رجوع إلى الفتاوى الديون وأثرها في الزكاة

أحكام زكاة الدائن والمدين وأنواع الدين

فتوى٢٥١٣زيارة٠مشاركة
السؤال

ما أحكام زكاة الدائن والمدين، وما تفصيل أنواع الدين؟

خلاصةزكاة الدين:

ينقسم الدين باعتبار الأشخاص إلى قسمين: إما أن يكون الإنسان دائنا: (له دين على غيره)، أو مدينا: (عليه دين لغيره)، ويسمى الغارمَ، ويجمعهما (الغريمُ)، فهو لفظ مشترك بين الدائن والمدين. والكلام هنا على الدائن كيف يزكي دينه؟

تعريف الدين في اللغة:

الدين في اللغة: كل شيء لم يكن حاضرًا، فهو دين، وعكسه العين، ومنه القرض، وثمن المبيع؛ فهما دين في اللغة.

تعريف الدين في الاصطلاح:

الدين في الاصطلاح كل ما ثبت في الذمة من مال بسبب يقتضي ثبوته، فيدخل في ذلك القرض، وثمن المبيع، والصَّدَاق، والغصب، ونحو ذلك.

الفرق بين الدين والقرض:

القرض هو بذل المال لمن يحتاجه من غير فائدة، والأصل فيه أنه بدون أجل، والدين لا بد أن يكون بأجل، والقرض يكون مِن جنسِ ما اقتُرض، والدين على خلافه، فبينهما عموم وخصوص؛ فكل قرض دينا، وليس كل دين قرضا، فالدين هو كل ما وجب في الذمة؛ فهو أعم من القرض.

حكم زكاة الدين عند الفقهاء:

اختلفت أقوال الفقهاء في زكاة الدين: فذهب ابن عمر، وعائشة، وعكرمة مولى ابن عباس رضي الله عنهم : إلى أنه لا زكاة في الدَّين، ووجهه : أنه غير نام، فلم تجب زكاته، كعروض القُنية.

وذهب جمهور العلماء إلى أن الدَّيْن الحالَّ قسمان: دين حال مرجو الأداء، ودين حال غير مرجو الأداء.

أولا: الدّين الحالّ المرجو الأداء:

وهو ما كان على مقرٍّ به، باذلٍ له، فمذهب الحنفية، والحنابلة، وهو قول الثوري : أن زكاته تجب على صاحبه كلَّ عام؛ لأنه مال مملوك له، إلا أنه لا يجب عليه إخراج الزكاة منه ما لم يقبضه، فإذا قبضه زكاه لكل ما مضى من السنين.

ومذهب الشافعي في الأظهر، وحماد، وإسحاق، وأبي عبيد : أنه يجب إخراج زكاة الديْن المرجو الأداء في نهاية كل حول.

ثانيا: الديْن غير المرجو الأداء:

وهو ما كان على معسرٍ، أو جاحد، أو مماطل، فمذهب الحنفية فيه، وهو قول قتادة وإسحاق، وأبي ثور، ورواية عن أحمد، وقول للشافعي : أنه لا زكاة فيه؛ لعدم تمام المِلك.

ومذهب الثوري، وأبي عبيد ورواية عن أحمد، وقول للشافعي هو الأظهر: أنه يزكيه إذا قبضه لما مضى من السنين.

زكاة الدين عند المالكية:

وأما المالكية فيقسمون الدين باعتبار زكاته إلى ثلاثة أقسام:

الأول: دين يزكى كل عام.

الثاني: دين يزكى بعد قبضه لعام واحد.

الثالث: دين يزكى بعد قبضه ومرور الحول عليه.

القسم الأول: دين يزكى كل عام:

أما الدين الذي يزكى كل عام فهو دين التاجر المدير- سواء قبضه أم لم يقبضه، فيقومه ويزكيه مع سلعه، وما نض له من ماله - ويكون ذلك في حالتين:

الأولى: إذا كان أصله عرض تجارة باعه بنقد إلى أجل سواء كان حالا أو مؤجلا، بشرط أن يكون مرجوا غير ميؤوس منه.

