اجتماع العيد والجمعة وأثره في وجوب الجمعة
هل تسقط الجمعة عمن صلى العيد إذا اجتمعا في يوم واحد؟
في حكم سقوط الجمعة إذا وافقت يوم عيد ا.د.محمد طه حمدون نبين هنا مسألة فقهية يكثر وقوعها وتتجدد الحاجة إلى بيان حكمها، وهي حكم صلاة الجمعة إذا وافق يومها يوم عيد (الفطر أو الأضحى).
في حكم سقوط الجمعة إذا وافقت يوم عيد
ا.د.محمد طه حمدون
نبين هنا مسألة فقهية يكثر وقوعها وتتجدد الحاجة إلى بيان حكمها، وهي حكم صلاة الجمعة إذا وافق يومها يوم عيد (الفطر أو الأضحى).
نستعرض فيه أهمية كل من صلاة الجمعة وصلاة العيد في التشريع الإسلامي، ثم تحرر محل النزاع بين الفقهاء في سقوط الجمعة عمن صلى العيد. بعد ذلك، نفصل القول في مذاهب الفقهاء المعتبرة، عارضةً قول الجمهور القائل بعدم سقوط الجمعة، وقول الحنابلة ومن وافقهم القائل بسقوط حضورها عن المصلي للعيد مع وجوب إقامتها على الإمام، مع ذكر أدلة كل فريق ومناقشتها. كما تتطرق المقالة إلى بعض الأقوال الأخرى والتفصيلات المتعلقة بأهل القرى والبوادي.
ويخلص قولنا إلى بيان أن المسألة من مسائل الخلاف المعتبر، مع ترجيح ما يقتضيه الدليل ويتفق مع مقاصد الشريعة ورفع الحرج، وتقديم توجيهات عملية للمسلمين في هذا الشأن.
إن من نعم الله تعالى على عباده المؤمنين أن شرع لهم عبادات تجتمع فيها القلوب وتتآلف النفوس، وتظهر بها شعائر الدين، ومن أعظم هذه الشعائر صلاة الجمعة وصلاة العيدين. فصلاة الجمعة فرض عين على كل مسلم ذكر بالغ حر مقيم، وهي عيد الأسبوع للمسلمين، يجتمعون فيها لسماع الذكر وتأدية الصلاة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: 9].
وصلاة العيدين (الفطر والأضحى) سنة مؤكدة عند الجمهور، وقيل فرض كفاية، وقيل فرض عين، وهي مظهر للفرح والسرور بنعمة الله تعالى على إتمام الصيام أو الحج، وشعيرة عظيمة يجتمع لها المسلمون في المصليات.
وقد يتفق أن يوافق يوم العيد يوم الجمعة، وهنا يثور التساؤل الفقهي حول حكم صلاة الجمعة في هذا اليوم لمن صلى العيد: هل تسقط عنه الجمعة اكتفاءً بالعيد، أم يجب عليه حضورها كغيرها من أيام الجمع؟
وهل يختلف الحكم بين أهل الأمصار وأهل القرى والبوادي؟
لقد اختلف الفقهاء رحمهم الله في هذه المسألة اختلافاً معتبراً، بناءً على اختلافهم في فهم النصوص الواردة وتوجيهها، وفي تطبيق القواعد الأصولية والفقهية.
ونظراً لأهمية المسألة وتكرر وقوعها، وحاجة المسلمين لمعرفة الحكم الشرعي فيها، فقد رأيت أن أفرد لها هذه المقالة،
مستعرضاً أقوال الفقهاء وأدلتهم، ومناقشاً إياها، وصولاً إلى ما يظهر رجحانه أو ما تقتضيه قواعد التيسير ورفع الحرج في مسائل الخلاف.
والله أسأل أن يوفقنا للصواب، وأن يفقهنا في دينه.
أولاً: المصطلحات:
1.صلاة الجمعة: صلاة ذات ركعتين جهريتين تسبقهما خطبتان، تؤدى وقت الظهر من يوم الجمعة، وهي فرض عين بشروط مخصوصة.
