رجوع إلى البحوث التربية والسلوك والإصلاح

جبر الخواطر: عبادة القلوب النقية

التربية والسلوك والإصلاح١٤ دقيقة للقراءة٢٬٤٢٠ كلمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الرَّحْمَةَ بَابًا إِلَى الْقُلُوبِ، وَجَعَلَ الْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ صَدَقَةً، وَجَعَلَ الإِحْسَانَ إِلَى النَّاسِ مِنْ دَلَائِلِ صَفَاءِ النُّفُوسِ. وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، الَّذِي كَانَ رَحْمَةً تَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ، يُوَاسِي الْمَحْزُونَ، وَيُعِينُ الْمُحْتَاجَ، وَيُلَاطِفُ الصَّغِيرَ، وَيَعْفُو عَنِ الْمُسِيءِ، وَيَرُدُّ إِلَى الإِنْسَانِ كَرَامَتَهُ حِينَ تُوشِكُ الْحَيَاةُ أَنْ تَسْلُبَهَا مِنْهُ.

أَيُّهَا الأَحِبَّةُ...

كَمْ مِنْ إِنْسَانٍ قَابَلْنَاهُ الْيَوْمَ، فَضَحِكَ فِي وُجُوهِنَا، ثُمَّ عَادَ إِلَى بَيْتِهِ يَحْمِلُ فِي صَدْرِهِ وَجَعًا لَا نَعْرِفُهُ؟

وَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ قَالَ لَنَا: «أَنَا بِخَيْرٍ»وَلَمْ يَكُنْ بِخَيْرٍ؟

وَكَمْ مِنْ قَلْبٍ لَمْ يَكُنْ يُرِيدُ مِنَّا مَالًا، وَلَا حَلًّا لِمُشْكِلَتِهِ، وَلَا خُطْبَةً طَوِيلَةً...

كَانَ يُرِيدُ فَقَطْ أَنْ يَسْمَعَ: أَنَا أَفْهَمُكَ. أَنَا مَعَكَ. لَا تَقْلَقْ، لَنْ أَتْرُكَكَ وَحْدَكَ. وَرُبَّ كَلِمَةٍ قُلْتَهَا فِي عَشْرِ ثَوَانٍ، نَسِيَهَا لِسَانُكَ، وَبَقِيَ أَثَرُهَا فِي قَلْبِ إِنْسَانٍ عَشْرَ سِنِينَ. وَرُبَّ كَلِمَةٍ أُخْرَى أَلْقَيْتَهَا دُونَ اكْتِرَاثٍ، ثُمَّ مَضَيْتَ إِلَى شَأْنِكَ، بَيْنَمَا بَقِيَ إِنْسَانٌ يَجْمَعُ شَظَايَا قَلْبِهِ بِسَبَبِهَا. وَلِهَذَا حَدِيثُنَا الْيَوْمَ لَيْسَ عَنْ عِبَادَةٍ تَحْتَاجُ مَالًا. وَلَا عَنْ عِبَادَةٍ تَحْتَاجُ قُوَّةَ بَدَنٍ. وَلَا عَنْ أَمْرٍ لَا يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ بِهِ إِلَّا الْخَاصَّةُ. حَدِيثُنَا عَنْ بَابٍ يَسْتَطِيعُ دُخُولَهُ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ، وَالْعَالِمُ وَالْعَامِّيُّ، وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ، وَالْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ. حَدِيثُنَا عَنْ: جَبْرِ الْخَوَاطِرِ. عَنِ الْكَلِمَةِ حِينَ تُصْبِحُ دَوَاءً. وَعَنِ الِابْتِسَامَةِ حِينَ تُصْبِحُ صَدَقَةً.

وَعَنِ الْعَفْوِ حِينَ يُعِيدُ إِلَى الْمُذْنِبِ إِنْسَانِيَّتَهُ. وَعَنِ الرِّفْقِ حِينَ يُنْقِذُ بَيْتًا. وَعَنْ كَلِمَةِ الأَبِ لِابْنِهِ. وَكَلِمَةِ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ. وَكَلِمَةِ الْمُعَلِّمِ لِطَالِبِهِ. وَكَلِمَةِ الْمُدِيرِ لِمُوَظَّفِهِ. وَكَلِمَةِ الصَّدِيقِ لِصَدِيقِهِ. بَلْ حَتَّى عَنْ كَلِمَةٍ تَكْتُبُهَا لِإِنْسَانٍ لَا تَعْرِفُهُ خَلْفَ شَاشَةِ هَاتِفٍ.

«إِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَحُلَّ مُشْكِلَةَ إِنْسَانٍ، فَلَا تَكُنْ مُشْكِلَةً أُخْرَى تُضَافُ إِلَى مُشْكِلَاتِهِ.»

هَذِهِ وَحْدَهَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ قَانُونًا مِنْ قَوَانِينِ الْعَلَاقَاتِ الإِنْسَانِيَّةِ.

