رجوع إلى الفتاوى الرضاع والحضانة والنسب

الستر على التائبة ونسب المولود خارج الزواج

فتوى٤٧٧٣زيارة٠مشاركة
السؤال

امرأة حملت قبل الزواج وتركها الرجل، ثم وضعت طفلة. فكيف تتعامل مع سؤال الناس عن الطفلة، وإلى من تنسب؟ وهل يغير ثبوت الأبوة بالبصمة الوراثية أحكام النسب الشرعي؟

خلاصة الجواب

مواجهة الواقع بالحكمة، وحماية الطفلة وتربيتها بالستر، وقطع الأمل تماماً من هذا الخاطب الهارب والتوجه إلى الله بالدعاء والتوبة، هو الطريق الأسلم لحفظ ما تبقى من استقرار النفس والعرض.

الجواب المفصَّل

الواقعة شديدة الألمين، ولكن رحمة الله عز وجل واسعة، وباب التوبة مفتوح أبداً لمن تاب وأناب.

وفيما يلي بيان الحكم الشرعي والتوجيه السليم لهذه القضية من زاويتين: الجانب الإيماني والأخلاقي (الستر والتوبة)، والجانب الفقهي المتعلق بالطفلة والنسب.

أولاً: حكم الستر والتوبة

وجوب الستر: يجب على صديقتك أن تستر على نفسها، ولا يجوز لها أبداً أن تفضح نفسها أو تخبر أحداً بما حدث طالما أن الأمر مستور.

فالنبي صلى الله عليه وسلم حث من وقع في شيء من هذه القاذورات أن يستتر بستر الله عز وجل.

التوبة النصوح: التوبة الصادقة الجادة تمحو ما قبلها، قال الله تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهْ المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، وعليها أن تُكثر من الاستغفار والعمل الصالح، وأن تثق بأن الله يقبل توبة التائبين.

ثانياً: نسب الطفلة وحكمها الشرعي

نسبة الطفلة لأمها: تتفق المذاهب الفقهية كلها على أن ولد الزنا يثبت نسبه إلى أمه وعائلتها من جهة الأم؛ لأن الأمومة علاقة طبيعية حقيقية. إذن، هذه الطفلة هي ابنتها شرعاً وحقيقةً.

الخاطب الهارب (الزاني): لا يثبت نسب هذه الطفلة للخاطب الذي زنى بها، فـ "ولد الزنا لا ينسب لأبيه الشرعي ولا يرثه"، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ) (أي للزاني الحرمان ولا نسب له).

ثالثاً: كيف تتعامل مع الواقع والمجتمع؟ (هل تعترف أم تستر؟)

الاعتراف بالطفلة ورعايتها: لا تملك صديقتك بحالٍ من الأحوال أن تتخلى عن ابنتها أو تتبرأ منها؛ فهي أمها شرعاً، وعليها واجب رعايتها وتربيتها وتقوى الله فيها، فالطفلة بريئة تماماً ولا ذنب لها، لقوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}.

الاعتراف بالطفلة دون كشف المعصية: هي لا تحتاج إلى "الاعتراف" للناس بجريمتها أو تفاصيل ما حدث (فهذا من المجاهرة بالذنب التي تُنهى عنها)، بل تتعامل مع الأمر بذكاء وحكمة يسترها الله بها، وتُثبت ابنتها بالطرق القانونية والإدارية المتاحة التي تحفظ حقوق الطفلة وتحمي عرض الأم وفق الأنظمة الرسمية المتاحة في بلدها.

قطع العلاقة بالماضي: يجب قطع الصلة تماماً بهذا الشاضي (الخاطب) الذي تخلى عنها، وعدم انتظار شيء منه، والتركيز كلياً على إصلاح النفس، وتربية الطفلة تربية صالحة، وبدء حياة جديدة أساسها التوبة والتوكل على الله.

أهلاً بكم، تشكرون على غيرتكم وحرصكم على رفع الظلم عن المرأة وحماية الطفلة البريئة من نظرة مجتمع قاسٍ.

ربما ما طرحتم يلمس وجعاً ومأساة اجتماعية كبرى يعاني فيها الضحية الأكبر (المرأة والطفل) بينما يفلت الجاني بفعله.

ولكن لكي تتضح الصورة تماماً بين ما تبحث عنه من عدالة واقعية وقانونية وبين الحكم الشرعي الفقهي الثابت، يجب تفصيل النقاط التالية بدقة:

1. الفرق بين "البصمة الوراثية (DNA)" و"النسب الشرعي"

ما ذكرته عن قضايا الفنانين في مصر (مثل قضايا إثبات النسب عبر التحاليل) مستند إلى القوانين الوضعية المدنية التي تحمي حقوق الأطفال وتلزم الأب بالاعتراف أو بالنفقة بناءً على ثبوت الأبوة البيولوجية.