2.صلاة العيد: صلاة ذات ركعتين تؤدى في يوم عيد الفطر أو عيد الأضحى بعد طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح، ولها صفة مخصوصة، وحكمها دائر بين السنة المؤكدة وفرض الكفاية وفرض العين على خلاف بين الفقهاء.
3.الرخصة: في الاصطلاح: ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح. وهي حكم شرعي استثنائي يبيح للمكلف ترك واجب أو فعل محظور عند وجود عذر أو مشقة معتبرة شرعاً.
4.أهل العوالي: سكان المناطق المرتفعة أو البعيدة عن مركز المدينة (في سياق المدينة المنورة قديماً).
ثانياً: التأصيل الشرعي للمسألة:
1.فرضية صلاة الجمعة: دلت النصوص الصريحة من الكتاب والسنة والإجماع على فرضية صلاة الجمعة على من توفرت فيه شروطها. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ» (رواه مسلم). ونقل الإجماع على وجوبها ابن المنذر وابن عبد البر وغيرهما.
2.مشروعية صلاة العيد: صلاة العيد مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى في عيد الفطر: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 185]. وواظب النبي صلى الله عليه وسلم على صلاة العيدين وأمر بها الرجال والنساء. وأجمع المسلمون على مشروعيتها، كما نقله إمام الحرمين وابن قدامة.
ثالثاً: محل النزاع:
النزاع بين الفقهاء يتركز حول ما إذا كان حضور صلاة العيد وأداؤها يعتبر عذراً شرعياً يُسقط وجوب حضور صلاة الجمعة في ذلك اليوم عمن صلاها، أم أن كلا الصلاتين واجبة أو مشروعة لذاتها ولا تسقط إحداهما بالأخرى؟ وهل هناك فرق بين أهل المصر ومن يأتي من خارجه؟
رابعاً: أقوال الفقهاء وأدلتهم:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين رئيسيين، مع وجود تفصيلات أخرى:
القول الأول: الجمعة لا تسقط بالعيد، وتجب على من تجب عليه في سائر الأيام.
وهو مذهب جمهور الفقهاء: الحنفية، والمالكية، والشافعية (في الأصح عندهم لأهل الأمصار)، وبه قال أكثر الفقهاء، واختاره ابن المنذر وابن حزم وابن عبد البر.
نصوص أصحاب هذا القول:
قال ابن عابدين الحنفي في "رد المحتار" نقلاً عن "الهداية" و"الجامع الصغير": "عيدان اجتمعا في يوم واحد؛ فالأول سنة، والثاني فريضة، ولا يُترك واحدٌ منهما".
وقال القاضي عبد الوهاب المالكي في "الإشراف": "إذا اتفق عيدٌ وجمعةٌ لم يسقط أحدهما بالآخر... ولأن شرائطها موجودة فلزمت إقامتها... ولأن الجمعة آكد؛ لأنها فرضٌ".
وقال النووي الشافعي في "المجموع": "إذا اتفق يوم جمعة يوم عيد وحضر أهل القرى الذين تلزمهم الجمعة... فصلوا العيد لم تسقط الجمعة بلا خلاف عن أهل البلد".
أدلة أصحاب هذا القول:
1.عموم الأدلة الموجبة للجمعة: استدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، قالوا: الأمر بالسعي عام في كل جمعة، ولم يخص يوم عيد من غيره. وكذلك عموم الأحاديث الآمرة بالجمعة والمحذرة من تركها.
2.أثر عثمان بن عفان رضي الله عنه: استدلوا بما رواه البخاري معلقاً ووصله غيره أن عثمان رضي الله عنه خطب يوم عيد وافق يوم جمعة فقال: "يا أيُّها الناسُ، إنَّ هذا يومٌ قد اجتمَعَ لكم فيه عِيدانِ؛ فمَن أحبَّ أن يَنتظِرَ الجُمُعةَ مِن أهلِ العوالي فليَنتظرْ، ومَن أحبَّ أنْ يَرجِع فقدْ أَذِنْتُ له". قالوا: وجه الدلالة أنه خص أهل العوالي (وهم أهل القرى والبوادي المحيطة بالمدينة ممن لا تجب عليهم الجمعة أصلاً أو يشق عليهم الانتظار) بالرخصة، فدل على وجوبها على أهل المصر.