الْمَحْوَرُ الأَوَّلُ: هَلْ «جَبْرُ الْخَوَاطِرِ» عِبَادَةٌ؟

يَنْبَغِي هُنَا أَنْ نَكُونَ دَقِيقِينَ. تَعْبِيرُ «جَبْرِ الْخَوَاطِرِ» بِهَذَا الِاسْمِ لَيْسَ اسْمًا شَرْعِيًّا لِعِبَادَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ مُحَدَّدَةٍ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ. وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ يَجْمَعُ أَبْوَابًا عَظِيمَةً جَاءَ بِهَا الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ: الرَّحْمَةَ، وَالرِّفْقَ، وَالْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ، وَقَضَاءَ الْحَاجَةِ، وَتَنْفِيسَ الْكُرْبَةِ، وَسَتْرَ الْمُسْلِمِ، وَإِكْرَامَ الضَّعِيفِ، وَالْعَفْوَ، وَالصَّفْحَ، وَالتَّبْشِيرَ، وَتَرْكَ الإِيذَاءِ. وَلِهَذَا فَوَصْفُ جَبْرِ الْخَوَاطِرِ بِـ«عِبَادَةِ الْقُلُوبِ النَّقِيَّةِ» هُوَ وَصْفٌ أَدَبِيٌّ لِمَجْمُوعَةٍ مِنَ الأَخْلَاقِ وَالْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْهَا النُّصُوصُ، وَلَيْسَ إِنْشَاءً لِاسْمٍ تَعَبُّدِيٍّ جَدِيدٍ.

وَانْظُرُوا إِلَى هَذَا الْمِيزَانِ الْقُرْآنِيِّ الْعَجِيبِ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾. تَأَمَّلُوا! هُنَاكَ إِنْسَانٌ يُعْطِي مَالًا. وَهُنَاكَ إِنْسَانٌ لَا يَمْلِكُ الْمَالَ، وَلَكِنَّهُ يُعْطِي كَلِمَةً كَرِيمَةً. فَإِذَا كَانَ الْمَالُ سَيَجْرَحُ كَرَامَةَ الْمُحْتَاجِ، وَيُلَاحِقُهُ بِالْمَنِّ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ يَقُولُ: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ خَيْرٌ. إِنَّهَا ثَوْرَةٌ أَخْلَاقِيَّةٌ؛ فَالإِنْسَانُ فِي الإِسْلَامِ لَيْسَ مَعِدَةً تُطْعِمُهَا فَقَطْ، الإِنْسَانُ كَرَامَةٌ، وَشُعُورٌ، وَقَلْبٌ. قَدْ تُعْطِي فَقِيرًا مَالًا جَزِيلًا، ثُمَّ تَجْرَحُهُ بِكَلِمَةٍ، فَيَخْرُجُ وَفِي يَدِهِ الْمَالُ وَفِي قَلْبِهِ الأَلَمُ. وَقَدْ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُعْطِيَهُ شَيْئًا، لَكِنَّكَ تَسْتَقْبِلُهُ بِاحْتِرَامٍ، وَتَعْتَذِرُ إِلَيْهِ بِلُطْفٍ، فَيَخْرُجُ وَقَدِ احْتَفَظَ بِكَرَامَتِهِ.

«لَيْسَ كُلُّ فَقِيرٍ يَحْتَاجُ مَالَكَ قَبْلَ أَنْ يَحْتَاجَ احْتِرَامَكَ، وَلَيْسَ كُلُّ مَكْسُورٍ يَحْتَاجُ حَلًّا قَبْلَ أَنْ يَحْتَاجَ قَلْبًا يَشْعُرُ بِهِ.»

وَلِهَذَا يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. لَمْ يَقُلْ: قُولُوا لِأَصْدِقَائِكُمْ، وَلَا لِقَرَابَتِكُمْ، وَلَا لِمَنْ أَحْسَنَ إِلَيْكُمْ فَقَطْ، بَلْ: ﴿لِلنَّاسِ﴾؛ فَالْخُلُقُ الْحَسَنُ لَا يَنْتَقِي مَنْ يَتَعَامَلُ مَعَهُمْ.

الْمَحْوَرُ الثَّانِي: الْقُرْآنُ يَجْبُرُ الإِنْسَانَ قَبْلَ أَنْ يُعَالِجَهُ

مَنْ يَتَأَمَّلِ الْقُرْآنَ يَجِدْ عِنَايَةً عَجِيبَةً بِالْمَشَاعِرِ الإِنْسَانِيَّةِ. خُذُوا مَثَلًا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ۝ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾. لَمْ يَقُلْ فَقَطْ: أَعْطِ الْيَتِيمَ، بَلْ قَالَ: ﴿فَلَا تَقْهَرْ﴾. وَلَمْ يَقُلْ فَقَطْ: أَعْطِ السَّائِلَ، بَلْ قَالَ: ﴿فَلَا تَنْهَرْ﴾. لِأَنَّكَ قَدْ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُعْطِيَ السَّائِلَ مَا يُرِيدُ، وَلَكِنَّكَ تَسْتَطِيعُ دَائِمًا أَلَّا تُهِينَهُ. وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ عَظِيمَةٌ:

