رجوع إلى البحوث الأدب والمقامات والشعر

(( الفجرُ يولدُ من رَحِمِ الغَسَق ))

الأدب والمقامات والشعردقيقتان للقراءة٤١٦ كلمة

أيُّها المرتقبُ للنورِ في حُلْكَةِ الدُّجى، والمُتوجِّسُ خيفةً من ليلٍ سجا؛ هوِّن عليك، فليسَ هذا أولَ ليلٍ يُرخي سدولَه، ولا بدعاً من الزمانِ يطولُه، فقد توهَّم الناسُ قبلكَ أن الظلامَ سرمد، وأنَّ بابَ الفرجِ مُوصَد.

تأمَّل مكةَ يومَ الهجرةِ، وقد أُخرِجَ منها خيرُ الورى، وحيداً طريداً في العراء، إلا من يقينٍ ملأ الأرضَ والسماء، فظنَّ المبطلون أن الدعوةَ قد انكسرت، وما دروا أنها في الغارِ قد انتصرت، ومنهُ انتشرت. ثم انظر إلى "بدرٍ" وقد قلَّ فيها العدد، وشحَّ المَدَد، لكنَّ أبوابَ السماءِ فُتِحت بالوعود، فانقلبت الموازينُ بغيرِ جنود، وعَلِمَ التاريخُ أن الحقَّ لا يُوزنُ بالكثرة، بل بصدقِ النظرةِ وثباتِ الفِطرة.

وفي "أُحدٍ" سالت الدماء، وقُدِّرَ الابتلاء، ليكونَ درساً في الصبرِ طويلا، وتمحيصاً للقلوبِ ثقيلا. ولما تحزَّبَ الأحزابُ، وزاغت الأبصارُ وغلِّقت الأبواب، وبلغت القلوبُ الحناجر، واشتدت المخاطر، كان النصرُ كامناً في الصدورِ لا في الجسور، وفي حفرِ الخندقِ باليقينِ لا بمجردِ الصخور، حتى إذا قال المنافق: وعدُ غرور، قال المؤمن: بل وعدُ سرور، فانقلبَ الحصارُ ريحاً، وعاد الكفرُ طريحاً، وبقي الدينُ صريحاً.

وما تراهُ اليومَ من غُمَّة، إنما هي سحابةُ صيفٍ ملمّة، عما قريبٍ تنقشع، ونورُ الحقِّ يرتفع. ألم يظنوا يومَ "التتار" أن الإسلامَ قد دُثِر؟ فقامَ من تحتِ الركامِ رجالٌ صدقوا، وللعهدِ ما خرقوا، فذهبَ التتارُ وبقيَ الأثر. وكذا بيتُ المقدسِ حينَ طالَ أسره، وعزَّ نصره، جاءهُ صلاحُ الدينِ لا بالضجيجِ والصياح، بل بقافلةِ إيمانٍ وتُقىً وصلاح، فاستعادَ الأرض، وأقامَ الفرض.

فاعلم أنَّ الطريقَ هكذا يسيرا، ظُلمةٌ تشتدُّ لتصيرَ نورا، وأحلكُ اللحظات، هي التي تسبقُ الفتوحات. ووعدُ اللهِ بالتمكين، سُنَّةٌ لا تلين، وكلُّ مَن ظنَّ أنه كاسرُ هذا الدينِ خاب، وكان مجردَ حلقةٍ في كتاب. فلا تبرحِ القافلة، ولا تطلبِ النوافلَ قبلَ الفرائضِ الكاملة، ولا تُغرينَّك بُنيَّاتُ الطريق، فتضلَّ عن الرفيق، فالعبرةُ ليست بمن سبق، بل بمن ثبتَ وصدق.

وهذا العامُ كالذي قبله عامُ تصفيةِ الحسابات، وقضاءِ الديونِ والمظالمِ الماضيات، ظالمٌ بظالمٍ يُبتلى، ليَقضيَ اللهُ أمراً كان مفعولا، فلا تقل: كيف تسلَّط الظالمون؟ بل قل: إنا لمنتظرون، حتى إذا ما تمايزَ الصفان، وبانَ الحقُّ للعيان، لاحَ الفجرُ للصابرين، وخابَ سعيُ المبطلين.

قلت (على بحر الوافر):

فَلا تَيأَسْ إِذا ما اللَّيلُ طَالا ..وَخِلْتَ الفَجْرَ مَمْنُوعَاً مُحَالا

وُقُلْ لِلنَّفْسِ إِنْ جَزِعَتْ وَخَافَتْبِأَنَّ اللهَ قَدْ قَطَعَ الوِصَالا:

"رُوَيْدَكِ إِنَّ عُقْبَى الصَّبْرِ نَصْرٌ ...يُبِيدُ الظُّلْمَ أَوْ يَنْفِي الضَّلالا"

سَلِ الأحْزَابَ كَيْفَ غَدَتْ هَبَاءًوَكَيْفَ الحَقُّ قَدْ كَسَبَ النِّضَالا
وَكَمْ مِنْ ظَالِمٍ قَدْ ظَنَّ جَهْلاًبِأَنَّ الدِّينَ قَدْ شَدَّ الرِّحَالا
فَعَادَ بِخَيْبَةٍ وَالدِّينُ بَاقٍرُسُوخَ الطَّوْدِ لا يَخْشَى الزَّوَالا
فَسِرْ فِي الرَّكْبِ لا تَتْرُكْ خُطَاهُوَإِنْ كَانَ المَسِيرُ بِكَ اسْتَطَالا
فَلَيْسَ الشَّأْنُ فِي سَبْقٍ، وَلَكِنْبِصِدْقِ العَهْدِ تَبْلُغُ مَا تَعَالَى
إِذَا اشْتَبَكَ الظَّلامُ فَذَاكَ إذنبِأَنَّ الصُّبْحَ قَدْ نَشَرَ الجَمَالا

شارك المقالة

Scroll to Top