3.الجمعة فرض والعيد تطوع (أو سنة): قالوا: الجمعة فرض عين بالإجماع، والعيد سنة مؤكدة (على قول الجمهور)، والفرض لا يسقط بالتطوع أو السنة.
4.عدم سقوط إحدى الصلاتين بالأخرى: قالوا: هما عبادتان واجبتان أو مشروعتان مستقلتان، فلا تسقط إحداهما بالأخرى، قياساً على عدم سقوط الظهر بالعيد.
5.تضعيف الأحاديث الواردة في الرخصة: ذهب بعضهم إلى تضعيف الأحاديث المروية في الرخصة بسقوط الجمعة لمن صلى العيد، أو تأويلها بما يتفق مع قولهم.
القول الثاني: يسقط وجوب حضور الجمعة عمن صلى العيد، ولكن يجب على الإمام إقامتها لمن شاء أن يحضرها أو لمن لم يصل العيد.
وهو مذهب الحنابلة، وبه قالت طائفة من السلف، ونقل عن عدد من الصحابة كعلي وابن عباس وابن الزبير وزيد بن أرقم رضي الله تعالى عنهم جميعا، واختاره ابن تيمية وتلميذه ابن القيم.
نصوص أصحاب هذا القول:
قال المجد ابن تيمية في "المحرر": "إذا اجتمع عيدٌ وجمعةٌ سقطت الجمعة عمن حضر العيد إلا الإمام. وعنه: تسقط عنه أيضًا".
وقال البهوتي الحنبلي في "كشاف القناع": "(وإذا وقع عيد يوم جمعة فصلوا العيد والظهر جاز) ذلك (وسقطت الجمعة عمن حضر العيد)... إسقاط حضورٍ، لا إسقاط وجوب".
أدلة أصحاب هذا القول:
1.حديث زيد بن أرقم: عن إياس بن أبي رملة الشامي قال: شهدت معاوية يسأل زيد بن أرقم: أشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيدين اجتمعا في يوم؟ قال: نعم. قال: فكيف صنع؟ قال: صلى العيد ثم رخَّص في الجمعة، فقال: «مَن شاءَ أنْ يُصلِّيَ، فليصلِّ» (رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم وصححه). قالوا: هذا نص صريح في الرخصة.
2.حديث أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قد اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنَّا مجمِّعون» (رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم وصححه).
قالوا: قوله "أجزأه من الجمعة" دليل على سقوط وجوب الحضور، وقوله "وإنا مجمعون" دليل على وجوب إقامتها على الإمام.
3.أثر ابن الزبير: ما رواه أبو داود والنسائي عن عطاء قال: "صلى بنا ابن الزبير في يوم عيد في يوم جمعة أول النهار ثم رحنا إلى الجمعة فلم يخرج إلينا فصلينا وحداناً، وكان ابن عباس بالطائف فلما قدم ذكرنا ذلك له فقال: أصاب السنة". قالوا: هذا فعل صحابي وافقه عليه ابن عباس، ولم ينكر عليهما أحد، فدل على أن السنة سقوطها عمن صلى العيد.
4.تحقق المقصود بالاجتماع والخطبة: قالوا: إن المقصود من الجمعة هو اجتماع المسلمين وسماع الخطبة، وهذا قد حصل في صلاة العيد، فاكتفي به عن الجمعة من باب التخفيف ورفع الحرج.
5.قاعدة تداخل العبادات: قالوا: من القواعد أن العبادتين إذا اجتمعتا من جنس واحد دخلت الصغرى في الكبرى، أو تداخلتا تخفيفاً، وهنا اجتمع عيدان (العيد والجمعة)، فرخص في الجمعة لمن شهد العيد.
مناقشة الأدلة والترجيح:
مناقشة أدلة المانعين (الجمهور):
الاستدلال بعموم آية الجمعة قوي، لكن أدلة القائلين بالرخصة تعتبر مخصصة لهذا العموم في حالة اجتماع العيدين.