لَيْسَ مَطْلُوبًا مِنْكَ دَائِمًا أَنْ تُحَقِّقَ طَلَبَ الإِنْسَانِ، وَلَكِنْ مَطْلُوبٌ مِنْكَ أَلَّا تَكْسِرَ إِنْسَانِيَّتَهُ وَأَنْتَ تَرْفُضُ طَلَبَهُ. يُمْكِنُ أَنْ تَقُولَ: «سَامِحْنِي، لَا أَسْتَطِيعُ»، بَدَلَ أَنْ تَقُولَ: «اذْهَبْ عَنِّي!». يُمْكِنُ أَنْ تَقُولَ لِابْنِكَ: «هَذِهِ الْمَرَّةَ لَمْ تُوَفَّقْ، وَلَكِنَّكَ قَادِرٌ عَلَى التَّحَسُّنِ»، بَدَلَ أَنْ تَقُولَ: «أَنْتَ فَاشِلٌ وَلَنْ تَنْجَحَ أَبَدًا». يُمْكِنُ أَنْ تَقُولَ لِلْمُوَظَّفِ: «هَذَا الْعَمَلُ فِيهِ أَخْطَاءٌ، دَعْنَا نُصَحِّحْهَا»، بَدَلَ أَنْ تَقُولَ أَمَامَ زُمَلَائِهِ: «أَنْتَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ». يُمْكِنُ أَنْ تَقُولَ لِزَوْجَتِكَ: «اخْتَلَفْنَا فِي هَذَا التَّصَرُّفِ»، بَدَلَ أَنْ تَجْعَلَ الِاخْتِلَافَ فِي تَصَرُّفٍ وَاحِدٍ حُكْمًا عَلَى شَخْصِيَّتِهَا كُلِّهَا.

«مِنْ أَخْطَرِ مَا نَفْعَلُهُ بِالنَّاسِ أَنْ نُحَوِّلَ خَطَأً ارْتَكَبُوهُ إِلَى تَعْرِيفٍ دَائِمٍ لَهُمْ؛ أَخْطَأَ... فَلَا تَقُلْ: أَنْتَ خَطَأٌ، فَشِلَ... فَلَا تَقُلْ: أَنْتَ فَاشِلٌ، تَعَثَّرَ... فَلَا تَقُلْ: لَنْ تَقُومَ أَبَدًا.»

يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: جَبْرُ خَاطِرِ مَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ

وَمِنْ أَعْظَمِ مَشَاهِدِ الْقُرْآنِ مَشْهَدُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. سَنَوَاتٌ مِنَ الأَلَمِ: إِخْوَةٌ أَلْقَوْهُ فِي الْجُبِّ، وَفِرَاقٌ عَنْ أَبِيهِ، وَرِقٌّ، وَفِتْنَةٌ، وَسِجْنٌ.

ثُمَّ تَدُورُ الأَيَّامُوَيَقِفُ الَّذِينَ كَانُوا سَبَبًا فِي أَوَّلِ الْقِصَّةِ أَمَامَهُ وَهُوَ عَزِيزُ مِصْرَ.

إِنَّهَا اللَّحْظَةُ الَّتِي يَسْتَطِيعُ فِيهَا الإِنْسَانُ أَنْ يَنْتَقِمَ، وَلَكِنْ مَاذَا قَالَ؟ ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾. لَمْ يَقُلْ: الْآنَ عَرَفْتُمْ مَنْ أَنَا! لَمْ يَفْتَحْ مِلَفَّاتِ الْمَاضِي، وَلَمْ يَقُلْ: هَلْ تَذْكُرُونَ الْبِئْرَ؟ هَلْ تَذْكُرُونَ طُفُولَتِي؟ هَلْ تَذْكُرُونَ دُمُوعَ أَبِي؟ إِنَّمَا قَالَ: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾. وَهُنَا نَصِلُ إِلَى نَوْعٍ عَظِيمٍ جِدًّا مِنْ جَبْرِ الْخَاطِرِ: أَنْ تَسْتَطِيعَ أَنْ تَنْتَقِمَ ثُمَّ تَخْتَارَ الْعَفْوَ، وَأَنْ تَسْتَطِيعَ أَنْ تُذِلَّ الإِنْسَانَ ثُمَّ تَتْرُكَ لَهُ بَابًا يَعُودُ مِنْهُ مُحْتَرَمًا. لَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْحُقُوقَ تَضِيعُ، وَلَا أَنَّ كُلَّ مُعْتَدٍ يُتْرَكُ بِلَا مُحَاسَبَةٍ، لَكِنَّ هُنَاكَ فَرْقًا بَيْنَ اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ وَبَيْنَ التَّشَفِّي، وَبَيْنَ إِصْلَاحِ الْمُخْطِئِ وَبَيْنَ سَحْقِهِ.

«أَرْقَى أَنْوَاعِ الْقُوَّةِ لَيْسَتْ أَنْ تَسْتَطِيعَ كَسْرَ مَنْ أَخْطَأَ فِي حَقِّكَ؛ بَلْ أَنْ تَمْلِكَ الْقُدْرَةَ عَلَى الرَّدِّ، ثُمَّ تَخْتَارَ مَا هُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ.»

الْمَحْوَرُ الثَّالِثُ: النَّبِيُّ ﷺ وَفَنُّ الِانْتِبَاهِ إِلَى الإِنْسَانِ

وَمِنْ أَجْمَلِ مَا نَتَعَلَّمُهُ مِنْ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَتَعَامَلُ مَعَ النَّاسِ كَأَرْقَامٍ.

كَانَ يَرَى الإِنْسَانَ: يَرَى حُزْنَهُ، وَيَرَى حَاجَتَهُ، وَيَرَى انْكِسَارَهُحَتَّى الطِّفْلَ الصَّغِيرَ.

