الصلاة في الطائرة وكيفيتها
ما حكم الصلاة في الطائرة وكيف تؤدى عند القدرة على القيام والقبلة، وعند العجز، مع بيان تفصيل المذاهب؟
سابعًا: الخلاصة العملية للمسافر من كان في الطائرة يتبع الترتيب الآتي: ١. ينظر هل يمكن أداء الصلاة قبل الإقلاع أو بعد الهبوط داخل وقتها. ٢. إن كانت مما يجوز جمعه، فله عند الجمهور أن يجمعها بما يناسب الرحلة، مع مراعاة شروط الجمع. ٣. إن خشي خروج الوقت، وجب أن يصلي في الطائرة. ٤. يسأل عن القبلة وعن وجود مكان آمن للصلاة. ٥.
فإن الصلاة في الطائرة من النوازل المعاصرة التي تُخرَّج أحكامها على ما قرره الفقهاء في الصلاة في السفينة، وعلى الراحلة، وفي أحكام العاجز عن القيام أو الركوع أو السجود أو استقبال القبلة.
والأقرب أن الطائرة لا تأخذ حكمًا واحدًا في جميع أحوالها؛ فإن تمكن المصلي من الوقوف على أرضها والركوع والسجود فهي أشبه بالسفينة، أما إن مُنع من مغادرة مقعده وعجز عن القيام والاستقبال فهي أشبه بالراحلة في حال العذر.
أولًا: المحافظة على وقت الصلاة
الأصل وجوب أداء كل صلاة في وقتها، ولا يجوز تعمد تأخيرها حتى يخرج وقتها بسبب السفر بالطائرة.
فإذا كانت الطائرة ستهبط قبل خروج وقت الصلاة بمدة تكفي لأدائها مستوفيةً لشروطها وأركانها، فالأكمل أن ينتظر حتى يصليها على الأرض، بشرط أن يكون واثقًا من الهبوط وعدم حصول تأخير مفاجئ.
وإذا كانت الصلاة مما يجوز جمعه، كالظهر مع العصر، أو المغرب مع العشاء، جاز للمسافر عند جمهور الفقهاء أن يعمل برخصة الجمع تقديمًا أو تأخيرًا، بحسب الأرفق والأقدر على استيفاء الصلاة.
أما الحنفية فلا يجيزون الجمع الحقيقي بسبب السفر، سوى الجمع بعرفة ومزدلفة، وللمسافر عندهم أن يعمل بالجمع الصوري، فيؤخر الأولى إلى آخر وقتها ويصلي الثانية في أول وقتها.
ولا تُجمع صلاة الفجر مع غيرها، ولا العصر مع المغرب، ولا العشاء مع الفجر.
فإذا خشي خروج وقت الفجر بطلوع الشمس، أو خروج وقت صلاة لا يمكن جمعها، وجب أن يصلي في الطائرة على حسب استطاعته، ولا ينتظر الهبوط.
ثانيًا: معرفة وقت الصلاة في الطائرة
العبرة بدخول الوقت في الموضع الذي توجد فيه الطائرة، لا بمجرد توقيت بلد الإقلاع أو بلد الوصول.
فيُعرف المغرب بغروب الشمس التي يراها الراكب، والعشاء بغياب الشفق، والفجر بطلوع الفجر الصادق، ويجتهد في الظهر والعصر بالوسائل المتاحة، كسؤال طاقم الطائرة أو الاعتماد على المعلومات الملاحية الموثوقة.
ومن اجتهد وغلب على ظنه دخول الوقت فصلاته صحيحة، إلا إذا تبين يقينًا أنه صلى قبل دخول الوقت، فعليه الإعادة.
ثالثًا: صلاة النافلة في الطائرة
يجوز للمسافر أن يصلي النافلة في مقعده، إلى جهة سير الطائرة، ويومئ بالركوع والسجود، ويجعل إيماءه بالسجود أخفض من إيمائه بالركوع.