أثر عثمان رضي الله عنه يمكن حمله على أنه رأي اجتهادي له، أو أنه خاص بأهل العوالي الذين لا تجب عليهم الجمعة أصلاً أو يشق عليهم البقاء، فلا يعارض الأحاديث المرفوعة الصريحة في الرخصة لعموم من صلى العيد.
القول بأن الجمعة فرض والعيد سنة غير مسلم عند من يرى وجوب العيد (كالحنفية ورواية عند أحمد)، وحتى لو كانت سنة، فقد وردت الرخصة بها في الأحاديث الصحيحة.
القياس على عدم سقوط الظهر بالعيد لا يصح؛ لأن الجمعة تشبه العيد في الاجتماع والخطبة بخلاف الظهر.
مناقشة أدلة المجيزين (الحنابلة ومن وافقهم):
الأحاديث المرفوعة في الرخصة (حديث زيد وأبي هريرة) صحيحة أو حسنة، وهي صريحة في الدلالة على الرخصة.
أثر ابن الزبير وإن كان فيه مقال أو احتمال، إلا أنه يعتضد بالأحاديث المرفوعة.
التعليل بتحقق المقصود وتداخل العبادات له وجه قوي من النظر ويتفق مع مقاصد الشريعة في التيسير.
الترجيح:
الذي يظهر رجحانه - والله أعلم - هو القول الثاني القائل بسقوط وجوب حضور الجمعة عمن صلى العيد، مع وجوب إقامتها على الإمام ومن لم يشهد العيد أو أراد الحضور.
وذلك لقوة الأحاديث الصحيحة والصريحة الواردة في الرخصة، ولموافقة هذا القول لروح الشريعة في التيسير ورفع الحرج عند اجتماع العبادات، ولأنه مروي عن عدد من الصحابة ولم يعرف لهم مخالف صريح من الصحابة في أصل الرخصة (وإن اختلفوا فيمن تشملهم).
كما أن تعليل الرخصة بالمشقة الحاصلة من حضور الصلاتين والخطبتين في يوم واحد ظاهر، خاصة في الأزمنة السابقة.
وهذا لا يعني سقوط صلاة الظهر، بل يجب على من أخذ بالرخصة أن يصلي الظهر في وقتها.
تنبيهات وتفصيلات:
القول بسقوط الجمعة والظهر معاً (قول عطاء): هو قول شاذ وضعيف، ومخالف للأحاديث والإجماع على وجوب الظهر على من فاتته الجمعة.
وقد حمله العلماء على محامل أخرى كما سبق بيانه في النص الأصلي.
التفريق بين أهل المصر وأهل القرى (قول الشافعية ورواية للمالكية): هذا التفريق مبني على أثر عثمان،
وقد نوقش بأنه قد يعارض الأحاديث العامة في الرخصة، وأن العلة قد تكون المشقة وهي قد توجد في أهل المصر أيضاً، خاصة مع تغير ظروف الحياة ووسائل النقل.
وجوب صلاة الظهر: القول الراجح بسقوط حضور الجمعة لا يعني سقوط صلاة الظهر، بل يجب على من ترخص ولم يحضر الجمعة أن يصلي الظهر أربع ركعات في وقتها. وهذا محل اتفاق بين القائلين بالرخصة (عدا قول عطاء الشاذ).
يتلخص مما سبق أن مسألة سقوط الجمعة يوم العيد من مسائل الخلاف السائغ بين أهل العلم، ولكل قول أدلته المعتبرة.
والقول بالرخصة لمن صلى العيد له قوة ظاهرة من حيث الدليل وموافقة مقاصد التيسير. وعليه، فإن الأمر فيه سعة:
1.الأفضل والأحوط لمن لا يشق عليه الأمر أن يحضر الجمعة ليحوز فضلها ويخرج من الخلاف.
2.يجب على إمام المسجد الجامع وخطيبه إقامة صلاة الجمعة في هذا اليوم، ليصليها من لم يشهد العيد، ومن أراد الأخذ بالعزيمة، ومن وجبت عليه ولم تشمله الرخصة.
3.من شهد صلاة العيد، وشق عليه حضور الجمعة، أو أراد الأخذ بالرخصة الواردة في الأحاديث الصحيحة، فلا حرج عليه في ترك حضور الجمعة، وعليه أن يصلي الظهر في وقتها.
