آداب الخلاف ونقد الأفكار وعدم تقديس الأشخاص
ما القواعد والآداب الواردة في مناقشة الخلاف ونقد الأفكار؟
فالمؤمنون إخوة في الله قبل أخوة النسب، والاختلاف في الفروع لا يقطع أواصر الأخوة، ولا يمنع من التحاب والتواد. وقد قال يحيى بن سعيد: "ما برح المستفتون يستفتون فيحل هذا ويحرم هذا، فلا يرى المحرم أن المحلل هلك لتحليله، ولا يرى المحلل أن المحرم هلك لتحريمه".
آداب الخلاف في الإسلام: بين نقد الفكرة وتقديس الأشخاص
ا.د.محمد طه حمدون السامرائي
في رحاب الحق وميادين الاجتهاد
الحمد لله الذي جعل الاختلاف في الفروع رحمة، وسنة ماضية في الأمة، والصلاة والسلام على من قال: "اختلاف أمتي رحمة"، وعلى آله وصحبه الذين اختلفوا في المسائل، واتفقوا على المحبة والوصال، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المآل.
أما بعد، فإن من أعظم ما ابتليت به الأمة في عصرنا الحاضر، خلط نقد الفكرة بنقد صاحبها، وظن كثير من الناس أن الرد على القول رد على القائل، وأن تخطئة الرأي تخطئة للرائي. وهذا من أعظم الأوهام التي تحول دون نهضة العلم، وتقدم الفهم، وتطور الاجتهاد. فالحق أحق أن يتبع، والصواب أولى أن يقبل، ولا عصمة لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
المحطة الأولى: طبيعة الاختلاف في الشريعة الإسلامية
اولا: الاختلاف سنة كونية وشرعية
إن الاختلاف في الآراء والأفكار سنة من سنن الله في خلقه، لا تتبدل ولا تتحول. فقد اختلف الأنبياء عليهم السلام في بعض الأحكام الاجتهادية، كما قال تعالى: ﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾ [الأنبياء: 78-79]. فإذا كان هذا حال الأنبياء المعصومين في التبليغ، فكيف بمن دونهم من العلماء والمجتهدين؟
واختلف الصحابة رضوان الله عليهم في كثير من المسائل، ولم يعب بعضهم على بعض، بل كانوا أشد شيء تحابًا وتوادًا كما قال الأعمش عن مشايخه. فقد اختلف أبو بكر وعمر رضي الله عنهما في شأن أسرى بدر، فقال أبو بكر بالعفو والاستبقاء، وقال عمر بالقتل والإفناء، ولم يمنع ذلك من بقاء المحبة والإخاء.
ثانيا: الاجتهاد مبني على الظن الغالب
إن أكثر المسائل الاجتهادية مبنية على الظن الغالب، لا على اليقين القاطع. فالمجتهد يرجح قولًا على قول بحسب ما يغلب على ظنه أنه الصواب، وهذا من يسر الشريعة وسماحتها. ولذلك قال الإمام الشافعي رحمه الله تلك الكلمة الذهبية: "قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول المخالف خطأ يحتمل الصواب".
وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى في قوله: "إنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو مما أسمع منه، فمن قطعت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له به قطعة من النار". فإذا كان هذا في القضاء، فكيف بالاجتهاد والفتوى؟
المحطة الثانية: آفات التقليد الأعمى وعبادة الأشخاص
أولا: مشكلة التقديس العملي للعلماء
ومن أعظم الآفات التي تصيب طلاب العلم، التقديس العملي للعلماء، وإن أنكروا ذلك بألسنتهم. فهم يقولون: "لا معصوم إلا الأنبياء"، ولكنهم في الواقع العملي يتعاملون مع أقوال مشايخهم وكأنها منزلة من السماء، لا تقبل النقد ولا التمحيص.