وأصل ذلك ما ثبت من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم النافلة على راحلته حيث توجهت به.
وهذه الرخصة متعلقة بحال السفر وسير وسيلة النقل، وليست رخصة عامة لمن كان جالسًا في طائرة واقفة أو في المطار مع قدرته على استقبال القبلة والصلاة المعتادة.
ويستحب أن يستقبل القبلة عند تكبيرة الإحرام إذا تيسر ذلك من غير مشقة، ثم يتجه إلى جهة سير الطائرة، ولا يجب ذلك عند جماعة من أهل العلم.
وقد اشترط المالكية في المشهور أن يكون السفر مما تقصر فيه الصلاة.
رابعًا: صلاة الفريضة في الطائرة
الحالة الأولى: القدرة على أداء الصلاة كاملة
إذا وجد في الطائرة مكان آمن للصلاة، وتمكن المصلي من:
- استقبال القبلة.
- القيام.
- الركوع.
- السجود على أرض الطائرة.
- الطمأنينة في الأركان.
وجب عليه أن يصلي بهذه الكيفية، وصلاته صحيحة مجزئة، ولا تلزمه الإعادة؛ لأن الصلاة في الطائرة ليست باطلة في ذاتها، كما تصح الصلاة في السفينة الجارية عند استيفاء شروطها وأركانها.
ولا يجوز له أن يصلي في المقعد قاعدًا مع تمكنه الآمن من الصلاة قائمًا؛ لأن القيام ركن في الفريضة للقادر.
الحالة الثانية: القدرة على بعض الأركان دون بعض
يلزم المصلي أن يأتي بكل ما يستطيع، ولا يجوز أن ينتقل مباشرة إلى الصلاة جالسًا بالإيماء مع قدرته على بعض الأركان.
فمن استطاع القيام عند تكبيرة الإحرام والقراءة، ثم عجز عن الركوع والسجود، قام بقدر استطاعته ثم جلس وأومأ.
ومن استطاع الركوع دون السجود ركع حقيقة، ثم جلس وأومأ بالسجود.
ومن استطاع وضع جبهته على أرض الطائرة وجب عليه السجود، ولا يكتفي بالإيماء.
ومن لم يستطع إلا الصلاة في مقعده صلى جالسًا، وأومأ برأسه، وجعل سجوده أخفض من ركوعه.
وهذا تطبيق لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا».
خامسًا: استقبال القبلة وتغير اتجاه الطائرة
يجب استقبال القبلة في صلاة الفريضة من أول الصلاة إلى آخرها ما دام ذلك ممكنًا.
ويُعرف اتجاه القبلة بسؤال طاقم الطائرة، أو بشاشة الملاحة، أو بأي وسيلة موثوقة، ولا يكفي أن يصلي الراكب إلى جهة عشوائية من غير تحرٍّ مع قدرته على السؤال والاجتهاد.
فإذا غيرت الطائرة اتجاهها أثناء الصلاة، وجب على المصلي أن ينحرف إلى القبلة كلما تغير الاتجاه، إن أمكنه ذلك من غير خطر أو اضطراب شديد.
وهذا الحكم تقرره المذاهب الأربعة في الصلاة على السفينة وما في معناها؛ فقد نص المالكية والشافعية والحنابلة على الدوران إلى القبلة عند دوران السفينة، وهو مقتضى أصول الحنفية كذلك مع القدرة.
فإن عجز عن الاستمرار في استقبال القبلة بسبب ضيق المقعد، أو تثبيت حزام الأمان، أو منع الطاقم له مراعاةً للسلامة، استقبل القبلة في القدر الذي يستطيع، ولو عند ابتداء الصلاة، ثم صلى إلى جهة مقعده إذا عجز عن غيرها.
سادسًا: حكم الإعادة عند الصلاة جالسًا أو لغير القبلة
إذا عجز المسافر حقيقة عن القيام أو استقبال القبلة أو السجود، وخشي خروج الوقت، وجب عليه أن يصلي في الطائرة على حسب حاله.
