رجوع إلى الفتاوى اختيار الزوجين والخطبة والولاية والعقد

وصف الزوج نفسه بالعلماني وأثر ذلك في الزواج

فتوى٤٥٣١زيارة٠مشاركة
السؤال

قال زوج إنه علماني، ولم تسمع زوجته منه إنكارًا للدين لكنه يترك الصلاة وتذكر عنه أضرارًا مالية وأسرية. فهل يبطل الزواج بمجرد هذا الوصف، وكيف تعالج القضية؟

خلاصة الجواب

لا تتسرعي بالحكم: عشر سنوات من الزواج تعني وجود عشرة وربما أبناء. لا تهدمي بيتكِ بناءً على مصطلح قد لا يفهم الزوج أبعاده العقدية الحقيقية. فالكثير من الناس يستخدمون كلمة "علماني" أو "ليبرالي" للتعبير عن رفضهم لبعض الأحزاب السياسية أو التشدد، وليس لرفضهم للإسلام نفسه. يحتاج إلى الحوار الهادئ والاستفسار:

الجواب المفصَّل

هذه المسألة من المسائل الدقيقة التي تتطلب حذراً شديداً؛ لأنها تتعلق بعقد زواج قائم منذ 10 سنوات، وتتعلق أيضاً بمسألة الحكم على عقيدة الشخص.

بناءً على آراء الفقهاء ومنهم الحنفية وقانون الأحوال الشخصية العراقي،

أولاً: الحكم الشرعي (في الفقه الإسلامي والمذهب الحنفي)

الحكم بفسخ الزواج يعتمد بشكل كلي على المعنى الذي يقصده الزوج بكلمة "علماني"، فمصطلح العلمانية فضفاض ويُطلق على معنيين مختلفين:

العلمانية الجزئية (السياسية): وهي أن يرى الشخص فصل الدين عن سياسة الدولة، لكنه في نفسه يؤمن بالله ورسوله، ولا ينكر القرآن، ويقر بأركان الإسلام.

إذا كان هذا هو قصده، فهو لا يزال مسلماً، وزواجكما صحيح شرعاً ولا يبطل أبداً.

وقد يُعتبر في نظر الشرع صاحب فكر خاطئ أو عاصٍ، لكنه لا يُكفّر بذلك.

العلمانية الشاملة (الإلحادية): وهي أن ينكر الشخص وجود الله، أو يسب الأنبياء، أو ينكر صراحةً أحكاماً قطعية في الدين (كإنكار وجوب الصلاة أو تحريم الخمر بالكلية) ويرفض الإسلام كدين.

فإذا كان هذا هو حاله، فهذا يُعد "ردّة" (خروجاً عن الإسلام).

المذهب الحنفي -الذي تم العقد عليه- من أشد المذاهب احتياطاً في مسألة التكفير. فالقاعدة الفقهية تقول: "اليقين لا يزول بالشك"، وقاعدة المذهب الحنفي تنص على أنه: "إذا كان في المسألة تسعة وتسعون وجهاً توجب الكفر، ووجهٌ واحد يمنعه، وجب على المفتي أن يميل إلى الوجه الذي يمنع الكفر إحساناً للظن بالمسلم".

لذلك، مجرد قوله "أنا علماني" لا يبطل الزواج شرعاً ما لم يصرّح بإنكار صريح لما هو معلوم من الدين بالضرورة.

ثانياً: الموقف في القانون العراقي والمحاكم

في قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959 وتعديلاته، وكذلك في التطبيقات القضائية لمحاكم الأحوال الشخصية العراقية [2.1.6، 2.1.10]:

المحكمة لا تبطل الزواج بناءً على مسميات فكرية: المحاكم العراقية لا تعتد بكلمة "علماني" كسبب لفسخ العقد. بالنسبة للقاضي، الزوج مسلم بناءً على هويته وعقد الزواج، ولا يُحكم بردته أو خروجه عن الدين إلا بإقرار رسمي وصريح منه بترك الإسلام، أو بأدلة قاطعة لا تقبل التأويل.