وقد انتشرت في كتب التراجم مبالغات مفرطة في مدح العلماء، حتى رفعوهم فوق مستوى البشر إلى مستوى الأنبياء. فتجد ترجمة العالم تحتل ربع الكتاب أو أكثر، مليئة بالمدائح المفرطة، والثناء المبالغ فيه، مما يجعل الطالب عاجزًا عن نقد أقوال ذلك العالم أو تمحيصها.
ثانيا: أثر هذا التقديس على العلم وطلابه
إن هذا التقديس له أثر مدمر على العلم وطلابه، فالعلم ينهض بالنقد والتمحيص والتفتيش، لا بالتقليد الأعمى والتسليم المطلق. فإذا قرأ الطالب أن فلانًا من العلماء "شيخ الإسلام" و"فخر المسلمين" و"لم يأت بعده مثله"، فكيف سيكون عقله قادرًا على تحليل ونقد ما يقوله ذلك العالم؟
وقد تفشت في المؤسسات التعليمية طريقة مدمرة في تلقين العلوم، تقوم على تحقير عقول الطلاب، وإشعارهم بأنهم "حصاة الأرض" أمام "جبال العلم"، وأنهم "الكتاكيت" أمام "الصقور". فينشأ جيل فاقد للثقة بعقله ونفسه، عاجز عن الفهم والتحليل، يعتبر نقد أقوال السابقين كفرًا وزندقة.
المحطة الثالثة: الضوابط الشرعية للاختلاف والنقد
أولا: التفريق بين المقطوع والمظنون
إن العالم الراسخ يفرق بين المقطوع والمظنون، وبين القطعي والاحتمالي. فما كان من النصوص قطعي الثبوت قطعي الدلالة، فلا مجال للاختلاف فيه. وما كان ظني الثبوت أو ظني الدلالة، فهو محل للاجتهاد والنظر، ولا يُنكر على من خالف فيه بدليل معتبر.
وقد قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "تعليل الأئمة للأحاديث مبني على غلبة الظن". فالحديث المختلف في تصحيحه أو تضعيفه قد يرجح المجتهد صحته وهو ضعيف في نفس الأمر، وقد يرجح ضعفه وهو صحيح في نفس الأمر.
ثانيا: فقه المصالح والمفاسد
والعالم المنصف يفقه أحكام المصالح والمفاسد، فإن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان. ومطلوبها ترجيح خير الخيرين إذا لم يمكن أن يجتمعا معًا، ودفع شر الشرين إذا لم يندفعا جميعًا.
وقد يقع الاشتباه والتردد في باب المصالح والمفاسد، فأقوام ينظرون إلى الحسنات فيرجحون جانبًا وإن تضمن سيئات، وأقوام ينظرون إلى السيئات فيرجحون الجانب الآخر وإن ترك حسنات. والعالم المنصف لا يستهين بغيره من العلماء، بل يحرص على معرفة أقوالهم ومشاورتهم.
المحطة الرابعة: آداب الاختلاف في الإسلام
أولا: اللين في القول والحوار
من أهم آداب الاختلاف استخدام اللين والتلطف في الحوار، حتى مع الخصم الكافر المعاند. فقد أمر الله موسى وهارون عليهما السلام أن يقولا لفرعون قولًا لينًا، مع أنه قال: ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾. فما يُدرك باللين لا يُدرك بالشدة، والكلمة الطيبة تفتح القلوب المغلقة.
وقد ضرب لنا الإمام الشافعي رحمه الله أروع الأمثلة في هذا الباب، فقد قال يونس الصدفي: "ناظرته يومًا في مسألة ثم افترقنا، ولقيني فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة!" فهذا يدل على كمال عقل هذا الإمام وفقه نفسه.
ثانيا: تجنب التكفير والتفسيق
ومن آداب الاختلاف تجنب التكفير والتفسيق بغير حق، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك في أحاديث كثيرة، منها قوله: "إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر؛ فقد باء بها أحدهما". وقوله: "من دعا رجلاً بالكفر، أو قال: عدو الله، وليس كذلك، إلا حار عليه".