يَرْوِي أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُخَالِطُهُمْ، وَكَانَ لِأَخِيهِ الصَّغِيرِ طَائِرٌ صَغِيرٌ يَلْعَبُ بِهِ، فَمَاتَ الطَّائِرُ، فَصَارَ الطِّفْلُ حَزِينًا، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَهُ:

«يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

قِفُوا عِنْدَ الْمَشْهَدِ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَائِدُ الأُمَّةِ، تَأْتِيهِ الْوُفُودُ، وَتُقَامُ الدَّوْلَةُ، وَتَنْزِلُ عَلَيْهِ الرِّسَالَةُ... وَمَعَ ذَلِكَ يَتَّسِعُ قَلْبُهُ لِحُزْنِ طِفْلٍ عَلَى عُصْفُورٍ.

«لَيْسَ السُّؤَالُ: هَلْ يَسْتَحِقُّ سَبَبُ الْحُزْنِ كُلَّ هَذَا الْحُزْنِ فِي نَظَرِكَ؟ السُّؤَالُ: هَلْ هُوَ حُزْنٌ حَقِيقِيٌّ فِي قَلْبِ صَاحِبِهِ؟»

قَدْ يَأْتِيكَ طِفْلٌ يَبْكِي لِأَنَّ لُعْبَتَهُ انْكَسَرَتْ؛ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْكَ لُعْبَةٌ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ عَالَمٌ صَغِيرٌ انْهَارَ، وَجَبْرُ الْخَاطِرِ أَلَّا تَسْخَرَ. قَدْ يَقُولُ لَكَ شَابٌّ: «لَمْ أُقْبَلْ فِي الْكُلِّيَّةِ الَّتِي أُحِبُّهَا»، فَتَقُولُ: «وَهَلْ هَذِهِ مُشْكِلَةٌ؟!». بِالنِّسْبَةِ إِلَيْكَ لَيْسَتْ مُشْكِلَةً، أَمَّا هُوَ فَقَدْ بَنَى عَلَيْهَا أَحْلَامَ سَنَوَاتٍ. قَدْ تَأْتِي الزَّوْجَةُ مُتْعَبَةً مِنْ شَيْءٍ تَرَاهُ بَسِيطًا؛ فَلَا تَقُلْ: «أَنْتُنَّ النِّسَاءُ تُكَبِّرْنَ الأُمُورَ!»، اسْمَعْ؛ فَالِاسْتِمَاعُ نَفْسُهُ قَدْ يَكُونُ جَبْرًا.

قِصَّةُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَطَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا

وَفِي قِصَّةِ تَوْبَةِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بَعْدَ الْمِحْنَةِ الطَّوِيلَةِ الَّتِي عَاشَهَا حِينَ خُلِّفَ أَمْرُهُ خَمْسِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ قَبُولَ تَوْبَتِهِ... ذَهَبَ إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ يُهَنِّئُونَهُ. ثُمَّ حَدَثَ شَيْءٌ لَمْ يَنْسَهُ كَعْبٌ بَقِيَّةَ عُمْرِهِ؛ يَقُولُ:

«قَامَ إِلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ، حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّأَنِي»، ثُمَّ قَالَ كَعْبٌ: «وَلَا أَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

تَأَمَّلُوا هَذِهِ الْعِبَارَةَ: «وَلَا أَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ». لِمَاذَا؟ لِأَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَنْسَى مِئَاتِ الْمَجَالِسِ... لَكِنْ قَلَّ أَنْ يَنْسَى مَنْ وَقَفَ مَعَهُ فِي سَاعَةِ انْكِسَارِهِ.

«النَّاسُ قَدْ يَنْسَوْنَ مَنْ شَارَكَهُمْ مَوَائِدَ الْفَرَحِ، لَكِنَّهُمْ لَا يَنْسَوْنَ بِسُهُولَةٍ مَنْ جَلَسَ إِلَى جِوَارِهِمْ حِينَ خَلَتِ الْمَقَاعِدُ فِي سَاعَةِ الْحُزْنِ.»

اسْأَلْ نَفْسَكَ: مَنِ الإِنْسَانُ الَّذِي لَا أَنْسَاهُ لِأَنَّهُ وَقَفَ مَعِي فِي مِحْنَةٍ؟ ثُمَّ اسْأَلْ سُؤَالًا أَصْعَبَ: مَنِ الَّذِي سَيَقُولُ يَوْمًا عَنِّي: لَا أَنْسَاهَا لَهُ؟

الْمَحْوَرُ الرَّابِعُ: الْجَبْرُ لَيْسَ مَالًا فَقَطْ

حِينَ نَقُولُ جَبْرَ الْخَوَاطِرِ، يَذْهَبُ بَعْضُ النَّاسِ مُبَاشَرَةً إِلَى الصَّدَقَاتِ. وَالصَّدَقَةُ بَابٌ عَظِيمٌ، لَكِنَّ جَبْرَ الإِنْسَانِ أَوْسَعُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). كَلِمَةٌ... لَيْسَتْ مَبْلَغًا مَالِيًّا، وَلَيْسَتْ مَشْرُوعًا خَيْرِيًّا ضَخْمًا؛ كَلِمَةٌ. وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ فِي جَيْبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا ثَرْوَةً يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا كُلَّ يَوْمٍ. كَمْ تُكَلِّفُكَ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ؟

«جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا».

«أَحْسَنْتَ».

«أَنَا فَخُورٌ بِمَا فَعَلْتَ».

«وُجُودُكَ مُهِمٌّ».

«أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَفْتَحَ عَلَيْكَ».

«أَعْرِفُ أَنَّكَ تَعِبْتَ».

«لَمْ تُوَفَّقْ هَذِهِ الْمَرَّةَ، لَكِنْ حَاوِلْ مَرَّةً أُخْرَى».

«أَنَا سَامَحْتُكَ».

«لَا تَحْمِلْ هَمًّا، سَنَبْحَثُ عَنْ حَلٍّ».

«رَحِمَ اللَّهُ فَقِيدَكَ، وَأَنَا إِلَى جَانِبِكَ فِيمَا تَحْتَاجُ».

هَذِهِ الْكَلِمَاتُ لَا تُكَلِّفُ شَيْئًا، لَكِنَّ بَعْضَهَا قَدْ يُسَاوِي عِنْدَ صَاحِبِهِ كُنُوزًا. لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:

«لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ».

وَهَذَا يُعَالِجُ مَرَضًا خَطِيرًا فِي حَيَاتِنَا: نَحْنُ نُحِبُّ الأَعْمَالَ الْكَبِيرَةَ: مَشْرُوعًا كَبِيرًا، تَبَرُّعًا كَبِيرًا، مُبَادَرَةً كَبِيرَةً... لَكِنَّ الإِسْلَامَ يُعَلِّمُكَ أَلَّا تَحْتَقِرَ الصَّغِيرَةَ: ابْتِسَامَةً، رِسَالَةً، اتِّصَالًا، زِيَارَةً، ثَنَاءً صَادِقًا، إِفْسَاحَ مَكَانٍ، حَمْلَ حَاجَةٍ، تَطْيِيبَ قَلْبٍ، إِعْطَاءَ فُرْصَةٍ ثَانِيَةٍ.

«الْمُشْكِلَةُ أَنَّنَا نَنْتَظِرُ فُرْصَةً لِصُنْعِ مَعْرُوفٍ عَظِيمٍ، فَتَضِيعُ مِنَّا كُلَّ يَوْمٍ عَشَرَاتُ فُرَصِ الْمَعْرُوفِ الصَّغِيرِ.»

الْمَحْوَرُ الْخَامِسُ: مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِجَبْرِ خَاطِرِكَ؟ أَوَّلًا: الْوَالِدَانِ

قَدْ يَكْبَرُ الأَبُ، وَيَقِلُّ دَوْرُهُ فِي الْحَيَاةِ، كَانَ يَوْمًا صَاحِبَ الْقَرَارِ، وَصَاحِبَ الْمَالِ، وَصَاحِبَ الْبَيْتِ، ثُمَّ يُصْبِحُ يَسْأَلُ أَبْنَاءَهُ عَنْ أَشْيَاءَ كَانَ هُوَ يُعَلِّمُهُمْ إِيَّاهَا. احْذَرْ أَنْ تُشْعِرَهُ أَنَّهُ أَصْبَحَ عِبْئًا، وَحِينَ تُعِيدُ عَلَيْهِ الْمَعْلُومَةَ لِلْمَرَّةِ الْعَاشِرَةِ، تَذَكَّرْ كَمْ أَعَادَ عَلَيْكَ الْكَلِمَةَ فِي طُفُولَتِكَ مِئَةَ مَرَّةٍ.

وَكَذَلِكَ الأُمُّ؛ قَدْ لَا تَحْتَاجُ مِنْكَ مَالًا، بَلْ تَحْتَاجُ أَنْ تَسْتَشِيرَهَا، أَنْ تَقُولَ لَهَا: «مَا رَأْيُكِ يَا أُمِّي؟» حَتَّى لَوْ كُنْتَ تَعْرِفُ مَا سَتَفْعَلُ؛ فَالشُّعُورُ بِأَنَّ الإِنْسَانَ مَا زَالَ مُهِمًّا لَوْنٌ مِنْ أَلْوَانِ الْبِرِّ.

ثَانِيًا: الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ

وَمِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ حَاجَةً إِلَى جَبْرِ الْخَاطِرِ مَنْ يَعِيشُ مَعَكَ كُلَّ يَوْمٍ. الْعَجِيبُ أَنَّنَا نُوَزِّعُ أَجْمَلَ كَلِمَاتِنَا خَارِجَ الْمَنْزِلِ؛ نَبْتَسِمُ لِلْمُوَظَّفِينَ، وَنَشْكُرُ الزُّمَلَاءَ، وَنُجَامِلُ الْغُرَبَاءَ، ثُمَّ نَدْخُلُ الْبَيْتَ وَقَدِ انْتَهَى رَصِيدُ الأَخْلَاقِ! كَمْ زَوْجَةٍ صَنَعَتْ طَعَامًا سَاعَاتٍ، وَكَانَ يَكْفِيهَا: «بَارَكَ اللَّهُ فِيكِ، سَلِمَتْ يَدَاكِ»، وَكَمْ زَوْجٍ تَعِبَ يَوْمَهُ كُلَّهُ، وَكَانَ يَكْفِيهِ: «اللَّهُ يُقَوِّيكَ، نَعْرِفُ تَعَبَكَ لِأَجْلِ الْبَيْتِ».

«لَا تَجْعَلِ الْغُرَبَاءَ يَأْخُذُونَ أَجْمَلَ أَخْلَاقِكَ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى بَيْتِكَ مَا تَبَقَّى مِنْهَا.»

ثَالِثًا: الأَبْنَاءُ

أَشَدُّ مَا يُخِيفُ أَنْ يُرَبَّى الطِّفْلُ عَلَى أَنَّ حُبَّ أَبِيهِ وَأُمِّهِ مَشْرُوطٌ بِالتَّفَوُّقِ؛ إِذَا جَاءَ بِدَرَجَةٍ عَالِيَةٍ: «أَنْتَ بَطَلٌ»، وَإِذَا أَخْفَقَ: «فَضَحْتَنَا!». الِابْنُ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَعْرِفَ: «أَنَا أَرْفُضُ خَطَأَكَ، لَكِنَّنِي لَا أَرْفُضُكَ؛ سَأُحَاسِبُكَ، لَكِنَّنِي لَنْ أُهِينَكَ؛ سَأُرَبِّيكَ، لَكِنَّنِي لَنْ أُحَطِّمَكَ».

«التَّرْبِيَةُ لَيْسَتْ أَنْ تَكْسِرَ الطِّفْلَ حَتَّى يُطِيعَكَ، وَإِنَّمَا أَنْ تَبْنِيَهُ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ يَوْمًا عَنْ مُرَاقَبَتِكَ.»

رَابِعًا: الْمُتَعَثِّرُ وَالْخَاسِرُ

هُنَاكَ إِنْسَانٌ يَدْخُلُ عَلَيْنَا بَعْدَ خَسَارَةٍ: تِجَارَةٌ انْهَارَتْ، زَوَاجٌ انْتَهَى، وَظِيفَةٌ فَقَدَهَا، امْتِحَانٌ أَخْفَقَ فِيهِ...

أَوَّلُ خَطَأٍ نَفْعَلُهُ هُوَ التَّحْقِيقُ: «قُلْتُ لَكَ! لِمَاذَا فَعَلْتَ؟ أَلَمْ أُحَذِّرْكَ؟ مَنِ السَّبَبُ؟ أَيْنَ ذَهَبَ الْمَالُ؟». كُلُّ هَذِهِ الأَسْئِلَةِ قَدْ يَأْتِي وَقْتُهَا، لَكِنْ لَيْسَ فِي اللَّحْظَةِ الأُولَى؛ فِي اللَّحْظَةِ الأُولَى هُنَاكَ إِنْسَانٌ يَنْزِفُ مَعْنَوِيًّا، أَوْقِفِ النَّزِيفَ أَوَّلًا، ثُمَّ نَاقِشِ الأَسْبَابَ.

«وَقْتُ الِانْكِسَارِ لَيْسَ دَائِمًا وَقْتَ الْمُحَاضَرَةِ؛ أَحْيَانًا يَحْتَاجُ الإِنْسَانُ كَتِفًا قَبْلَ أَنْ يَحْتَاجَ دَرْسًا.»

خَامِسًا: الْمُذْنِبُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَوْدَةَ

مِنْ أَشَدِّ مَا يُغْلِقُ أَبْوَابَ التَّوْبَةِ أَنْ نَجْعَلَ الْعَائِدَ يَعِيشُ أَسِيرَ مَاضِيهِ؛ كُلَّمَا جَلَسَ قَالُوا: «تَذْكُرُ يَوْمَ فَعَلْتَ؟»، وَكُلَّمَا تَكَلَّمَ قَالُوا: «وَمُنْذُ مَتَى أَصْبَحْتَ صَالِحًا؟». إِنْ كَانَ اللَّهُ قَدْ فَتَحَ لَهُ بَابَ التَّوْبَةِ، فَلَا تَجْعَلْ نَفْسَكَ حَارِسًا يَمْنَعُهُ مِنَ الدُّخُولِ. نَعَمْ، نَحْذَرُ مِنَ الْمُخَادِعِ، وَنَحْفَظُ الْحُقُوقَ، لَكِنَّ التَّائِبَ الصَّادِقَ لَا يُعَانُ عَلَى تَوْبَتِهِ بِتَذْكِيرِهِ كُلَّ يَوْمٍ بِأَخْطَائِهِ الْقَدِيمَةِ.

«بَعْضُ النَّاسِ لَا يَسْمَحُ لَكَ أَنْ تَتَغَيَّرَ؛ لِأَنَّهُ أَحَبَّ النُّسْخَةَ الْقَدِيمَةَ مِنْكَ، لِيَظَلَّ قَادِرًا عَلَى اتِّهَامِكَ بِهَا.»

الْمَحْوَرُ السَّادِسُ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَجَبْرُ مَنْ آذَاهُ

وَهُنَا مَوْقِفٌ مِنْ أَعْجَبِ الْمَوَاقِفِ؛ فِي حَادِثَةِ الإِفْكِ، كَانَ مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ مِمَّنْ خَاضَ فِيمَا خَاضَ فِيهِ النَّاسُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُنْفِقُ عَلَيْهِ لِقَرَابَتِهِ وَفَقْرِهِ. فَلَمَّا وَقَعَ مَا وَقَعَ فِي عِرْضِ ابْنَتِهِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّهُ لَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا شُعُورٌ بَشَرِيٌّ مَفْهُومٌ. لَكِنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ يَقُولُ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: «بَلَى وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي»، وَأَعَادَ إِلَيْهِ النَّفَقَةَ.

تَأَمَّلُوا... لَمْ يَكُنِ الَّذِي أَمَامَ أَبِي بَكْرٍ إِنْسَانًا لَمْ يُخْطِئْ، بَلْ آذَاهُ فِي أَعَزِّ مَا يَمْلِكُ، لَكِنَّ الْقُرْآنَ نَقَلَ قَلْبَ أَبِي بَكْرٍ مِنْ: «مَاذَا فَعَلَ بِي هَذَا الإِنْسَانُ؟» إِلَى: «مَاذَا أُحِبُّ أَنْ يَفْعَلَ اللَّهُ بِي؟».

«أَحْيَانًا لَا تَعْفُو لِأَنَّ الآخَرَ يَسْتَحِقُّ الْعَفْوَ، وَإِنَّمَا تَعْفُو لِأَنَّكَ أَنْتَ تُحِبُّ مَغْفِرَةَ اللَّهِ.»

وَهَذَا لَا يُلْغِي الْحُقُوقَ، وَلَا يُلْزِمُ الْمَظْلُومَ أَنْ يُعِيدَ كُلَّ عَلَاقَةٍ إِلَى صُورَتِهَا الْقَدِيمَةِ، لَكِنَّهُ يَفْتَحُ أَمَامَ الْقَلْبِ أُفُقًا أَعْلَى مِنَ الِانْتِقَامِ.

الْمَحْوَرُ السَّابِعُ: سَبْعُ طُرُقٍ نَكْسِرُ بِهَا الْخَوَاطِرَ وَنَحْنُ نَظُنُّ أَنَّنَا نَنْصَحُ

النَّصِيحَةُ أَمَامَ النَّاسِ: النَّصِيحَةُ عَلَى الْمَلَإِ قَدْ تَتَحَوَّلُ مِنْ إِصْلَاحٍ إِلَى فَضِيحَةٍ؛ اخْتَرِ الْوَقْتَ، وَاخْتَرِ الْمَكَانَ، وَاحْفَظْ لِلإِنْسَانِ كَرَامَتَهُ. الْمُقَارَنَةُ: «لِمَاذَا لَسْتَ مِثْلَ أَخِيكَ؟»، «انْظُرْ إِلَى فُلَانٍ!»؛ الْمُقَارَنَةُ لَا تَبْنِي دَائِمًا مُنَافَسَةً، بَلْ أَوْرَثَتْ أَحْيَانًا حِقْدًا وَشُعُورًا دَائِمًا بِالنَّقْصِ. السُّخْرِيَةُ مِنَ الأَلَمِ: «لِهَذِهِ الدَّرَجَةِ أَنْتَ حَسَّاسٌ؟»، «كُلُّ هَذَا بِسَبَبِ هَذَا الأَمْرِ؟»؛ مَنْ أَعْطَاكَ مِقْيَاسَ آلَامِ النَّاسِ؟

فَتْحُ مِلَفَّاتِ الْمَاضِي: كُلَّمَا أَخْطَأَ خَطَأً جَدِيدًا أُخْرِجَ أَرْشِيفُ عَشْرِ سَنَوَاتٍ؛ نَاقِشِ الْخَطَأَ الْحَاضِرَ، وَلَا تَجْعَلِ الإِنْسَانَ يَشْعُرُ أَنْ لَا سَبِيلَ لِمَحْوِ أَيِّ صَفْحَةٍ مِنْ حَيَاتِهِ. الْمَنُّ بِالْمَعْرُوفِ: تُسَاعِدُهُ، ثُمَّ كُلَّمَا اخْتَلَفْتَ مَعَهُ قُلْتَ: «نَسِيتَ مَاذَا فَعَلْتُ لَكَ؟»، وَهُنَا نَفْهَمُ مَرَّةً أُخْرَى قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾. الْوُعُودُ الْكَاذِبَةُ بِاسْمِ الْمُوَاسَاةِ: لَيْسَ جَبْرُ الْخَاطِرِ أَنْ تَكْذِبَ؛ كَأَنْ تَقُولَ «سَأَحُلُّ مُشْكِلَتَكَ» وَأَنْتَ لَا تَسْتَطِيعُ، أَوْ «الأَمْرُ مَضْمُونٌ» وَأَنْتَ لَا تَعْرِفُ؛ الْجَبْرُ الصَّادِقُ أَنْ تَقُولَ: «لَا أَمْلِكُ حَلًّا الآنَ، لَكِنَّنِي لَنْ أَبْخَلَ بِمَا أَسْتَطِيعُ».

