حق الزوجة في رفع الضرر وإنهاء الزواج
لماذا يشترط رضا المرأة في الزواج ثم قد يرفض الزوج طلاقها ويطالبها بالطاعة؟ وما وسائلها الشرعية للخلاص من الضرر وعدم بقائها معلقة؟
الخلل ليس في التشريع، بل في التطبيق العملي، وفي بطء بعض الإجراءات القضائية التي قد تطيل معاناة الزوجة حتى تحصل على حقها في الخلع أو التفريق للضرر. الشريعة وازنت بين إعطاء الطلاق للزوج (لأنه من يتحمل التبعات المالية من متعة ونفقة ومؤخر)، وبين إعطاء الخلع والفسخ للزوجة (متى ما تضررت أو استحالت العشرة).
لا شك ما طرحتَم إشكالية مهمة تلامس واقعاً مريراً تعيشه بعض الأسر، وما تفضلت به من استنكار لبقاء الزوجة "معلقة" أو خاضعة لتعسف الزوج هو استنكار يتفق تماماً مع مقاصد الشريعة الإسلامية وروحها.
فالإحساس بالظلم في هذه الحالات لا ينبع من تشريع رب العالمين، بل ينبع من سوء تطبيق التشريع، والتعسف في استخدام الحق، وضعف الوازع الديني لدى بعض الأزواج.
وفي أروقة الفقه والقضاء الشرعي، نجد أن الشريعة لم تترك الزوجة أسيرة لمزاج الزوج، بل وضعت منظومة متكاملة من الحلول لرفع الضرر عنها، يمكن تفصيلها في النقاط التالية:
1. حق الزوجة في إنهاء العلاقة (المخارج الشرعية)
كما أن الزواج بدأ برضاها، فإن الشريعة جعلت لها أبواباً للخروج منه إذا استحالت العِشرة، ولا يشترط فيها رضا الزوج أو قناعته إذا ثبت الموجب:
الخُلع: إذا كرهت الزوجة زوجها ولم تستطع العيش معه (حتى وإن لم يظلمها)، فلها أن تفتدي نفسها برد المهر أو جزء منه وتطلب الخلع. والأصل في ذلك قصة امرأة ثابت بن قيس التي جاءت للنبي ﷺ وقالت: "يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام"، فقال لها النبي ﷺ: "أتردين عليه حديقته؟" قالت: نعم، فقال ﷺ للزوج: "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة". فالقاضي هنا يلزمه بالخلع متى ما ردت الزوجة ما عليها.
التفريق للضرر (الفسخ): إذا وقع على الزوجة ضرر (نفسي، جسدي، هجر، عدم إنفاق، أو سوء عشرة)، يحق لها رفع أمرها للقاضي. وإذا ثبت الضرر، يفسخ القاضي عقد النكاح رغماً عن أنف الزوج، ولا يُنتظر رضاه، وتحتفظ الزوجة بكامل حقوقها المادية.
العصمة بيد الزوجة: من حق المرأة عند العقد أن تشترط أن تكون "عصمتها بيدها" (تفويض الطلاق)، فتطلق نفسها متى شاءت، وهو شرط صحيح ملزم.
2. مفهوم "بيت الطاعة" والنشوز
التنفيذ الجبري مرفوض: فكرة إجبار المرأة بالقوة الجبرية (عن طريق الشرطة أو المحكمة) على العودة لبيت زوجها (ما عُرف تاريخياً أو قانونياً في بعض الفترات بـ "بيت الطاعة") هي مسألة تتنافى تماماً مع الكرامة الإنسانية ومع مبدأ "فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان". الكثير من القوانين المعاصرة والفتاوى الراسخة أبطلت الإجبار البدني.
حقيقة النشوز: النشوز في الفقه معناه امتناع الزوجة عن أداء حقوق الزوج بلا عذر شرعي. والأثر المترتب على النشوز هو سقوط حقها في النفقة فقط، وليس إجبارها على العيش في قهر. وإذا استمر الشقاق، يتدخل القاضي ويبعث (حكماً من أهله وحكماً من أهلها) للصلح، فإن عجزا، فرّقا بينهما.
3. التعسف في استخدام الحق (المعلقة)
القرآن الكريم كان حاسماً في تحريم ترك الزوجة معلقة، كما في قوله تعالى: {فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ}. الزوج الذي يرفض الطلاق، ويرفض النفقة، ويتعمد إبقاء الزوجة معلقة للإضرار بها (كأن يجبرها على التنازل عن حقوقها لتفتدي نفسها)، هو مرتكب لإثم عظيم ومخالف صراحة لأمر الله: {وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا}. والقضاء الشرعي مُطالب بالتدخل الفوري لرفع هذا الظلم بتطليقها جبراً عنه متى ما ثبت تعنته.
خلاصة القول:
الخلل ليس في التشريع، بل في التطبيق العملي، وفي بطء بعض الإجراءات القضائية التي قد تطيل معاناة الزوجة حتى تحصل على حقها في الخلع أو التفريق للضرر. الشريعة وازنت بين إعطاء الطلاق للزوج (لأنه من يتحمل التبعات المالية من متعة ونفقة ومؤخر)، وبين إعطاء الخلع والفسخ للزوجة (متى ما تضررت أو استحالت العشرة).