الثانية: إذا كان أصل الدين عينا اشترى به عروض تجارة إلى أجل.

قال الشيخ الدردير في الشرح الصغير مشيرا إلى زكاة المدير:

( وإلا زكى عينه ودينه النقد الحال المرجو وإلا قومه كل عام ).

القسم الثاني: دين يزكى بعد قبضه لعام واحد ولو بقي عند المدين أعواما:

وهو أربعة أنواع:

النوع الأول: دين القرض الحسن.

النوع الثاني: كل دين ناتج عن غصب أو سرقة أو حرابة.

النوع الثالث: دين المحتكر.

النوع الرابع: دين المدير الميؤوس منه.

ففي هذه الحالات يزكى المالك دينه الذي له على المدين بعد قبضه لسنة فقط، ولو أقام عند المدين أعواما، ويعتبر الحول من يوم ملك أصله أو من يوم تزكيته، إن كان زكاه، لا من يوم قبضه، ومحل تزكيته لسنة فقط إذا لم يؤخره فرارا من الزكاة، فإن أخره فرارا زكاه لكل عام مضى.

ولزكاة هذا القسم من الدين لسنة واحدة أربعة شروط:

الشرط الأول: إن كان أصل الدين عينا بيده فأقرضه، فإن كان أصله عطية أو صداقا، أو أرشا، أو خلعا، أو نحو ذلك فلا زكاة فيه إلا بعد حول من قبضه.

أو كان أصله عرض تجارة باعه محتكر بدين.

الشرط الثاني: أن يقبض الدين، فلا زكاة قبل قبضه، إن كان أصله قرضا لمدير أو لمحتكر أو لغيرهما، أو كان ثمن عروض تجارة لمحتكر.

الشرط الثالث: أن يقبض الدين عينا، أي: نقدا، ذهبا أو فضة، لا إن قبضه عرضا حتى يبيعه، ولا فرق أن يكون القبض حسيا أوحكميا . والقبض الحكمي يكون بالهبة أو الإحالة.

مثال القبض الحكمي في الهبة:

أن يكون لدائن دين على مدينه، فيهب الدائنُ ذلك الدينَ لغير مدينه، فإذا قبض الموهوب له ذلك الدين، فإن الواهب يزكيه لسنة واحدة بمجرد قبض الموهوب له، فكأن رب الدين قبض دينه حين قبضه الموهوب له.

ويزكيه الواهب من مال غيره، إلا إذا اشترط الواهب على الموهوب له أن يخرج زكاة ذلك الدين الموهوب منه.

مثال القبض الحكمي في الإحالة:

أن يكون لواحد (وهو المحال) دين على ثان، والثاني (وهو المحيل) له دين على ثالث (وهو المحال عليه)، فيحيل الثاني الأولَ على الثالث ليقبض منه.

كأن يكون لزيد دين على عمرو، ولعمرو دين على خالد، فيحيل عمرو زيدا على خالد. ويبرأ عمرو مما عليه لزيد.

وهذا الدين يزكيه المحيل من غيره وجوبا بمجرد حصول الحوالة الشرعية، أي: بمجرد قبولها، ولو لم يقبضه المحال.

وأما المحال فيزكي الدين إن قبضه، وتكون تزكيته منه.

الشرط الرابع: أن يقبض نصابا كاملا، سواء قبضه في مرة أو في مرات، كأن يقبض عشرين دينارا جملة، أو عشرة ثم عشرة فيزكيهما عند قبض الثانية، ولو تلف بعضه قبل كماله، كما إذا قبض من دينه عشرة فتلفت منه بإنفاق أو ضياع، ثم إنه قبض منه أيضا عشرة، فإنه يزكي عن العشرين عند قبض الثانية، ولا يضر تلف العشرة الأولى؛ لأن العشرين جمعها ملك وحول.

كما يزكيه لو قبض بعض نصاب وعنده ما يكمل النصاب، سواء كانت فائدة أو غيرها؛ كمن ملك عشرة دنانير شرعية حال عليها الحول، واقتضى عشرة من دينه الذي حال عليه الحول، ولو كان بعض الحول عنده، وبعضه عند المدين.

