَرْدِ الأسماء، ولأنّ الأسماءَ حُسنى تتضمّنُ غايةَ المدح، و«الموجود» مشترَكٌ لا يختصُّ بالكمالِ ولا يُشعِرُ به بمجرَّدِه.

الصورة الثالثة — النداءُ والدعاءُ به: كـ«يا موجود». حكمُها: المنعُ؛ لأنّ الدعاءَ بالاسمِ فرعُ ثبوتِه اسمًا، والأسماءُ توقيفيّة. وما شاعَ في بعضِ الأورادِ المحدَثةِ من هذا النداءِ فلا أصلَ له، وهو من الدخيلِ الذي يجبُ تنقيةُ التراثِ منه.

الصورة الرابعة — التعبيدُ به: كـ«عبد الموجود». حكمُها: المنعُ؛ لأنّ التعبيدَ لا يصحُّ إلّا لاسمٍ ثابت. وقد عدَّه بكرُ أبو زيدٍ في «معجم المناهي اللفظيّة» (ص ٣٧٥) من الغلطِ في التعبيدِ بما ليس من أسمائه تعالى، وذكرَ معه: عبد المقصود، وعبد السَّتّار، وعبد المعبود. وهو الصوابُ في هذه الجزئيّةِ بمقتضى قاعدةِ التوقيفِ التي نُقرِّرُها.

الصورة الخامسة — إطلاقُه في سياقِ وحدةِ الوجود: حكمُها: المنعُ المُغلَّظ؛ لأنّه نقلٌ للّفظِ من معنى الثبوتِ إلى معنى اتّحادِ الحقيقة، وهو قولٌ يُبطِلُ الفرقَ بين الخالقِ والمخلوق، ويهدمُ التكليفَ والشرائعَ والجزاء. ولا يُغني عن قائلِه صحّةُ لفظِه شيئًا.

الخاتمة: نتائجُ البحث

الأولى: أبوابُ التسميةِ والوصفِ والإخبارِ ثلاثةٌ متغايرةٌ في الحكم، وأوسعُها بابُ الإخبار؛ وإهمالُ هذا التفريقِ هو منشأُ اضطرابِ الناسِ في المسألة. الثانية: لفظُ «موجود» لم يردْ في القرآنِ ولا في السنّةِ وصفًا لله ولا اسمًا، وورد «الواجد» في سَرْدِ الأسماءِ ومعناه الغِنى؛ فلا يُدرَجُ أحدُهما في الآخر.

الثالثة: الإشكالُ الصرفيُّ في صيغةِ اسمِ المفعولِ مندفعٌ؛ لأنّ اشتقاقَه من الوجودِ اللازمِ لا من الإيجادِ المتعدّي، ولنظائرِه في كلامِ العربِ كمَحمومٍ ومَيمون.

الرابعة: أطلقَه أئمّةُ الإسلامِ من الماتُريديّةِ والأشاعرةِ وأهلِ الحديثِ إخبارًا، ولم يعُدَّه أحدٌ منهم في الأسماءِ الحسنى؛ فالإجماعُ منعقدٌ على التفصيلِ لا على الإطلاقِ ولا على المنع.

الخامسة: المختارُ في حقيقةِ الوجودِ أنّه عينُ الذاتِ في الواجبِ زائدٌ في الممكن، وهو تحريرُ أصولِنا الحنفيّةِ الماتُريديّة، وبه يسلمُ البابُ من لازمِ التركيبِ ومن لازمِ التشبيه.

السادسة: ليست العبرةُ بصحّةِ اللفظِ وحدَها، بل بالمعنى المحمولِ عليه؛ فقد أطلقَه الكَرّاميُّ على الجسميّة، وأطلقَه أهلُ وحدةِ الوجودِ على اتّحادِ الحقيقة، وأطلقَه أهلُ السنّةِ على ثبوتٍ ذاتيٍّ مُنزَّهٍ عن مماثلةِ الحوادث. فاللفظُ واحدٌ والمقالاتُ متباينةٌ غايةَ التباين.

السابعة: القولُ الفصل: يجوزُ الإخبارُ عن اللهِ تعالى بأنّه موجود، ولا يجوزُ عدُّه اسمًا من أسمائه الحسنى، ولا النداءُ به، ولا التعبيدُ له، ولا استعمالُه في سياقِ وحدةِ الوجود. والأحوطُ في مقامِ التعليمِ قرنُه بقيدِ التنزيه؛ فيُقال: موجودٌ لا كالموجودات، ثابتٌ بذاتِه لا بغيره، واجبُ الوجودِ لذاتِه، ليس كمثلِه شيءٌ وهو السميعُ البصير.

واللهُ سبحانه أعلمُ، وإليه المرجعُ والمآب.

شارك المقالة

Scroll to Top