4.لا ينبغي الإنكار على من أخذ بأحد القولين المعتبرين في المسألة، فالمسائل الخلافية لا إنكار فيها، بل يسع المسلمين فيها الأخذ بما يترجح لديهم أو ما يناسب حالهم وظروفهم مما تدل عليه الأدلة الشرعية.
نسأل الله تعالى أن يفقهنا في ديننا، وأن يوحد صفوف المسلمين، وأن يتقبل منا ومنهم صالح الأعمال.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
ينظر: الإجماع" ص: 40، ط. دار المسلم، الاستذكار" (2/ 56، ط. دار الكتب العلمية)، معالم السنن" (1/ 246، ط. المطبعة العلمية، سبل السلام" (1/ 409، ط. دار الحديث، اختلاف العلماء" (1/ 347، ط. دار البشائر الإسلامية، "الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف" (4/ 116، ط. دار طيبة):
ينظر: الجامع الصغير، محمد بن الحسن، (ص: 113)، الهداية شرح بداية المبادئ، المرغيناني، (1/ 84)، فتح القدير، لابن عمان الحنفي (2/ 71)، البناية شرح الهداية، بدر الدين العيني الحنفي، (3/ 97)، رد المحتار" (2/ 166، ط. دار الفكر، والمدونة، سحنون، رواية أبي القاسم عن مالك، باب من تجب عليه الجمعة، (1/ 233)،الذخيرة" (2/ 355، ط. دار الغرب الإسلامي، شرح التلقين" (1/ 1035- 1036، ط. دار الغرب الإسلامي، المنتقى" (ص: 307، ط. دار ابن الجوزي):
التمهيد" (10/ 270)، الأم، للشافعي، (1/ 274)، نهاية المطلب" (2/ 611، ط. دار المنهاج، حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء" (2/ 226، ط. مؤسسة الرسالة): روضة الطالبين" (2/ 79، ط. المكتب الإسلامي، المجموع" (4/ 492) مغني المحتاج، الخطيب الشربيني، (1/ 539)، قواعد الأحكام في مصالح الأنام" للإمام العز بن عبد السلام (1/ 253، ط. مكتبة الكليات الأزهرية). والمغني" (2/ 248).، المحرر في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل" (1/ 159)، المبدع 2/ 180، مجموع الفتاوى، (24/ 211)». المحلى، لابن حزم، (5/ 89).
مسألة:اختلاف الفقهاء في سقوط الجمعة بالعيد.
اختلف الفقهاء في الجمعة إذا وافقت يوم العيد ،هل يسقط وجوبها أم لا ؟
1-المذهب الأول فذهب الجمهور (المالكية و الحنفية و الشافعية)إلى أن الجمعة لا تسقط بالعيد أصلا.
قال العلامة ابن عابدين الحنفي في "رد المحتار" (2/ 166، ط. دار الفكر): [مذهبنا: فلزوم كل منهما. قال في "الهداية" ناقلًا عن "الجامع الصغير": عيدان اجتمعا في يوم واحد؛ فالأول سنة، والثاني فريضة، ولا يُترك واحدٌ منهما] اهـ.
وقال القاضي عبد الوهاب المالكي في "الإشراف على نكت مسائل الخلاف" (1/ 335، ط. دار ابن حزم): [مسألة: إذا اتفق عيدٌ وجمعةٌ لم يسقط أحدهما بالآخر، خلافًا لأحمد بن حنبل.. ولأن شرائطها موجودة فلزمت إقامتها، أصله إذا لم يكن عيدٌ، ولأن صلاة العيد سنة لم تسقط فرض كصلاة الكسوف، ولأن الجمعة آكد؛ لأنها فرضٌ، فإذا كانت لا هتسقط الأضعف كان الأضعف بأن لا يُسقط الآكدَ أولى] اهـ.
وقال الإمام النووي الشافعي في "المجموع" (4/ 491، ط. دار الفكر): [قال الشافعي والأصحاب: إذا اتفق يوم جمعة يوم عيد وحضر أهل القرى الذين تلزمهم الجمعة لبلوغ نداء البلد فصلوا العيد لم تسقط الجمعة بلا خلاف عن أهل البلد، وفي أهل القرى وجهان: الصحيح المنصوص للشافعي في "الأم" والقديم أنها تسقط. (والثاني): لا تسقط] اهـ.
