استمرار العالم في الإفتاء مع تقدم السن
هل ينبغي للعالم أن يترك الفتوى لمجرد كبر سنه خشية الاختلاط، ومتى تسقط أهليته للإفتاء؟
فإذا تقدم السن بالعالم ووصل إلى مرحلة "الاختلاط" (أي الخرف، أو ضعف الذاكرة الشديد، أو فقدان التركيز)، فإنه يَحْرُم عليه أن يُفتي، وتسقط أهليته للإفتاء، ولا يجوز للناس أن يأخذوا بفتواه.
فالأمر ليس متروكاً لاختياره، بل هو حكم شرعي يمنعه من التوقيع عن رب العالمين وهو فاقد لآلة الضبط.
حياك الله، وبارك فيك وفي زميلك.
سؤال زميلك ينطلق من حرص محمود، لكنه مبني على تصور غير دقيق لواقع الحال في المنهجية الشرعية.
وهنا أمور :
أولاً: الاختلاط يمنع الفتوى شرعاً
فمن الشروط الأساسية لمن يتصدر للإفتاء "كمال العقل والضبط وحضور الذهن".
فإذا تقدم السن بالعالم ووصل إلى مرحلة "الاختلاط" (أي الخرف، أو ضعف الذاكرة الشديد، أو فقدان التركيز)، فإنه يَحْرُم عليه أن يُفتي، وتسقط أهليته للإفتاء، ولا يجوز للناس أن يأخذوا بفتواه.
فالأمر ليس متروكاً لاختياره، بل هو حكم شرعي يمنعه من التوقيع عن رب العالمين وهو فاقد لآلة الضبط.
ثانياً: التفريق بين كبر السن وفقدان الإدراك
مجرد كبر السن (الشيخوخة) ليس مانعاً من الفتوى، بل هو في الغالب ميزة للعالم؛ فكلما كبر العالم الشرعي زادت حصيلته العلمية، ورسخ فهمه، وتراكمت خبرته في فهم الواقع ومآلات الأمور.
والتقاعد في الوظائف الدنيوية مرتبط بالجهد البدني، أما العلم الشرعي فمرتبط بالعقل والفهم، وما دام العقل حاضراً، فالعالم في كبره كنز يُستفاد منه.
ثالثاً: منهج السلف وتصرفهم عند الكبر
تاريخنا الإسلامي مليء بنماذج لعلماء لما شعروا بضعف ذاكرتهم اعتزلوا الفتوى والتحديث بأنفسهم.
وفي "علم الحديث" صنف العلماء باباً كاملاً أسموه "المختلطين"، وهم أئمة وعلماء كبار ساء حفظهم في أواخر أعمارهم.
وقد تعامل معهم العلماء بمنتهى الدقة؛ فقبلوا ما رووه وأفتوا به قبل الاختلاط، وردّوا كل ما صدر عنهم بعد كبر السن والاختلاط، مما يدل على أن الأمة لا تجامل في دينها.
رابعاً: دور التلامذة والأقران
العالم لا يعيش في فراغ، بل يحيط به كبار تلامذته وأقرانه من العلماء.
فإذا لُوحظ على العالم الكبير بداية النسيان أو اختلاط الأمور بسبب السن، فإن تلامذته يتولون حمايته وحماية الدين؛ فيقومون بحجبه عن الناس بلطف، أو يمنعون وصول الاستفتاءات إليه، حفاظاً على مقامه وتاريخه الناصع.
قل لزميلك إن العالم الذي يحتفظ بكامل قواه العقلية لا مبرر لمنعه من نفع الناس، أما إذا طرأ عليه ما يخل بعقله، فالشريعة نفسها هي أول من يعزله عن منصب الإفتاء.