أما في الشريعة الإسلامية:

البصمة الوراثية تثبت التكوين البيولوجي (العلمي)، لكنها لا تثبت النسب الشرعي في حالة الزنا.

فلم نقف -فيما اطلعنا عليه- على قول لأحد من أهل العلم المعتبرين بإلحاق ولد الزنا بالزاني، إذا لم يستلحقه الزاني، سواء بالبصمة الوراثية، أو غيرها.

وأما إذا استلحقه الزاني، ولم تكن أمه فراشا لأحد. فهذا فيه شيء من الخلاف، والجمهور على عدم لحقوقه به أيضا

القاعدة الفقهية المستمدة من حديث النبي صلى الله عليه وسلم صريحة قطعية: (الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ). ومعنى "للعاهر الحجر" أي الخيبة والحرمان، فلا يجوز شرعاً إلحاق ولد الزنا بالزاني، حتى لو أثبت التحليل بنسبة 100% أنه ابنه.

والشريعة أغلقت هذا الباب تماماً لئلا يكون الزنا طريقاً لادعاء الأنساب أو الالتفاف على الأحكام.

2. كيف تُنسَب الطفلة قانونياً واجتماعياً؟

من الناحية الشرعية: تنسب الطفلة لأمها وعائلتها من جهة الأم فقط، ولا ترث من الزاني ولا يرثها، ولا تنسب لعائلته بأي حال من الأحوال.

من الناحية الرسمية والدولية (شهادة الميلاد): في أغلب الدول العربية والإسلامية، وحماية للطفلة من "العار" ومن التشتت، تُسجل الطفلة في الدوائر الرسمية باسم الأم وحدها، أو تُمنح لقباً عائلياً أو اسماً رباعياً مصطنعاً (أو تُسجل كلقب عائلي للأم) بحيث تظهر في الأوراق الرسمية كأنها مولودة دون أب معروف، أو تُسجل بالطرق الإدارية التي تحفظ حقوقها القانونية في التعليم والعلاج دون فضيحة للأم أو كشف لسرها.

3. لماذا لا يُجبر "الزاني الهارب" على تحمل المسؤولية؟

منظور الشرع هنا يختلف عن المنظور العاطفي أو الحقوقي البحت للأسباب الآتية:

درء المفاسد: لو فتحنا باب إلحاق ولد الزنا بالزاني بناءً على اعترافه أو القوة أو الضغط، لفتحنا باباً عظيماً لاختلاط الأنساب وضياع الفراش الشرعي، ولصار الزنا أمراً هائناً يرتكبه الناس ثم يصححونه بنسب الطفل لاحقاً.

إثم الجاني: الشريعة لا تبرئ الهارب، فهو آثم ذنبًا عظيمًا عند الله عز وجل، وعليه وزر عظيم في الدنيا والآخرة لفراره من مسؤوليته الأخلاقية والدينية، وسيحاسب أشد الحساب أمام الله. لكن الشريعة لا تبني حكماً شرعياً ثابتاً للأنساب على أساس جريمة..

4. هل "الستر" هو تكريس للظلم؟

قد يبدو الستر هنا وكأن الضحية تتحمل وحدها وزر الجريمة بينما ينجو الجاني، وهذا هو الألم الحقيقي الذي يعتصر قلوبنا جميعاً.

لكن حكمة الشريعة في الستر تقوم على ما يلي:

حماية المجتمع والأفراد من جحيم الفضيحة: مجتمعاتنا للأسف قاسية جداً، والفضيحة العلنية لا تصلح الحال بل تزيد الطفلة ضياعاً والأم هلاكاً.

إصلاح المستقبل: التركيز على احتضان هذه الطفلة وتربيتها في بيئة صالحة تحيطها الحنان والستر خيرٌ بألف مرة من الدخول في دوامة محاكم وقضايا قد تنتهي برفض المجتمع للطفلة أكثر.

العدالة الإلهية: من ظن أن الظالم سينجو بظلمه فهو واهم؛ فالله سبحانه وتعالى لا يرضى بالظلم، وحق هذه الأم وهذه الطفلة محفوظ عند ملك الملوك الذي لا ينسى ولا يغفل، وسيعوضهما خيراً عما عانتاه.

الخلاصة: مواجهة الواقع بالحكمة، وحماية الطفلة وتربيتها بالستر، وقطع الأمل تماماً من هذا الخاطب الهارب والتوجه إلى الله بالدعاء والتوبة، هو الطريق الأسلم لحفظ ما تبقى من استقرار النفس والعرض.

شارك الفتوى

فتاوى ذات صلة

الباب الرضاع والحضانة والنسب
المفتي أ.د. محمّد طه حمدون السامرّائيّ
Scroll to Top