التفريق القضائي: إذا كان فكر الزوج يترتب عليه سلوكيات تضر بالزوجة (مثلاً يمنعها من الصلاة، أو يجبرها على محرمات، أو يسيء معاملتها بسبب تدينها)، فهنا القانون العراقي يمنح الزوجة حق رفع "دعوى تفريق للضرر أو الشقاق والخلاف" (وفق المادتين 40 و41 من القانون) [2.1.7، 2.1.10]، وحينها يتم التفريق كـ (طلاق بائن) يحفظ للزوجة حقوقها المالية، وليس كـ (فسخ عقد بسبب الردة).

ثالثاً: هنا لا بد من بيان طرق النصيحة والحل (كيف تتصرفين؟)

رضي الله عنكِ وأعانكِ، أنصحكِ بالخطوات التالية:

لا تتسرعي بالحكم: عشر سنوات من الزواج تعني وجود عشرة وربما أبناء. لا تهدمي بيتكِ بناءً على مصطلح قد لا يفهم الزوج أبعاده العقدية الحقيقية.

فالكثير من الناس يستخدمون كلمة "علماني" أو "ليبرالي" للتعبير عن رفضهم لبعض الأحزاب السياسية أو التشدد، وليس لرفضهم للإسلام نفسه.

يحتاج إلى الحوار الهادئ والاستفسار: فاسأليه بهدوء وود: "ماذا تقصد بأنك علماني؟ هل تؤمن بالله ورسوله؟ هل تحترم الدين الإسلامي؟" إجابته على هذه الأسئلة هي التي تحدد الحكم، وليست الكلمة نفسها.

مع عدم التوقف عن الحياة الزوجية: فطالما أنه لم يصرّح بالكفر البواح (الواضح الصريح)، فحياتكِ معه حلال وزواجكما مستمر ومصان شرعاً وقانوناً.

إذا سمعتِ منه كلاماً خطيراً يمس العقيدة مباشرة (كسبّ الله أو رسوله والعياذ بالله، أو إنكار الدين تماماً)، فلا تحكمي بنفسكِ، بل خذي كلامه كما قاله بالضبط، واستفتي.

حاولي أن تحتويه، وأن تكوني قدوة حسنة في أخلاق المسلمة، فكثيراً ما تتغير أفكار الرجال وتلين قلوبهم بحسن عِشرة زوجاتهم وحكمتهن.

ما دمتِ لم تسمعي منه إنكاراً للدين أو سبّاً، فإن قوله "أنا علماني وعائلتي علمانية إلا أمي كانت تصلي" يؤكد ما أشرنا إليه سابقاً؛ وهو أنه يستخدم مصطلح "العلمانية" بمعنى ترك التدين والالتزام بالعبادات (كالصلاة)، وليس بمعنى الردة أو الإلحاد.

ترك الصلاة: في مذهب أبي حنيفة (وعليه الفتوى في هذه القضايا)، تارك الصلاة تكاسلاً وتهاوناً يُعدّ عاصياً وفاسقاً ومرتكباً لكبيرة من الكبائر، ولكنه لا يخرج من ملة الإسلام، وبالتالي فإن عقد الزواج لا يزال قائماً ولا يبطل تلقائياً.

عقوق الوالدين وأكل أموال الناس بالباطل: طرده لأبيه، وأخذه لأموال الناس بالحيلة، والكذب المستمر، هي كبائر عظيمة في ميزان الشرع، وتدل على فساد كبير في دينه وأخلاقه، وتجعل الحياة معه محفوفة بالضرر الديني والنفسي والاجتماعي عليكِ.

وخطوتكم (كسب دعوى النفقة) هو امر شرعي

وبالتالي أنتِ غير ملومة شرعاً على رغبتكِ في الانفصال اذا تعثرت حلول الإصلاح ؛ فالإسلام شرع الزواج للسكن والمودة، ولا يُطلب من المرأة أن تفني عمرها مع زوج يجمع بين ترك الصلاة، وعقوق الوالدين، وأكل الحرام، والكذب. البقاء في بيئة يُطرد فيها الأب وتُكسب فيها الأموال بالحرام قد يؤثر عليكِ وعلى دينكِ وسمعتكِ.

شارك الفتوى

فتاوى ذات صلة

الباب اختيار الزوجين والخطبة والولاية والعقد
المفتي أ.د. محمّد طه حمدون السامرّائيّ
Scroll to Top