الأسباب المبيحة للتيمّم وتيمّم الجنب وشدّة البرد
متى يجوز التيمّم بدل الماء؟ وهل يتيمّم الجنب كما يتيمّم المحدث؟ وهل يُعدّ البردُ الشديد عذرًا يبيح التيمّم؟
يُباح التيمّم بالعجز الشرعيّ عن استعمال الماء: لفقده، أو للحاجة إليه لعطشٍ محترم، أو لخوف الضرر باستعماله من مرضٍ أو زيادته أو بطء برئه، ومنه البردُ الشديد الذي يُخاف معه الضرر ولا يمكن دفعه بالتسخين. والجنبُ في ذلك كالمحدث. وأمّا مجرّدُ خوف خروج الوقت مع وجود الماء والقدرة عليه فليس عذرًا عند الحنفيّة والشافعيّة، وفيه خلافٌ عند المالكيّة.
الأصل
قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣].
نصوص المذاهب
- الحنفيّة: من لم يجد الماء وهو مسافرٌ أو خارجَ المصر بينه وبين المصر نحو الميل، أو كان مريضًا يخاف اشتداد مرضه، «أو خاف الجنبُ إن اغتسل بالماء أن يقتله البرد أو يُمرضه، فإنّه يتيمّم بالصعيد ... والتيمّم من الجنابة والحدث سواء» (مختصر القدوري ص ١٥). وصحّح المرغينانيّ اعتبارَ المسافة دون خوف الفوت؛ «لأنّ التفريط يأتي من قِبَله» (الهداية ١/ ٢٧).
- المالكيّة: يتيمّم ذو المرض والسفر المباح، والحاضرُ الصحيح للفرض، «إن عدموا ماءً كافيًا، أو خافوا باستعماله مرضًا أو زيادتَه أو تأخّرَ برءٍ، أو عطشَ محترمٍ معه، أو بطلبه تلفَ مالٍ أو خروجَ وقت ... وهل إن خاف فواتَه باستعماله؟ خلاف» (مختصر خليل ص ٢٤).
- الشافعيّة: أسبابه ثلاثة: فقدُ الماء، و«أن يحتاج إليه لعطشٍ محترمٍ ولو مآلًا»، و«مرضٌ يخاف معه من استعماله على منفعة عضو، وكذا بطءُ البرء أو الشينُ الفاحش في عضوٍ ظاهرٍ في الأظهر، وشدّةُ البرد كمرض» (منهاج الطالبين ص ١٦–١٧).
- الحنابلة: «إذا دخل وقتُ فريضةٍ أو أُبيحت نافلة، وعدم الماء، أو زاد على ثمنه كثيرًا ... أو خاف باستعماله أو طلبه ضررَ بدنه أو رفيقه أو حرمته أو ماله، بعطشٍ أو مرضٍ أو هلاكٍ ونحوه: شُرع التيمّم» (الوجيز ص ٥٧).
البرد الشديد
- الحنفيّة: يتيمّم الجنبُ إذا خاف أن يقتله البردُ أو يُمرضه خارجَ المصر، «ولو كان في المصر فكذلك عند أبي حنيفة خلافًا لهما»؛ لأنّ العجز عنده ثابتٌ حقيقة (الهداية ١/ ٢٧).
- الشافعيّة: «وشدّةُ البرد كمرض»، و«من تيمّم لبردٍ قضى في الأظهر» (منهاج الطالبين ص ١٧–١٨).
- الحنابلة: إن «خاف بردًا ... فتيمّم ... صلّى ولم يُعِد» (الوجيز ص ٥٧).
- ودليلُ الباب قصّةُ عمرو بن العاص رضي الله عنه في غزوة ذات السلاسل حين أجنب في ليلةٍ باردة فتيمّم وصلّى بأصحابه، فأقرّه النبيّ ﷺ (رواه أبو داود، وذكره البخاريّ تعليقًا بصيغة التمريض).
الضابط
لا تثبت الرخصةُ بمجرّد المشقّة المعتادة؛ فمن قدر على تسخين الماء، أو على استعماله في مكانٍ دافئ، أو بطريقةٍ لا يحصل معها الضرر، لزمه استعمالُه.
والله تعالى أعلم.
