الحركات والأصوات عند الذكر والمدائح
ما حكم ما يصدر عن بعض الذاكرين وسامعي المدائح من حركات وأصوات تسمى الجذب أو التواجد، وكيف يفرق بين الغلبة والتكلف؟
بيّن في إحياء علوم الدين (كتاب آداب السماع والوجد) «التواجد استدعاء الوجد تكلفاً، وهو قسمان: مذموم وهو ما يكون رياءً وتصنعاً وإظهاراً لمقامات الأولياء، ومحمود وهو أن يكون القصد منه تحريك القلب واستجلاب الحزن والخوف والخشوع...
مسألة ما يعتري بعض الذاكرين أو السامعين للمدائح من حركات واضطراب وأصوات (المعروفة بـ الجذب أو التواجد أو الوجد) من المسائل التي فصّل فيها فقهاء المذاهب وأئمة السلوك والتحقيق تفصيلاً دقيقاً مبنياً على التمييز بين حال الغلبة القهرية وبين التكلف والاصطناع.
يمكن تلخيص الحكم الشرعي والضوابط الأصولية في النقاط الآتية:
الحال الأول: ما كان عن غلبة وقهر دون اختيار (الوجد الصادق)
إذا ورد على قلب العبد واردٌ قوي من خشية الله تعالى، أو تعظيم جنابه، أو محبة نبيه ﷺ، فغلب على عقله وقوته الحسية حتى اضطرب بدنه أو صرخ دون قصد ولا قدرة على الدفع؛ فهذا معذور فيه شرعاً ولا حرج عليه، لأن التكليف منوط بالاستطاعة والاختيار، لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، ولقاعدة: «لا تكليف بما لا يُطاق».
الحال الثاني: ما كان عن تصنّع وتكلّف واستدعاء للحركة (التواجد المصنوع)
إذا كان الشخص متعمداً لإحداث هذه الحركات والرقص والشهيق والزفير المرتفع، أو يتظاهر بحال ليس فيه طلباً للشهرة، أو إظهاراً للمقامات، أو محاكاةً للغير، فهذا مذموم وغير جائز؛ لِما فيه من الرياء وادعاء ما ليس في النفس، ولأنه يُخرج مجالس الذكر والعبادة عن سمتها الشرعي من الوقار والسكينة.
الحال الثالث: التواجد المعتدل للاستجلاب دون تشويش
إذا قصد الذاكر استجلاب الخشوع والتحزن دون حركات منكرة أو تشويش على الحاضرين (كما في التباكي المأذون فيه بالحديث: «فإن لم تبكوا فتباكوا»)، فذلك جائز ما دام في حدود السمت والوقار ولم يخرج إلى حد التمايل المبتذل أو إطلاق الأصوات المزعجة.
الضوابط الشرعية وموقف أهل التحقيق:
الأصل في مجالس الذكر الوقار والسكينة: كان هدي النبي ﷺ وأصحابه الكرام عند الذكر وسماع القرآن والوعظ هو الخشوع والدمعة واقشعرار الجلود، مع تمام الرزانة والوقار؛ كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
الأكمل والأعلى مقاماً هو الثبات: قرر المحققون (كالإمام الجنيد، وابن تيمية، والنووي، وابن حجر) أن كمال العارف وقوة قلبه تجعله يحمل الوارد القوي ويثبت، كما كان حال النبي ﷺ وأكابر الصحابة، وأن الاضطراب والصعق ضعفٌ في المحل، وإن كان صاحبه معذوراً إن لم يتعمد.
الإنكار والتعليم بالحكمة: ينبغي لمن رأى من يقع في ذلك ألا يبادر بالتكفير أو التفسيق إن ظهرت عليه أمارات الصدق والغلبة، وأن يُنصح بالرفق إن كان متكلفاً ومستعرضاً، صيانةً لبيوت الله ومجالس الذكر عن اللغط والتشويش.
أقوال أئمة السلوك والفقهاء في مسألة الوجد والتواجد
1. الإمام سيد الطائفة الجنيد البغدادي (ت 297هـ)
سُئل الجنيد عن حركة الوجد وتمايل السامعين وسقوطهم، فقال مفرّقاً بين ابتداء السلوك ونهايته:«إن ذلك لقوة الوارد وضعف البنية، فإذا قويت البنية وقوي الوارد ثبت».
ولما كبُر الإمام الجنيد كان يجلس في الذكر كأنه خشبة يابسة لا يتحرك، فقيل له في ذلك، فقال مستشهداً بالقرآن: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾.
فبيّن أن السكون الظاهري مع عمارة الباطن أكمل من الاضطراب.
2. ابن تيمية (ت 728هـ)
قسّم ابن تيمية أحوال السماع والوجد والحركة في مواضع عديدة (منها مجموع الفتاوى والتحفة العراقية) إلى ثلاثة أقسام دقيقة:
حال الصادق المغلوب: «الذي يغلب عليه السماع حتى يزول عقله أو يموت أو يضطرب بغير اختياره، فهذا معذور مأجور على ما في قلبه من خشية الله ومحبته، وما حصل له من السقوط أو الاضطراب بغير اختياره فهو فيه كالمغمى عليه والمجنون الذي رُفع عنه القلم».
حال المتكلّف المرائي: «الذي يتصنع ذلك ويتكلف البكاء أو الصعق أو السقوط ليراه الناس، فهذا من جنس المنافقين والمرائين، وفعله منكر وضلال».
حال الثابت الأكمل: «حال النبي ﷺ وأصحابه؛ وهو أن يرد على قلبه من الإيمان والقرآن ما يرد، وقلبه يثبت وجسمه يسكن، فلا يصعق ولا يسقط ولا يضطرب، وهو أكمل الأحوال وأرفعها».
3. الإمام النووي (ت 676هـ)
فصّل الإمام النووي في روضة الطالبين والمنهاج حكم الاضطراب والرقص عند السماع: «الرقص ليس بمحرّم إلا أن يكون فيه تكسّر وتخنّث، وكذا الوجد والتواجد إن كان عن غلبة وقهر فلا لوم عليه، وإن كان على طريق التكلف والرياء فهو مذموم».
وبيّن فقهاء الشافعية أن ما خرج عن وسع المكلف من حركة أو صياح يسقط فيه التكليف والمؤاخذة.
4. الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ)
ذكر في فتح الباري عند شرح أحاديث الخشوع والسكينة: «الأكمل في الأحوال حال الصحابة، كان أحدهم إذا تلي عليه القرآن تفيض عيناه ويقشعر جلده، ولا يخرج عن طور التمييز، وما جاء بعدهم من الصعق والغشيان والحركة إن كان عن صدق وغلبة فلا إنكار على صاحبه لعدم التكليف، لكن حال من لم يزل عنه عقله ولا وقاره أرفع وأفضل».
5. الإمام أبو حامد الغزالي (ت 505هـ)
بيّن في إحياء علوم الدين (كتاب آداب السماع والوجد) «التواجد استدعاء الوجد تكلفاً، وهو قسمان: مذموم وهو ما يكون رياءً وتصنعاً وإظهاراً لمقامات الأولياء، ومحمود وهو أن يكون القصد منه تحريك القلب واستجلاب الحزن والخوف والخشوع... وأما الوجد الصادق الذي يغلب العبد حتى لا يقدر على دفعه، فهو واردٌ إلهي لا حيلة للعبد في دفعه ولا حرج عليه فيه».
