التصوير الفوتوغرافي وحفظ الصور وتعليقها
ما حكم التصوير الفوتوغرافي والاحتفاظ بالصور وتعليقها؟
حكم الصور الفوتوغرافية ما يحل منها وما يحرم وهل يجوز الاحتفاظ بالصور الورقية أو في الموبايل للذكرى؟
ليس للتصوير الفوتوغرافي حكم فقهي واحد، وإنما يختلف باختلاف نوع الصورة، فمنها ما هو جائز ومنها ما هو ممنوع. ويمكن تقسيم الصور الفوتوغرافية إلى أنواع:
النوع الأول: الجائز، وهو التصوير الفوتوغرافي الذي يعمل لضرورة أو حاجة معتبرة كالصورة التي توضع في الجواز ورخص السياقة وتصوير الجريمة وما أشبه ذلك، فلا يُعلم من خالف في جوازه من المعاصرين، وذلك لسببين:
الأول: أأن الحاجة تدعو إليها، فلا يمكن استصدار كثير من الأوراق الثبوتية بدون الصورة الشخصية.
والثاني: لأن الصورة في البطاقة أو الجواز ونحوه من الأوراق الرسمية صورة غير كاملة، أي صورة رأس فقط، والصورة إذا قطع منها ما لا تبقى معه الحياة، لم تكن صورة محرمة عند أكثر الفقهاء، قال ابن قدامة رحمه الله في كتابه المغني: "وإن قطع منه ما لا يبقي الحيوان بعد ذهابه، كصدره أو بطنه، أو جعل له رأس منفصل عن بدنه، لم يدخل تحت النهي، لأن الصورة لا تبقي بعد ذهابه، فهو كقطع الرأس….وكذلك إذا كان في ابتداء التصوير صورة بدن بلا رأس، أو رأس بلا بدن، أو جعل له رأس وسائر بدنه صورة غير حيوان، لم يدخل في النهي؛ لأن ذلك ليس بصورة حيوان".
النوع الثاني من الصور: المحرمة: وهو التصوير الذي يحصل به الحرام أو يفضي إلى الحرام كتصوير الفساق والعرايا وترويج الفواحش وما يؤدي للغلو وما أشبه ذلك فلا يُعلم أحد خالف في تحريمه، لأن فيه نشراً للرذيلة وإعانة على الحرام، والله تعالى قال: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: "مَن دعا إلى هُدًى كان له مِن الأجرِ مِثْلُ أجورِ مَن تبِعهُ لا ينقُصُ ذلك مِن أجورِهم شيئًا، ومَن دعا إلى ضلالةٍ كان عليه مِن الإثمِ مِثْلُ آثامِ مَن تبِعهُ لا ينقُصُ ذلك مِن آثامِهم شيئًا".
وأما النوع الثالث فهو الصور التذكارية مما لا تدعو له ضرورة ولا حاجة، كتصوير الطالب زملاءه وتصوير المسافر بعض أفراد عائلته وتصوير المرأة أولادها ونحو ذلك، فقد اختلف المعاصرون في إباحته وتحريمه.
فذهب لتحريمه عدد من المعاصرين، كالشيخ ابن عثيمين واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة الشيخ ابن باز، والشيخ الألباني وتابعهم كثير من المحققين، ومن الحجج الدالة على هذا القول أن التصوير الفوتوغرافي تشمله أدلة التحريم العامة، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة"، رواه البخاري ومسلم. ولفظ الصورة عام يشمل التمثال والصورة الورقية أو الملتقطة بالتلفون. وحديث عائشة رضي الله عنها أنها نصبت ستراً فيه تصاوير فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزعه"، رواه البخاري ومسلم. ومنها أنه قد يؤدي إلى الغلو والتعظيم كما حصل لقوم نوح، فقد ذكر ابن عباس أن وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن أنصبوا إلى مجالسهم التي يجلسون إليها أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت. رواه البخاري، وفيه إضاعة المال ومنع دخول الملائكة.