2-المذهب الثاني: تسقط الجمعة عمَّن حضر صلاة العيد وجاء من أماكن لا تقام فيها الجُمْعة كالبوادي والنجوع البعيدة عن المدن والقرى فقط دون غيرهم، وبشرط أن تُصلَّى ظهرًا، وهو قول عثمان بن عفان رضي الله عنه، والإمام مالك في رواية، والمذهب عند الشافعية.
قال الإمام القرافي في "الذخيرة" (2/ 355، ط. دار الغرب الإسلامي): [أما الخارج عن المصر ففي "الكتاب" لا يتخلفون، وروي عنه يتخلفون؛ لإذن عثمان رضي الله عنه لأهل العوالي، ولما في انتظارهم رجوعهم من المشقة] اهـ.
وقال الإمام المازري في "شرح التلقين" (1/ 1035- 1036، ط. دار الغرب الإسلامي) في "كون صلاة العيد عذرًا في التخلف عن الجمعة": [اختلف المذهب فيه على الجملة. قال ابن حبيب: قد جاء أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أرْخص في التخلف عن الجمعة لمَن شهد صلاة الفطر والأضحى صبيحة ذلك اليوم من أهل القرى الخارجة عن المدينة؛ لما في رجوعهم من المشقة على ما بهم من شغل العيد، وقد فعله عثمان بإذنه لأهل العوالي ألَّا يرجعوا إليها، وروى مطرف وابن الماجشون نحوه عن مالك.. وهذا الذي حكاه ابن حبيب من الاختلاف إنما هو فيمن كان خارجًا عن المدينة.. وروى ابن الماجشون ومطرف عن عبد الملك أن الجمعة تسقط عنهم، وروى هذا ابن وهب أيضًا عن مالك. قال ابن شعبان: وفيه حديث مرفوع وقال به جماعة من أهل العلم] اهـ.
وقال الإمام النووي في "روضة الطالبين" (2/ 79، ط. المكتب الإسلامي): [إذا وافق يوم العيد يوم جمعة، وحضر أهل القرى الذين يبلغهم النداء لصلاة العيد، وعلموا أنهم لو انصرفوا لفاتتهم الجمعة، فلهم أن ينصرفوا، ويتركوا الجمعة في هذا اليوم على الصحيح المنصوص في القديم والجديد. وعلى الشاذ: عليهم الصبر للجمعة] اهـ.
3-ابمذهب الثالث: يسقط حضور الجمعة عمَّن صلَّى العيد، بشرط أن تُصَلَّى ظهرًا، وهو مذهب الحنابلة.
قال المجد ابن تيمية في "المحرر في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل" (1/ 159): [إذا اجتمع عيدٌ وجمعةٌ سقطت الجمعة عمن حضر العيد إلا الإمام. وعنه: تسقط عنه أيضًا، وحضورها أولى، وكذلك يسقط العيد بالجمعة إذا قدمت عليه] اهـ.
وقال الإمام البهوتي الحنبلي في "كشاف القناع" (2/ 43، ط. دار الكتب العلمية): [(وإذا وقع عيد يوم جمعة فصلوا العيد والظهر جاز) ذلك (وسقطت الجمعة عمن حضر العيد) مع الإمام.. وحينئذٍ: فتسقط الجمعة (إسقاط حضورٍ، لا) إسقاط (وجوب) فيكون حكمه (كمريضٍ ونحوه) ممن له عذرٌ أو شغلٌ يُبيح ترك الجمعة] اهـ.
4-المذهب الرابع: تسقط الظهر والجمعة معًا، وهو قول عطاء، وهو محمولٌ على تداخل الصلاتين معًا بناء على جواز تقديم وقت الجمعة.
قال القفال الشاشي في "حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء" (2/ 226، ط. مؤسسة الرسالة): [قال عطاء: يسقط الظهر والجمعة جميعًا في هذا اليوم بفعل صلاة العيد] اهـ.