قال الشيخ الدردير في الشرح الصغير مشيرا للشروط الأربعة:

( يزكى الدين لسنة من يوم ملك أصله أو زكاه،: إن كان عينا من قرض أو عروض تجارة، وقُبض، عينا ولو موهوبا له أو أحال: وكمُل نصابا، وإن بفائدة تم حولها، أو كمل بمعدن، وحول المتَم من التمام).

صور زكاة الدين عموما:

أولا: رجل أقرض غيره مالا لم يبلغ النصاب، فإذا قبض دينه لا يزكيه لعدم بلوغ النصاب.

ثانيا: رجل أقرض غيره مالا بلغ نصابا ولم يحل عليه الحول، فإذا قبض دينه لا يزكيه لعدم حولان الحول.

ثالثا: رجل أقرض غيره مالا بلغ نصابا، وحال عليه الحول، فإذا قبض دينه وجبت زكاته كما يلي:

أولا: إذا اقتضاه كله زكاه لسنة واحدة بمجرد قبضه.

ثانيا: إذا اقتضى بعضه، وكان أقل من نصاب فلا يزكيه، لكن يحفظ ما قبض، ويضمه إلى الأقساط التي سيقبضها، وإذا كان عنده ما يكمل به النصاب زكاه، ولا ينتظر ما بقي له من اقتضاءات.

ثالثا: إذا اقتضى ما دون النصاب ثم اقتضى ما تم به النصاب، فإن الحول الجديد يكون من وقت التمام، ثم يصبح كل اقتضاء بعد ذلك على حوله، أي: على حول وقت اقتضاء تمام النصاب.

مثاله: من اقتضى عشرة في محرم، ثم اقتضى عشرة في رجب تم بها النصاب، وزكى وقت قبض الثانية، فالحول في المستقبل يكون من وقت قبض الثانية.

قال الشيخ الدردير: (وحول المتَم من التمام).

رابعا: إذا اقتضى نصابا فزكاه في المحرم مثلا، كعشرين دينار، ثم نقص الدين المقبوض عن النصاب، بإنفاق أو غيره، ثم قبض ما يكمل النصاب في رجب مثلا، وزكاه فيه، فلا يكون حوله من وقت التمام، بل يزكي كلا على حوله مادام النصاب فيهما، أي: فلو نقصتا عنه بقي الأول على حوله وزكاه، إن بقي من الدين على المدين ما يكمل النصاب، وقبض منه ما يكمله، وأما إذا لم يقبض منه ذلك فلا زكاة.

قال الشيخ خليل: ( وحول المتَم من التمام، لا إن نقص بعد الوجوب).

خامسا: إذا اقتضى نصابا في مرة أو مرات، سواء بقي أو تلف بإنفاق أو غيره، فإن الدائن إذا بقي له شيء من الدين على المدين، فإنه يزكيه إذا قبضه، ولو كان قليلا؛ ويبقى كل اقتضاء على حوله.

قال الشيخ الدردير: (ثم) بعد قبض النصاب في مرة أو مرات بقي أو تلف، (زكى المقبوضَ) بعدُ (ولو قل)؛ ولو دون درهم حال قبضه، ويبقى كل اقتضاء على حوله).

وهذا إذا علمت الأحوال، أي: الأعوام، فإن التبست فإنه يضم ما جُهل وقته للمتقدم عليه المعلوم وقتُه، سواء علم قدر ما اقتضى في كل واحد من الاقتضاءات أم لا، فيكفي العلم بمجموعها.

قال الشيخ خليل: (وضُم لاختلاط أحواله آخِرٌ لأولَ عكس الفوائد).

القسم الثالث : ما لا زكاة فيه حتى يقبضه و يحول حوله، مما تجب الزكاة فيه:

وهذا القسم تحته أنواع:

النوع الأول: كل دين ملك بغير عوض أصلا، كالإرث والهبة والوصية والوقف، وغير ذلك من التبرعات. فمن ورث دينا من ميت، فإنه لا زكاة في هذا الدين حتى يقبضه ويمر عيه الحول، ولو أخر قبضه فرارا من الزكاة.

