رجوع إلى البحوث العقيدة والفرق والتاريخ العقدي

من تصوّف ولم يتفقّه

قراءةٌ في المعنى والمبنى

العقيدة والفرق والتاريخ العقدي٤ دقائق للقراءة٦٠٧ كلمة

تصدُرُ في الآفاقِ مقولةٌ تُعزى إلى الأعلام، وتُنْسَبُ إلى فحولِ الإسلام، ومفادُها أنَّ "من تصوّف ولم يتفقّه فقد تزندَق"، ولسنا في هذا المقامِ بصددِ تحقيقِ النِّسبةِ وتدقيقِ المَقولة. بل الأهمُّ من ذلك هو سَبْرُ أغوارِها، والكشفُ عن أسرارِها. لقد لَحِقَ التصوُّفَ حيفٌ من جهتين، وظلمٌ من فريقين:

  1. فريقٌ من الجُهّالِ حمّلهُ ما لا يحتملُ من الأثقال، وأوّلهُ على غيرِ وجههِ فضلَّ وأضلّ.
  2. وفريقٌ من الخصومِ حاكمهُ بصورٍ شائهةٍ لا تمتُّ إلى أصلهِ بِصِلة.

فتاهَ بذلك جوهرُهُ النَّفيس، بين إفراطِ الغالي وتفريطِ القالي. إنَّ التصوُّفَ الذي أشرقت أنوارُهُ على أيدي الأوائل، ليس هو ما يتبادرُ إلى أذهانِ الكثيرِ من الأواخر . فليس هو بهزِّ الأجسامِ في الرَّقص، ولا بترديدِ الأورادِ عن غيرِ فهمٍ أو نقص. وليس هو بادِّعاءِ الكشوفِ والكرامات، التي غدتْ ميزانَ الولايةِ عند أهلِ الغفلات. فكلُّ ذلك غبارٌ عالقٌ بالطريق، لا يُمثِّلُ جوهرَ التحقيق. نعم فحقيقة التصوف وجوهره. والتصوُّفُ في أصلِهِ الأصيل. هو: علمُ تهذيبِ الباطنِ وتزكيةِ الجَنان. وهو الذي يُنبِّهُكَ إلى:

  1. أنَّ العملَ بلا نيَّةٍ إنما هو هباء.
  2. وأنَّ العلمَ بلا خشيةٍ إنما هو كبرياء.
  3. وأنَّ العبادةَ بلا إخلاصٍ إنما هي عادةٌ جوفاء.

هو المدرسةُ التي تُعنى ببناءِ "الإنسانِ الباطن"، كما أنَّ الفقهَ يُعنى ببناءِ "الإنسانِ الظاهر". فلا يستقيمُ الظاهرُ إلا بصلاحِ الباطن، ولا يكمُلُ الباطنُ إلا باستقامةِ الظاهر. وإنَّ منشأَ الخللِ عند البعضِ اليوم، هو جهلُهم بحقيقةِ التصوُّفِ الصَّافي. واقتصارُ نظرِهم على أفعالِ من لا يُمثِّلُهُ من أهلِ التجافي. فهم يرون جاهلاً يدَّعي الكشفَ والمشاهدة، أو مبتدعاً يخترعُ من عندِ نفسهِ الأورادَ المبتدعة، أو مريداً قد علّقَ قلبَهُ بشيخِهِ دونَ ربِّهِ، فضلَّ عن سواءِ دربه. فظنوا أنَّ هذا هو التصوُّفُ في حقيقته، فشنَّعوا عليه ونفروا من طريقته. والحقُّ أنَّ هذه الصورَ المشوَّهة، لا تُدينُ التصوُّفَ في جوهره، بل تُدينُ أصحابَها الذين انحرفوا عن منهجه. فالتصوُّفُ الحقيقيُّ هو تهذيبُ النفسِ وتزكيتُها، وتليينُ القلوبِ القاسيةِ بمراقبةِ الله في السرِّ والعلن، والصدقُ في المجاهدةِ والسعي.