وقال الإمام النووي في "المجموع" (4/ 492): [قال عطاء بن أبي رباح: إذا صلوا العيد لم تجب بعده في هذا اليوم صلاة الجمعة ولا الظهر ولا غيرهما إلا العصر لا على أهل القرى ولا أهل البلد] اهـ.
ودليله ما رواه أبو داود في "السنن" عنه أنه قال: "صلى بنا ابن الزبير رضي الله عنهما في يوم عيدٍ في يوم جمعةٍ أول النهار ثم رحنا إلى الجمعة فلم يخرج إلينا فصَلَّينا وُحْدَانًا، وكان ابن عباس رضي الله عنهما بالطائف فلما قدم ذكرنا ذلك له فقال: "أصاب السنة".
هذا لا يصلح دليلًا لتطرق الاحتمال إليه، وما تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال، فإنه لا يدل على أنه لم يصلِّ الظهر في منزله، بل في قول عطاء أنهم صلوا وحدانا -أي الظهر- ما يُشعر بأنه لا قائل بسقوط الظهر حينئذٍ.
و هذا لا يصلح دليلًا لتطرق الاحتمال إليه، وما تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال، فإنه لا يدل على أنه لم يصلِّ الظهر في منزله، بل في قول عطاء أنهم صلوا وحدانا -أي الظهر- ما يُشعر بأنه لا قائل بسقوط الظهر حينئذٍ.
وقد ناقش الصنعاني هذا القول؛ فقال في "سبل السلام" (1/ 409، ط. دار الحديث): [(قلت): ولا يخفى أن عطاء أخبر أنه لم يخرج ابن الزبير لصلاة الجمعة، وليس ذلك بنص قاطع أنه لم يُصلِّ الظهر في منزله، فالجزم بأن مذهب ابن الزبير سقوط صلاة الظهر في يوم الجمعة يكون عيدًا على مَن صلى صلاة العيد لهذه الرواية غير صحيح؛ لاحتمال أنه صلى الظهر في منزله؛ بل في قول عطاء إنهم صلوا وحدانا -أي: الظهر- ما يُشعر بأنه لا قائل بسقوطه، ولا يقال: إن مراده صلوا الجمعة وحدانا فإنها لا تصح إلا جماعة إجماعًا، ثم القول بأن الأصل في يوم الجمعة صلاة الجمعة والظهر بدل عنها قول مرجوح، بل الظهر هو الفرض الأصلي المفروض ليلة الإسراء، والجمعة متأخر فرضها، ثم إذا فاتت وجب الظهر إجماعًا فهي البدل عنه] اهـ.
و أصل الخلاف في حكم صلاة الجمعة إذا اجتمعت مع العيد؛ الاختلاف في تصحيح الأحاديث والآثار الواردة في ذلك من جهة، وفيما تدل عليه من جهة أخرى.
فمن ذلك: ما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم عن إياس بن أبي رملة الشامي قال: شهدت معاوية بن أبي سفيان وهو يسأل زيد بن أرقم رضي الله عنهم: أشهدتَ مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عيدين اجتمعا في يوم؟ قال: نعم، قال: كيف صنع؟ قال: صلى العيد ثم رخَّص في الجمعة فقال: «من شاء أن يصلي فليصلِّ».
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «قد اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنَّا مجمِّعون» رواه أبو داود وابن ماجه في "السنن" والحاكم في "المستدرك".
فمن العلماء مَن ذهب إلى أن أداء صلاة العيد لا يُرخِّص في سقوط الجمعة؛ مستدلين بأن دليل وجوب الجمعة عام لكل أيامها، وأن كلًّا منهما شعيرة قائمة بنفسها لا تجزئ عن الأخرى، وأن ما ورد في ذلك من الأحاديث والآثار لا يقوى على تخصيصها لما في أسانيدها من مقال؛ وهذا مذهب الجمهور كما سبق.