فالمؤمنون إخوة في الله قبل أخوة النسب، والاختلاف في الفروع لا يقطع أواصر الأخوة، ولا يمنع من التحاب والتواد. وقد قال يحيى بن سعيد: "ما برح المستفتون يستفتون فيحل هذا ويحرم هذا، فلا يرى المحرم أن المحلل هلك لتحليله، ولا يرى المحلل أن المحرم هلك لتحريمه".
ثالثا: الإنصاف في الحكم على المخالف
ومن آداب الاختلاف الإنصاف في الحكم على المخالف، وعدم تتبع عثراته، والتماس الأعذار له. فالعالم الواسع الاطلاع يتسع صدره للمخالفين له، لمعرفته بأقوال العلماء وأدلتهم، وتمييزه بين الأدلة القطعية والظنية.
وقال سفيان الثوري: "إذا رأيت الرجل يعمل بعمل قد اختُلِف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه". وهذا من فقه الخلاف، وحسن التعامل مع المخالف في المسائل الاجتهادية.
المحطة الخامسة: نماذج مشرقة من تاريخ الأمة
أولا: اختلاف الصحابة وأدبهم فيه
لقد ضرب الصحابة رضوان الله عليهم أروع الأمثلة في آداب الاختلاف، فقد اختلفوا في مسائل كثيرة، ولكن ما اختلفت قلوبهم، وما حملت الضغينة نفوسهم. فكانوا بعد كل اختلاف ونقاش تتصافى منهم القلوب، وتطيب منهم النفوس.
وقد روى ابن عبد البر عن بعض السلف قوله: "من لم يسمع الاختلاف فلا تعدوه عالمًا". فسماع الاختلاف يوسع الأفق، ويعمق الفهم، ويربي على احترام الرأي الآخر.
ثانيا: اختلاف الأئمة وتلاميذهم
ومن أروع الأمثلة على آداب الاختلاف، ما كان بين الأئمة وتلاميذهم. فقد خالف تلاميذ أبي حنيفة شيخهم في أكثر من ثلث المذهب، وخالف المزني الشافعي في مسائل كثيرة، ولم يمنع ذلك من بقاء المحبة والاحترام المتبادل.
بل إن العالم نفسه قد تختلف أقواله وتتعدد، لتطور الأمر عنده بتقدم الخبرة أو الاطلاع الجديد أو تطور الزمان والمكان. وكل ذلك آيات شاهدات على أن الاجتهاد آراء خاضعة للنقد والتحليل.
وفي الختام: دعوة إلى إحياء آداب الاختلاف
وبعد هذا التطواف في رحاب آداب الاختلاف، وما تضمنته من ضوابط وآداب، لا يسعنا إلا أن ندعو إلى إحياء هذه الآداب في واقعنا المعاصر، والعودة إلى منهج العلماء في التعامل مع الخلاف.
فيا طلاب العلم، ويا دعاة الحق، لا تجعلوا الاختلاف في الفروع سببًا للفرقة والشقاق، ولا تحولوا نقد الأفكار إلى نقد الأشخاص. فالحق أحق أن يتبع، والصواب أولى أن يقبل، ولا عصمة لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
واعلموا أن الإسلام يجمع ولا يفرق، ويحبب ولا يبغض، ويدعو إلى الاعتصام بحبل الله المتين، والسير على السبيل الواضح القويم. فإذا لم يعجبك رأي إنسان ما، فقد تعجبك أخلاقه، واعلم أن كل الأئمة وأصحاب المذاهب قد أخذوا من معين رسول الله صلى الله عليه وسلم الصافي.
وتذكروا دائمًا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا". فالمحبة في الله أساس الإيمان، والأخوة في الدين أقوى من أخوة النسب.
نسأل الله العظيم أن يجمع كلمة المسلمين، ويوحد صفوفهم، ويجعلهم إخوانًا متحابين، متعاونين على البر والتقوى، غير متعاونين على الإثم والعدوان. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