أمّا التصوُّفُ المنحرفُ فهو الوقفوف عند دعوة الكشفِ والكراماتِ الموهومة، واختراعُ العبادات المبتدعةِ (رهبانية أبتدعوها ما كتبناها عليهم)، والتعلُّقُ بالشيوخِ دونَ الله، والحركاتُ الخرقاءُ والطقوسُ الممجوجةُ التي لا تمتُّ إلى الدينِ بصلة. التكامل بين الفقه والتصوف: أمَّا التصوُّفُ الصحيح، فهو فنُّ تهذيبِ النُّفوسِ وتليينِ القلوب، التي أقستها كثرةُ الانشغالِ بالدُّنيا والذنوب. هو المدرسةُ:

  1. التي تُذكِّرُ العالِمَ بأنَّ العلمَ بلا خشيةٍ فتنةٌ ووبال، وتُنَبِّهُ العابدَ إلى أنَّ العبادةَ بلا إخلاصٍ ضربٌ من الوهمِ والخيال.
  2. وتُرشِدُ السالك إلى أنَّ الطريقَ إلى اللهِ لا يُقطَعُ بالأماني، بل بالصِّدقِ في المجاهدةِ وتجاوزِ العوائقِ والمواني.

إنَّهُ الصفاءُ والصدق، والتواضعُ والخُلق، ومراقبةُ الحقِّ في السرِّ والعلن، وجهادُ الهوى وتزكيةُ النفسِ من كلِّ درن. هو روحُ الإسلامِ الذي يسري في كيانه، كما أنَّ الفقهَ هيكلُهُ الذي يقومُ عليه بنيانه. فإذا انفصلتِ الرُّوحُ عن الجسدِ صارَ جيفةً هامدة، وإذا بقيتِ الرُّوحُ بلا جسدٍ صارت خيالاً لا حقيقةَ لهُ مشاهدة. ولهذا نطقَ أهلُ المعرفةِ والحقيقة، فقالوا: "التصوُّفُ يُقيمُ القلب، والفقهُ يُقيمُ العمل، وبجمعهما تستقيمُ الحياةُ وتصلُحُ الأحوال". فالفقهُ هو الذي يضبطُ السُّلوكَ ويُقوِّمُ الظاهر، ويُبيِّنُ حدودَ اللهِ فلا يتعدَّاها العبدُ الفاجر، ويُعلِّمُ الإنسانَ كيفَ يعبدُ ربَّهُ على بصيرةٍ ونور، ويجتنبُ مواطنَ الزَّللِ والغرور. ولكن قد يكونُ الفقيهُ ضليعاً في المسائلِ والأحكام، بصيراً بالحلالِ والحرام، لكنَّهُ بعيدٌ عن الإخلاصِ والخشية، خالٍ من الرحمةِ وسلامةِ الصَّدرِ والطَّويَّة. وهذه صفاتٌ لا تُكتَسَبُ من بطونِ الكتبِ والأوراق، بل بالمجاهدةِ والمراقبةِ والارتقاءِ في مدارجِ الأخلاق.

فالفقهُ يُقيمُ الجوارحَ ويُصلِحُ العمل، والتصوُّفُ يُقيمُ القلبَ ويُصلِحُ النيَّةَ والأمل. فإذا صلحتِ الجوارحُ دونَ القلوب، صارَ الدِّينُ جسداً بلا روحٍ تغشاهُ الكروب، وصارَ العالِمُ آلةً تحفظُ وتُكرِّر، لا إنساناً يُرشِدُ بالهدى ويُنَوِّر. وإذا تصوَّفَ القلبُ دونَ علمٍ يُقوِّمُهُ ويُرشِدُه:

  1. انقلبَ إلى ممارساتٍ دخيلةٍ تُفسِدُهُ.
  2. وطرقٍ مبتدعةٍ تُبعِدُهُ.
  3. وخرافاتٍ لا يقرُّها شرعٌ ولا عقل.
  4. وطقوسٍ ممجوجةٍ هي إلى الهزلِ أقربُ منها إلى الجدِّ والفصل.

فلاحَ بذلك أنَّ كمالَ الدِّينِ في اجتماعِ العلمِ والعمل، وتمامَ اليقينِ في صلاحِ الظاهرِ والباطنِ على السواء، فلا ينفكُّ أحدُهُما عن الآخرِ في رحلةِ العبدِ إلى مولاه.

شارك المقالة

Scroll to Top