رجوع إلى الفتاوى أصل القرض والزيادة والرسوم

السلف الإلكترونية المشروطة بزيادة عبر تطبيق «سوبر كي» في مصرف الرافدين

فتوى٨٥٩٤زيارة٠مشاركة
السؤال

سماحة الشيخ حفظكم الله تعالى:

ما التكييف الفقهي والحكم الشرعي في تقديم الموظفين والمتقاعدين الموطّنة رواتبهم على «السلف الإلكترونية» التي أطلقها «مصرف الرافدين» (الحكومي) عبر تطبيق «سوبر كي»، والتي تتلخص صورتها في الآتي:

طبيعة المعاملة: قبض مبلغ نقدي فوري يتراوح بين (5 إلى 10) ملايين دينار عراقي في حساب المستفيد.

الشرط المالي: اشتراط زيادة مقطوعة ومحددة بنسبة (6%) تُضاف على أصل المبلغ الممنوح.

طريقة الاستيفاء: استقطاع أصل الدين مع الزيادة المشروطة على أقساط شهرية دورية تقتطع آلياً من الراتب الموطّن.

التوثيق: الاكتفاء بالحساب المصرفي والبطاقة الإلكترونية (Mastercard) كضمان للسداد دون كفيل غارم.

فهل يُعد هذا العقد من قبيل القرض الربوي المحرّم شرعاً لاشتراط الزيادة، أم يخرّج على المعاملات والخدمات المصرفية الجائزة؟ أفتونا مأجورين.

خلاصة الجواب

المعاملة المذكورة تكييفها الفقهي «قرض بفائدة مشروطة»، وهو عين ربا القرض المجمع على تحريمه، وكون جهة الإقراض مصرفاً حكومياً أو عاماً لا يخرجه عن حقيقة الربا عند جماهير الفقهاء والمجامع الفقهية المعاصرة؛ وعليه فلا يحل التقديم على هذه السلفة اختياراً، إلا في حال الضرورة الملجئة أو الحاجة العامة التي تنزل منزلتها، بشرط تعذر الوسائل المباحة، والاقتصار على قدر الحاجة الدافعة للحرج.

الجواب المفصَّل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

فإن النظر الفقهي في هذه النازلة ينتظم في مسألتين رئيستين:

أولاً: التكييف الفقهي وحكم العقد في أصله

تكيّف هذه «السلفة» فقهاً بأنها عقد قرض وليست من عقود المعاوضات أو المرابحات؛ إذ المعقود عليه نقد بنقد مؤجل إلى أجل مع اشتراط نفع مالي زائد (6%) على المقترض.

وقد استقر الإجماع القطعي على أن كل زيادة مشروطة في عقد القرض تمحضت للمقرض فهي ربا صريح، وقد نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم؛ قال الإمام ابن المنذر رحمه الله في «الإجماع»: «أجمعوا على أن المُسْلِف إذا شَرَطَ على المستسلف زيادةً أو هديّة، فأسلف على ذلك، أن أخذ الزيادة على ذلك ربا».

ولا يغيّر من حقيقة التحريم كون جهة التمويل مؤسسة حكومية أو عامة كـ«مصرف الرافدين»؛ فالشخصية الاعتبارية تثبت لها الأحكام التكليفية والوضعية في باب المعاملات، والربا محرم لذاته وعينه بصريح قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]، وعموم نصوص التحريم يتناول القروض الصادرة عن الجهات العامة والخاصة على حد سواء، وهو ما انتهت إليه قرارات المجامع الفقهية (كمجمع الفقه الإسلامي الدولي وهيئة كبار العلماء).

ثانياً: الاستثناء بمسلك الضرورة والحاجة الماسة

الأصل في المحرمات التحريم، غير أن الشريعة الغراء رفعت الحرج عن المكلفين عند حلول المضايق والشدائد، استناداً إلى قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: 119].

وقد قرر فقهاء القواعد أن: «الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامةً كانت أو خاصة»؛ فإذا ألجأت المكلفَ ظروفٌ قاهرة تضيق بها سبل المعاش المعتادة، كـ:

علاج مرض مهدد للنفس أو العضو تعذرت نفقته،

أو سداد دين حالّ يترتب عليه حبس أو ملاحقة قضائية،

أو فك أسر سجين ومعتقل،

أو تحصيل مسكن تدعو الحاجة الماسة لسكناه لدفع التشرد وفقدان المأوى،

جاز له التقديم على هذا القرض استثناءً، ولكن بشرطين متلازمين:

1. انعدام البديل المباح: بألا يجد سبيلاً مشروعاً لتجاوز كربته (كالقرض الحسن، أو بيع الأصول الفائضة، أو التكافل العائلي والجمعيات الأهلية، أو المساعدات الإغاثية).

2. فوات التحمل وعدم إمكانية التأجيل: بأن تكون الحاجة متعيّنة وناجزة، لا تحتمل الإرجاء ولا الصبر عليها لما يفضي إليه التأخير من وقوع مفسدة محققة.

مع لزوم مراعاة القاعدة الشرعية: «الضرورة تُقدَّر بقَدْرها»، فلا يقترض المستلف إلا المبلغ الأدنى الكافي لدفع الضرر وإزالة الحرج، مع استصحاب كراهة المعاملة واستغفار الله تعالى حتى انقضائها.

والله تعالى أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

شارك الفتوى

فتاوى ذات صلة

الباب أصل القرض والزيادة والرسوم
المفتي أ.د. محمّد طه حمدون السامرّائيّ
Scroll to Top