ا.د.
يُحكى في تراثنا الشعبي أن ابنتين من بنات شيوخ القبائل تشاجرتا في يوم من الأيام، وفي خضم غضبهما، ألقت كل منهما دعوة على الأخرى. قالت الأولى: "الله يبلاكم بغزو!"، فردت الثانية بحدة: "والله يكثر شيوخكم!". عادت كل فتاة إلى أبيها وقصت عليه ما جرى. أما الأولى، صاحبة دعوة الغزو، فقد ضحك أبوها وقال لابنته بهدوء الحكيم الذي خبر الأيام: "يا ابنتي، الأعمار بيد الله، والغزو يوم لنا ويوم علينا، فيه الغانم والسالم، والذابح والمذبوح، فلا تقلقي". أما الثانية، فقد روت لأبيها دعوة صاحبتها، فما كان منه إلا أن قام من مجلسه صائحاً: "يا رب سترك! يا لها من دعوة!". استغربت الفتاة من جزع أبيها، الذي لم يكن يخشى غارات الأعداء ولا قسوة الصحراء، فسألته عن سر خوفه من دعوة تبدو في ظاهرها بركة. أجابها الأب بحكمة الأجداد التي صقلتها التجارب: "يا ابنتي، إن العرب إذا كثرت شيوخها قلّ حظها، وتشتت شملها، وكثرت مصائبها.
فالغزو عدو ظاهر نعرفه ونستعد له، أما كثرة الشيوخ فداء عضال يفتت الجماعة من داخلها، ويجعل كل رأس يريد إمارة، وكل صوت يطمح في قيادة، فتضيع الهيبة وتتفرق الكلمة ويتمزق الصف". تلك الحكاية البسيطة في مبناها، العميقة في معناها، لا تزال أصداؤها تتردد في واقعنا المعاصر، وبشكل خاص في عراق اليوم. فحالنا اليوم أشبه ما يكون بتلك القبيلة التي ابتليت بكثرة الشيوخ، حتى لم يعد يُعرف من هو الشيخ الحقيقي. لقد تعددت مراكز القرار وتضاربت، وأصبح كل فريق يدعي وصلاً بالحكم والسيادة، مما أدخل البلاد في دوامة من الفوضى والضياع. فنحن اليوم في حيرة من أمرنا، لا نعلم من الذي يحكم فعلاً؟ هل هي الدولة العميقة التي تضرب بجذورها في مفاصل المؤسسات؟ أم هي الفصائل المسلحة التي تفرض منطقها بقوة السلاح؟ أم هو القانون الظاهر الذي كثيراً ما يكون حبراً على ورق؟ أم هو الإطار التنسيقي الذي يجمع أطرافاً متعددة لكل منها أجندته الخاصة؟ أم هي القوى الإقليمية والدولية، من إيران إلى أمريكا، التي تدير مصالحها على أرضنا؟
في هذا الخضم المتلاطم من "الشيوخ"، يجد المواطن العراقي نفسه تائهاً، لا يعلم لمن يشكو مآسيه، ومن يخاطب بحديث الإصلاح، ومن يحمله مسؤولية ما آلت إليه الأمور. فعندما تقع الكوارث، سواء كانت أمنية أو اقتصادية أو خدمية، تبدأ لعبة تبادل الاتهامات، حيث يرمي كل طرف بالمسؤولية على الآخر، وتضيع الحقيقة في غبار الصراعات السياسية. وفي نهاية المطاف، تقع المحاسبة أمام الرأي العام على صغار الموظفين، ليكونوا كبش فداء يستر عورة الكبار. إن أزمة العراق اليوم ليست في قلة الموارد أو غياب الكفاءات، بل هي أزمة قيادة حقيقية، أزمة "كثرة الشيوخ" التي حذر منها شيخ البادية في حكايتنا. فما لم تتوحد الكلمة تحت راية الوطن، وما لم تكن هناك مرجعية واحدة واضحة ومسؤولة، قادرة على فرض هيبة الدولة وسيادة القانون على الجميع دون استثناء، سيبقى العراق أسيراً لهذه الدوامة، يدور في حلقة مفرغة من الصراعات الداخلية التي تستنزف طاقاته وتعيق تقدمه، وستبقى دعوة ابنة الشيخ تلك لعنة تلاحقنا: "الله يكثر شيوخكم!". وفيه قلت:
