في عصرِ الصورةِ المتحركة والفضاءاتِ المفتوحة، لم يعُد المشهدُ الإعلامي مجردَ نافذةٍ تطلُّ على العالم، بل استحالَ إلى طوفانٍ هادرٍ من القنوات التلفزيونية والمنصات التي تتسابق في ماراثون لا خط نهاية له. هذا التضخم السرطاني في عدد البرامج السياسية، بقدر ما يوحي ظاهرهُ بالتعددية والثراء، إلا أن باطنهُ ينطوي على أزمةِ محتوى عميقة، وفاجعةٍ مهنيةٍ حولت "التحليل السياسي" من مهارةٍ نخبويةٍ دقيقة إلى مشاعٍ يرتادهُ كل عابرِ سبيل.
عبودية الهواء ومصيدة "ملء الفراغ"
إنّ المعضلة الكبرى تكمن في "غول الوقت" الذي يطارد القائمين على هذه القنوات. فمع ساعات بثٍ تمتد على مدار اليوم والليلة، تجد الشاشات نفسها أسيرةَ اضطرارٍ بائسٍ لملء الفراغ بأي ثمن. وهنا تسقط المعايير، وتُفتح الأبوابُ مشرعةً لـ "من هبَّ ودبّ". لم يعد المعيار هو "ماذا تملك من علم؟"، بل "هل تملك وقتاً لتملأ به ساعتنا؟". وبذا، يتصدر المشهدَ أدعياءُ المعرفة، ومن لا دراية لهم بدهاليز السياسة ولا بمسالك الفكر، ليتحول الأستوديو إلى مقهى يثرثر فيه من لا يملكُ من الحقائق إلا أوهاماً، ومن التحليل إلا أمنيات.
حُمّى التصريحات: "قُلتُها ليُقالَ قائلُها"
وتحت وطأة هذا الاستسهال، تبرز ظاهرة "المجازفة" بالكلام. حيث يعتلي المنصة من لا يملكُ المعلومة، فيضطر لسترِ عُريه المعرفي برداءِ التهويل والتأويل الفاسد. إنهم يطبقون بامتياز منطقَ البيت السائر: "تأتي الملوك غريبةً... قد قلتُها ليُقالَ مَن ذا قالها". فالهدف لم يعد إيصال حقيقة أو تنوير رأي عام، بل الهدف هو القولُ ذاته، والضجيج الذي يُحدثه، ليحجز المتحدث مكاناً في ذاكرة الجمهور ولو عبر بوابة العبث. يُحللون الغيب، ويرجمون بالظنون، ويطلقون أحكاماً قطعية في قضايا شائكة، لا لشيء إلا لأن الكاميرا تدور، والميكروفون مفتوح، والصمت في عرفهم هزيمة.
الوجوه المكررة وفخ الإثارة
وعلى الضفة الأخرى، تبرز مأساة "الوجوه المستهلكة". تلك النخب – أو أشباه النخب – التي تدور بين القنوات كأنها قطعُ شطرنجٍ ثابتة في رقعةٍ متغيرة. هذا التكرار الممل يضع الضيف أمام تحدٍ وجودي زائف: كيف أبقى مثيراً للاهتمام وقد قُلت كل ما عندي؟ هنا يقع المحظور، وينزلق المتحدث نحو "التطرف اللفظي". لكي يبقى الضيف متفاعلاً مع جمهوره، ولكي تطلبه القنوات مرة أخرى، يجد نفسه مضطراً لرفع سقف "المجازفات"، وإطلاق التصريحات النارية التي تفتقر للدقة والمصداقية. يصبح البحث عن "التريند" (Trend) هو البوصلة، والحقيقة هي الضحية. يتحول التحليل السياسي إلى عرض مسرحي، وتصبح المعلومة الرصينة بضاعة كاسدة أمام سطوة التصريح المستفز.
إدمان الإثارة وموت المعنى
لقد أدمنت البرامج السياسية – في سعيها المحموم وراء نسب المشاهدة – على القضايا الخلافية والتصريحات الصادمة. لم يعد النقاش الهادئ الرزين بضاعةً رائجة، بل المطلوب هو "العراك" و"الصراخ". إن هذه البيئة لا تنتج وعياً، بل تُنتج تشويشاً، وتخلقُ مجتمعاً يقتاتُ على الشعارات الجوفاء، ويفقد القدرة على التمييز بين الخبير الحقيقي وبين المتاجر بالكلمات.
ختاماً، إن كثرة القنوات وتعدد المنابر، إذا لم يواكبهُ غربلةٌ للمحتوى وانتقاءٌ للفرسان، لا يزيد المشهد إلا عتمة. فنحن لسنا بحاجة إلى مزيدٍ من الكلام، بل بحاجة إلى الصدق؛ ولسنا بحاجة إلى ملء الفراغ، بل إلى ملء العقول بما ينفع الناس ويمكث في الأرض.