كما أن هذه الآثار محمولة على وجهين كما ورد في كلام الإمام ابن عبد البر في "التمهيد" (10/ 271، ط. أوقاف المغرب): [أمَّا الآثار المرفوعة في ذلك فليس فيها بيان سقوط الجمعة والظهر ولكن فيها الرخصة في التخلف عن شهود الجمعة، وهذا محمول عند أهل العلم على وجهين:
أحدهما: أن تسقط الجمعة عن أهل المصر وغيرهم ويصلون ظهرًا، والآخر: أن الرخصة إنما وردت في ذلك لأهل البادية ومَن لا تجب عليه الجمعة] اهـ.
هذا، مع الأخذ في الاعتبار أن مجيء الناس من الأماكن البعيدة لحضور الجمع والأعياد في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنما كان لحاجة الاجتماع مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ وذلك "لأن أصحابه كانوا يرون سماع خطبته، وشهود جمعته، وإن بعدت منازلهم، لأنه المبلغ عن الله تعالى، وشارع الأحكام، ولما دعت الحاجة إلى ذلك في الأمصار صليت في أماكن، ولم ينكر، فصار إجماعًا؛ كما قال الإمام ابن قدامة في "المغني" (2/ 248).
كما أنَّ صلاة الجمعة كانت تُصلى في مسجدٍ واحدٍ دون تعدد؛ بحيث يجتمع فيها أهل البلد وما قرب منها على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والخلفاء الراشدين من بعده:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر في "الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف" (4/ 116، ط. دار طيبة): [الناس لم يختلفوا أن الجمعة لم تكن تصلى في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي عهد الخلفاء الراشدين إلا في مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويعطل سائر المساجد، وفي تعطيلِ الناسِ الصلاةَ في مساجدهم يومَ الجمعة لصلاة الجمعة واجتماعِهم في مسجدٍ واحدٍ: أبينُ البيانِ بأن الجمعةَ خلافُ سائر الصلوات، وأن الجمعة لا تُصلَّى إلَّا في مكانٍ واحد].
و الأمر في ذلك سهل إن شاء الله ومُدرك ذلك مبنيٌ على القواعد الثلاثة المشتهرة لإدارة الخلاف الفقهي المعتبر التي قرَّرها العلماء، من أنه:
- "لا إنكار في مسائل الخلاف"؛ كما في "الأشباه والنظائر" للإمام السيوطي (ص: 158، ط. دار الكتب العلمية)، وأن: "من ابتلي بشيء من المختلف فيه فليُقلد من أجاز"؛ كما في "حاشية الشرواني على تحفة المحتاج" في فروع الشافعية (1/ 119، ط. المكتبة التجارية).
-وأن: "الخروج من الخلاف مستحب على كل حال"؛ كما في "قواعد الأحكام في مصالح الأنام" للإمام العز بن عبد السلام (1/ 253، ط. مكتبة الكليات الأزهرية).
إلا أن القلب يميل إلى رأي الجمهور ،لا لكثرتهم فالحق لا يعرف بكثرة القائلين ،و لكن لقوة حجتهم ،فالعيد نفل،و الجمعة فرض،فكيف يسقط الفرض ،لذلك أنكر ابن عبد البر أشد الإنكار على من أسقط الجمعة بالعيد.
قال الإمام ابن عبد البر في "التمهيد" (10/ 270) تعليقًا على قول مَن أسقط صلاة الجمعة بالعيد مطلقًا: [الأصول كلها تشهد بفساد هذا القول؛ لأن الفرضين إذا اجتمعا في فرض واحد لم يسقط أحدهما بالآخر، فكيف أن يُسْقَط فرضٌ لسُّنَّة حضرت في يومه! هذا ما لا يشك في فساده ذو فهم، وإن كان صلى مع صلاة الفطر ركعتين للجمعة فقد صلى الجمعة في غير وقتها عند أكثر الناس إلَّا أن هذا موضع قد اختلف فيه السلف؛ فذهب قوم إلى أن وقت الجمعة صدر النهار وأنها صلاة عيد.. وذهب الجمهور إلى أنَّ وقت الجمعة وقت الظهر، وعلى هذا فقهاء الأمصار] اهـ.
وقال العلامة ابن رشد في "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" (1/ 230، ط. دار الحديث): [إسقاط فرض الظهر والجمعة التي هي بدله لمكان صلاة العيد فخارج عن الأصول جدًّا] اهـ.