وخالف كثير من العلماء المعاصرين فرأوا إباحته وأنه لا يلحق بالتصوير المحرم، منهم دار الإفتاء المصرية، وجمع من المعاصرين؛ لأنَّها ليست محاكاة ومضاهاة لخلق الله تعالى من ذي الرُّوح، وما هي إلا حبس للظل فقط، وأدلة التحريم تتناول المجسمات لذوات الأرواح التي لها ظل، والمصنوعة من أي مادة كالحجر أو الخشب أو الطين ونحوه، أما الصور الفوتوغرافية فغاية أمرها أنها حبس للظل فقط، ويتم التقاطها بضغطة زر، بخلاف صنع المجسم الذي يحتاج وقتاً ومالاً، وإذا كان ذلك كذلك فإنه يجوز استعمالها، ويجوز الاحتفاظ بها، سواء في ذاكرة الموبايل أو بألبوم صور، وهذه الصور لا تمنع من دخول الملائكة؛ لأن المقصود بالصور التي تمنع دخول الملائكة هي التماثيل التي تُتَّخَذ للمضاهاة أو العبادة والتعظيم، يقول العلامة بخيت المطيعي في "الجواب الشافي": "إن أخذ الصور بالآلة المذكورة على ما قد علمناه من الثقات في ذلك، أنه عبارة عن حبس الظل بطريقة مخصوصة معلومة لأربابها، ومن المعلوم في كيفية حدوث الظل أن كل جسم كثيف إذا قابل جرمًا منيرًا حدث للجِرْم الكثيف ظلٌّ في الجهة القابلة للجِرْم المنير"، وإنما أُطْلِقَ اسم التصوير على التقاط الأشكال الفوتوغرافية مجازًا؛ تشبيهًا له بالتصوير اللغوي؛ فإن التصوير في أصل الوضع اللغوي هو مصدر "صوَّر"؛ أي: "جعل له صورة مجسَّمة"؛ كما في "المعجم الوسيط"، "والتصاوير: التماثيل"؛ كما في "الصحاح" للجوهري، ولذلك فالتصوير الفوتوغرافي يختلف عن التصوير الذي ورد النهيُ الشرعيُّ عنه؛ إذ إنه يغايره في حقيقته ويباينه في علة تحريمه، فأمَّا كونه مغايرًا له في الحقيقة؛ فالتصوير الفوتوغرافي: انحباس ظل، والتصوير الذي ورد النهي عنه: هو التمثيل أو ما جُعِل على نظير مثال سابق قابل للأبعاد الثلاثة، يقال: مثلت الشيء؛ أي: جعلت له مثالًا أو تمثالًا، قال العلامة ابن منظور في "لسان العرب": "والتِّمْثالُ: الصُّورةُ، والجمع: التَّماثيل، ومَثَّل له الشيءَ: صوَّره حتى كأَنه ينظر إِليه".
والقول الثاني هو الأقرب والله أعلى وأعلم.
تختار المراسلات جواز التصوير والاحتفاظ بالصور الخالية من المحاذير. ويعرض جواب الملتقى خلافًا خاصًا في تعليق الصور على الجدران. لذلك فحفظ الصورة وتعليقها صورتان متمايزتان، ولا ينقل حكم إحداهما إلى الأخرى دون بيان الخلاف والقيود.
اختلف الفقهاء المعاصرون في حكم تعليق الصور الفوتوغرافية لذوات الأرواح على الجدران على قولين مشهورين:
القول الأول (المنع والتحريم أو الكراهة الشديدة):
يرى أصحاب هذا القول أن تعليق الصور الفوتوغرافية لا يجوز؛ قياساً على عموم الأحاديث الواردة في التصوير والنهي عن تعليق الصور، ولما ورد من أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة، فضلاً عن أن التعليق نوع من التعظيم والمضاهاة لخلق الله. وإليه ذهب جمع من العلماء وهيئات الفتوى كاللجنة الدائمة للإفتاء.
القول الثاني (الجواز بشروط) وهو الراجح:
يرى فريق آخر أن التصوير الفوتوغرافي الحديث هو حبس للظل وليس رسماً أو نحتاً مضاهياً لخلق الله، فيجوز تعليق الصور الشخصية والتذكارية على الجدران بشرط:
ألا تشتمل على منكر (كتبرج أو كشف للعورات).
ألا تكون على وجه التعظيم والتقديس المنهي عنه شرعاً.
ألا تُعلّق في قبلة المصلي أو أماكن تشغل عن الصلاة.
وإلى هذا القول ذهبت دور إفتاء معاصرة كدار الإفتاء المصرية وجمع من المحققين.
الخلاصة والترجيح:
الأحوط والأولى بالمسلم خروجاً من الخلاف وحرصاً على دخول الملائكة حفظُ الصور في الألبومات أو الأجهزة الإلكترونية وعدم تعليقها على الجدران، وإن عُلّقت لحاجة أو مجرد ذكرى عائلية منضبطة بالضوابط الشرعية فالأمر فيه سعة عند القائلين بالجواز. والله تعالى أعلم.
النقل المعروض نقل وافٍ ومحرر، وخلاصته المفتى بها:
التصوير الفوتوغرافي الرقمي (الموبايل) والورقي: المعتمد عند جمهور الفقهاء المعاصرين ومجامع الإفتاء أنه جائز؛ لأنه حبسٌ للظل وانعكاسٌ للواقع وليس مضاهاةً لخلق الله كالتماثيل المنحوتة لذوات الأرواح.
الاحتفاظ بالصور للذكرى: جائز ما لم تشتمل على منكر، كصور العورات أو ما يثير الفتنة أو ما يُتخذ للتعظيم والغلو والتقديس.
