رجوع إلى الفتاوى أصول الفتوى والقواعد وطلب العلم

أدب نقل العلم والحوار في المجموعات

فتوى١١٣زيارة٠مشاركة
السؤال

ما الضوابط المنقولة لصون الوئام وأمانة النقل في المجموعات العلمية؟

خلاصة الجواب

تلك زهورٌ عبقةٌ، أنثرها في رياض الكرام، وأبثها في ميادين الأحباب، تعزيزًا لوشائج العلاقات، ودرءًا للمكدرات، وقطعًا لدابر المفسدة، وإدامةً لروح المودة. الأولى: حكمة الانتقاء في نقل الروايات: في رحاب الحديث النبوي الشريف: "كفى بالمرء إثمًا أن يتكلم بكل ما سمع".

الجواب المفصَّل

صون الوئام في مجموعات الكرام

ا.د.محمد طه حمدون السامرائي

تلك زهورٌ عبقةٌ، أنثرها في رياض الكرام، وأبثها في ميادين الأحباب، تعزيزًا لوشائج العلاقات، ودرءًا للمكدرات، وقطعًا لدابر المفسدة، وإدامةً لروح المودة.

الأولى: حكمة الانتقاء في نقل الروايات:

في رحاب الحديث النبوي الشريف: "كفى بالمرء إثمًا أن يتكلم بكل ما سمع". فالناقل شريكٌ للكاتب في خيره وشره، وإن اللبيب ليظهر في حسن انتقائه، ويبدو في جودة اختياره، ودقة مصدره. فلو آثر الإنسان الصمت دهرًا، لكان خيرًا له من مشاركةٍ خاليةٍ من الصدق، خاويةٍ من الخير، تظهر في ثوبٍ يروي كل شؤم. ويمسي كحاطب ليلٍ وجارف سيلٍ، لا يدرك عواقب ما نشر، ولا وخامة ما أخبر.

الثانية: بصيرة التبين وثبات التحقق:

من آفات عصرنا الراهن أن يُنقل كل ما يَرِدُ في وسائل التواصل، غثّه وسمينه، دون تمحيصٍ أو تأكيد، فيُخوَّف الآمن، ويُكدَّر الصفو، وتُغرس العداوة، ويُشاع الأذى. وصدق الله العظيم إذ يقول: (وَإِذَا جَاۤءَهُمۡ أَمۡرࣱ مِّنَ ٱلۡأَمۡنِ أَوِ ٱلۡخَوۡفِ أَذَاعُوا۟ بِهِۦۖ وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰۤ أُو۟لِی ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِینَ یَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَیۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَٱتَّبَعۡتُمُ ٱلشَّیۡطَـٰنَ إِلَّا قَلِیلࣰا) [النساء: 83]. ومن المسلّمات اليوم أن غالب الأخبار المتداولة في وسائل التواصل تفتقر إلى الدقة.

الثالثة: آفة النميمة ووبالها:

إن النميمة من أعظم الآثام وأكبر الجرائم، وفي الحديث الشريف: "لا يدخل الجنة نمام". وهو ذاك الذي ينقل ما يُكدّر العلاقات، ويُفسد المودات، ويَزرع البغضاء والعداوات. فينقل ما يدور في جلسات المجاميع الخاصة، مما يسيء إلى المنقول عنه، فيهدم بناء المحبة، ويقوض حصن الإخاء، ويزرع في قلوب الأحبة عداوة وبغضًا. فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت.

الرابعة: بلاغة القول وجمال البيان.

يقول الله تعالى: (وَقُل لِّعِبَادِی یَقُولُوا۟ ٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ ٱلشَّیۡطَـٰنَ یَنزَغُ بَیۡنَهُمۡۚ إِنَّ ٱلشَّیۡطَـٰنَ كَانَ لِلۡإِنسَـٰنِ عَدُوࣰّا مُّبِینࣰا) [الإسراء: 53]. فعلى القوم وصفوة الجمع، إذا تحدثوا تعقيبًا أو تعبيرًا، وترددوا بين عبارتين وجالوا بين أسلوبين، أن يختاروا أحسنهما مظهرًا، وأجملهما خبرًا، وأعظمهما في نفس السامع أثرًا، وأطيبهما خاطرًا، وألا يدعوا للشيطان في قلوبهم سبيلًا. وأن يكون قولهم أبعد ما يكون عن التأويل والاحتمال، والتجاذب والخلاف.

الخامسة: سمو الأخلاق ورفعة الشأن:

إن أعظم الناس منزلة عند الله تعالى أحاسنهم أخلاقًا، فالدين كله خلق. ومن طيب الدنيا وأنسها، ونعيم الجنة المعجل: صحبةٌ ينتقون أطايب الحديث ومحاسن الألفاظ وأفانين التسطير وجودة التحبير، يأسرون القلوب بتعابيرهم، ويطيبون الخواطر بكلماتهم، ويزرعون المسرة في خطابهم، وينثرون الطيب في كلماتهم، ويفوح السمو من حروفهم.

السادسة: قدسية المجالس وأمانة الأسرار:

قال ﷺ: ((المجالس بالأمانة))، وفي حديث آخر عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((إذا حدَّث الرجل بالحديث ثم التفت فهي أمانة)). فمن أعظم الأمانات هي أمانة الحديث وسرية المجموعات. فنقل عبارة لمتحدث إلى غير من في المجموعات خيانة، ونشر حديثه جناية، وهي من أعظم مكدرات الأخوة والأمانة، ومفسدات المكانة والديانة.

السابعة: فن مراعاة المستويات وتنوع العقول:

لا يخفى أن لكل مقام مقالًا، ولكل حدث خطابًا، وغالب المجموعات يتنوع أصحابها وتتباين عقولها وتتشعب مسالكها.

فمراعاتها واجبة، ومداراة الناس لازمة، والوقوف على أرض تشترك فيها الفهوم وتتفق فيها العقول، وتتواطأ عليها في حدها الأدنى الآراء، وتتقارب الأجواء، وتقل فيها الأهواء. وفي الأثر: (أَمَرَنِي رَبِّي بِمُدَارَاةِ النَّاسِ كَمَا أَمَرَنِي بِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ)، وكذا: «مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ، إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً».

ترك الجدال: رقي النفس وسمو المقصد:

في الحديث الشريف، قال رسول الله ﷺ: "أنا زعيمٌ ببيتٍ في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا". إن كسب القلوب أولى من كسب المواقف، وفي الحديث: "إن أبغض الرجال إلى الله الألدُّ الخصم"، وهو الشديد المراء، الذي يحجُّ صاحبه.

فلا تحاول الانتصار في كل الاختلافات، فأحيانًا كسب القلوب أولى من كسب المواقف.

فالصفوة يكرهون الخطأ لا المخطئ، ويبغضون المعصية ويشفقون على العاصي، ينتقون الرأي والقول مع احترام قائله. فمهمة النخبة القضاء على المرض، لا على المرضى.

جنبنا الله تعالى وإياكم الخلل، وطهرنا من الزلل، وأرشدنا إلى صالح القول والعمل.

شارك الفتوى

فتاوى ذات صلة

الباب أصول الفتوى والقواعد وطلب العلم
المفتي أ.د. محمّد طه حمدون السامرّائيّ
Scroll to Top