وقد اختلف الفقهاء في وجوب إعادة هذه الصلاة بعد زوال العذر:
مذهب الحنفية
المعذور يصلي بحسب استطاعته، ولا تلزمه الإعادة في الجملة إذا تحقق عجزه ولم يفرط.
وفي الصلاة في السفينة خلاف داخل المذهب؛ فأبو حنيفة يجيز الصلاة قاعدًا في السفينة الجارية ولو بلا عذر مع الركوع والسجود، بينما يشترط أبو يوسف ومحمد العذر لترك القيام، وهو الأظهر عند عدد من المحققين.
مذهب المالكية
يجب القيام واستقبال القبلة ما أمكن، ويدور المصلي إلى القبلة كلما دارت وسيلة النقل.
فإن عجز صلى إلى الجهة التي يقدر عليها، وصلاته مجزئة، ولا تجب عليه الإعادة في الجملة، وقد تندب الإعادة في الوقت في بعض صور الأعذار والخوف خروجًا من الخلاف.
مذهب الشافعية
يفرق الشافعية بين العجز المعتاد الملازم، وبين ما يسمونه بالعذر النادر.
فإن كان العجز ناشئًا عن عذر نادر، كأن يُحبس في مقعده في وسيلة النقل ولا يستطيع القيام أو استقبال القبلة، وخشي خروج الوقت، صلى على حاله محافظة على حرمة الوقت، ثم أعاد الصلاة بعد زوال العذر على المعتمد.
أما إذا صلى في الطائرة قائمًا مستقبل القبلة مستوفيًا الأركان، أو كان عجزه عجزًا معتبرًا لا تجب معه الإعادة وفق تفصيل المذهب.
وقد نص الشافعية على أن من خاف انقطاعه عن رفقته فصلى على دابته يصلي لحرمة الوقت ثم يعيد؛ لكون العذر عندهم نادرًا.
مذهب الحنابلة
يجب القيام واستقبال القبلة والركوع والسجود بحسب الاستطاعة، ويدور المصلي إلى القبلة مع تغير اتجاه الطائرة ما دام قادرًا.
فإن عجز عن شيء من ذلك سقط عنه بقدر عجزه، وصلى على حاله، ولا تلزمه الإعادة إذا كان عجزه حقيقيًا ولم يقع منه تفريط.
سابعًا: الخلاصة العملية للمسافر
من كان في الطائرة يتبع الترتيب الآتي:
١. ينظر هل يمكن أداء الصلاة قبل الإقلاع أو بعد الهبوط داخل وقتها.
٢. إن كانت مما يجوز جمعه، فله عند الجمهور أن يجمعها بما يناسب الرحلة، مع مراعاة شروط الجمع.
٣. إن خشي خروج الوقت، وجب أن يصلي في الطائرة.
٤. يسأل عن القبلة وعن وجود مكان آمن للصلاة.
٥. يصلي قائمًا ويركع ويسجد إن استطاع.
٦. فإن عجز عن بعض ذلك، أتى بما استطاع وانتقل في الباقي إلى البدل.
٧. يستقبل القبلة ويدور إليها مع تغير مسار الطائرة إن أمكنه ذلك بأمان.
٨. فإن حُبس في مقعده، صلى جالسًا وأومأ، إلى القبلة إن أمكن، وإلا إلى جهة مقعده.
٩. صلاته مجزئة عند جمهور الفقهاء إذا كان عاجزًا حقيقة، ولا إعادة عليه.
١٠. وعلى المعتمد عند الشافعية يعيد في صورة العذر النادر الذي أخل بسببه بالقيام أو الاستقبال ونحوهما، والخروج من الخلاف بالإعادة حسن لمن تيسر له ذلك من غير اعتقاد بطلان صلاته الأولى عند الجمهور.