النوع الثاني: كل دين ملك بعوض غير مالي: ويدخل في ذلك صداق الزوجات الذي يكون في ذمة الأزواج، وثمن الخلع، ودية قتل الخطأ أو قتل العمد إذا صولح عليه، وأروش الجنايات على الأطراف عمدا أو خطأ.

ويدخل فيه في وقتنا الحاضر تعويضاتُ حوادث السير والشغل وغيرها.

النوع الثالث: كل دين أصله جُعْل في الجَعالة، أو أجرة في الإجارة؛ إذا تأخر تسليمه للعامل حتى مضى حول أو أحوال على إنجاز العمل.

ويدخل فيه في وقتنا الحاضر مدخراتُ الموظفين، والزيادة في الأجور عند الترقية، وأجور المهنيين المستحقة على الدولة.

النوع الرابع: كل دين أصله كراء، وتأخر قبضه حتى مضى عليه أعوام: ويدخل فيه أنواع، مثل: كراء السلع المشتراة للقنية، والسلع المشتراة للكراء، والسلع المكتراة للقنية، وكراء السلع التجارية، كمن اشترى عقارا للتجارة ثم أكراه في انتظار وجود من يشتريه.

النوع الخامس: كل دين أصله ثمن عرضٍ مُلك بعوض غير مالي إذا باعه مالكه بدين أو نقد تأخر قبضه: ومن هذا القبيل الصداق والخلع وأرش الجناية على الأطراف.

مثل: أن يدفع رجل عقارا لزوجته صداقا لها ثم تبيعه بالأجل، أو أخر المشتري تسليم الثمن حتى مرت سنوات.

النوع السادس: كل دين أصله ثمن عرض اشتراه المشتري للقنية: فإذا باعه بدين أو نقد تأخر قبضه، فلا زكاة عليه حتى يقبضه، ويحول عليه الحول، كمن اشترى سيارة لنفسه ثم باعها بثمن مؤجل سنتين مثلا.

ضابط الدين الذي لا زكاة فيه حتى يُقبض ويحول عليه الحول: هو كل دين كان فائدة؛ فهو داخل في حكم الفائدة، لا فرق بينهما، وإنما جعل قسما ثالثا في مقابل الدين الذي يزكى كل عام، والذي يزكى بعد قبضه وحوله.

المراجع:

الشرح الصغير والكبير للشيخ الدردير مع حاشية الصاوي والدسوقي

الفقه المالكي وأدلته للشيخ لحبيب بن طاهر

نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج لشمس الدين الرملي

الموسوعة الفقهية الكويتية

العين للخليل

المصباح المنير للفيومي

خلاصة الجواب

أقر المجيب الخلاصة المعروضة في زكاة الديون، وهي تفرق بين حال الدائن والمدين وأنواع الدين وإمكان قبضه، وتعرض التفصيل المالكي في دين التاجر وغيره. أُدرج النص الكامل مع الإقرار ليكون الجواب مفهومًا، لا مجرد عبارة ثناء منفصلة عن محلها.

الجواب المفصَّل

بخصوص المرفق الذي أرسله لك أحد الإخوة حول "زكاة الدين"، فهو كلام صحيح جداً، ومحرر تحريراً فقهياً دقيقاً.

الرسالة لخصت آراء المذاهب (الجمهور) بشكل سليم.

الرسالة أبدعت في تفصيل مذهب السادة المالكية وتقسيماتهم العميقة للدين (دين التاجر المدير، القرض الحسن، دين المحتكر، الإرث والوصية، الديون الناتجة عن تعويضات أو مهر…. إلخ).

يمكنك الاعتماد على هذه الخلاصة تماماً في الفتوى أو في الدروس العلمية، فهي كافية ووافية وموثقة من كتب الفقه المعتمدة (كالشرح الصغير للدردير ونهاية المحتاج).

شارك الفتوى

فتاوى ذات صلة

الباب الديون وأثرها في الزكاة
المفتي أ.د. محمّد طه حمدون السامرّائيّ
Scroll to Top