تَحْوِيلُ كُلِّ حُزْنٍ إِلَى مَوْعِظَةٍ: أَنَّى قَالَ لَكَ إِنْسَانٌ: «أَنَا مُتْعَبٌ»، فَأَجَبْتَهُ بِخُطْبَةٍ كَامِلَةٍ؛ هُوَ يَعْرِفُ الآيَاتِ وَيَعْلَمُ أَنَّ الصَّبْرَ وَاجِبٌ، لَكِنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ الآنَ إِلَى مَنْ يَسْمَعُهُ، ثُمَّ إِذَا سَكَنَ قَلْبُهُ حَدَّثْتَهُ عَنِ الصَّبْرِ؛ فَالْحِكْمَةُ لَيْسَتْ فِي صِحَّةِ الْكَلَامِ فَقَطْ، بَلْ فِي: مَتَى يُقَالُ؟ وَكَيْفَ يُقَالُ؟ وَلِمَنْ يُقَالُ؟

الْمَحْوَرُ الثَّامِنُ: جَبْرُ الْخَوَاطِرِ فِي عَصْرِ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ

نَحْنُ الْيَوْمَ قَدْ نَكْسِرُ خَوَاطِرَ أُنَاسٍ لَا نَعْرِفُهُمْ: بِتَعْلِيقٍ، بِسُخْرِيَةٍ، بِصُورَةٍ، بِإِعَادَةِ نَشْرِ خَطَأٍ، بِالتَّنَمُّرِ عَلَى هَيْئَةِ إِنْسَانٍ، عَلَى وَزْنِهِ، عَلَى لُغَتِهِ، عَلَى لَهْجَتِهِ، عَلَى فَقْرِهِ، عَلَى طَرِيقَةِ كَلَامِهِ... ثُمَّ يَقُولُ الْقَائِلُ: «إِنَّهَا مُجَرَّدُ مَزْحَةٍ!»، لَكِنَّهَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَزْحَةٍ لِمَنْ نَامَ لَيْلَتَهُ يَبْكِي بِسَبَبِهَا.

«الْهَاتِفُ الَّذِي فِي يَدِكَ قَدْ يَكُونُ بَابَ أَجْرٍ، وَقَدْ يَكُونُ مِطْرَقَةً تَكْسِرُ بِهَا قَلْبَ إِنْسَانٍ لَمْ تَرَهُ فِي حَيَاتِكَ.»

قَبْلَ أَنْ تَضْغَطَ «إِرْسَالٌ»، اسْأَلْ: هَلْ أَقْبَلُ أَنْ يُقَالَ هَذَا لِابْنِي؟ هَلْ أَقْبَلُهُ لِأُخْتِي؟ هَلْ أَقْبَلُهُ لِأُمِّي؟ إِذَا انْتَشَرَ هَذَا الْكَلَامُ عَنِّي، مَاذَا سَأَشْعُرُ؟ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ قَرِّرْ.

خَاتِمَةٌ

أَيُّهَا الأَحِبَّةُ...

الْحَيَاةُ ثَقِيلَةٌ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا يَحْمِلُ شَيْئًا لَا يَرَاهُ الآخَرُونَ؛ هَذَا يَحْمِلُ دَيْنًا، وَهَذَا يَحْمِلُ مَرَضًا، وَهَذِهِ تَحْمِلُ خَوْفًا عَلَى وَلَدِهَا، وَهَذَا خَرَجَ مِنْ تَجْرِبَةٍ أَوْجَعَتْهُ، وَهَذَا يَضْحَكُ فِي الْمَجْلِسِ، ثُمَّ إِذَا أَغْلَقَ بَابَ غُرْفَتِهِ بَكَى. فَكُونُوا خِفَافًا عَلَى أَرْوَاحِ النَّاسِ؛ لَا تَزِيدُوا الأَثْقَالَ.

قَدْ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُعْطِيَ الْمُحْتَاجَ مَالًالَكِنْ لَا تُهِنْهُ.
وَقَدْ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَشْفِيَ الْمَرِيضَلَكِنْ لَا تَنْسَهُ.
وَقَدْ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُعِيدَ لِلإِنْسَانِ مَا فَقَدَلَكِنْ تَسْتَطِيعُ أَلَّا تَتْرُكَهُ وَحْدَهُ.
وَقَدْ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُغَيِّرَ مَاضِيَ أَحَدٍلَكِنْ رُبَّمَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَجْعَلَ حَاضِرَهُ أَرْحَمَ.
وَقَدْ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَمْحُوَ حُزْنَ أُمِّكَلَكِنْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَجْلِسَ بِقُرْبِهَا.
وَقَدْ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَفْتَحَ لِلنَّاسِ أَبْوَابَ الدُّنْيَالَكِنْ لَا تَكُنْ أَنْتَ مَنْ يُغْلِقُ فِي وُجُوهِهِمْ أَبْوَابَ الأَمَلِ.

وَتَذَكَّرُوا دَائِمًا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ»، وَقَوْلَهُ ﷺ: «وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ».

«عِشْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا بِحَيْثُ إِذَا مَرَّ اسْمُكَ عَلَى قَلْبِ إِنْسَانٍ قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ أَيَّامًا كَانَ فِيهَا هَذَا الإِنْسَانُ جَابِرًا لَا كَاسِرًا.»

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ، وَارْزُقْنَا قُلُوبًا رَحِيمَةً، وَأَلْسِنَةً طَيِّبَةً، وَأَيْدِيَ مُمْتَدَّةً بِالْخَيْرِ. اللَّهُمَّ اجْبُرْ قُلُوبَ الْمُنْكَسِرِينَ، وَنَفِّسْ كَرْبَ الْمَكْرُوبِينَ، وَاشْفِ مَرْضَانَا وَمَرْضَى الْمُسْلِمِينَ، وَارْحَمْ مَوْتَانَا، وَاقْضِ الدَّيْنَ عَنِ الْمَدِينِينَ، وَآنِسْ وَحْشَةَ الْوَحِيدِينَ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ إِذَا حَضَرُوا نَشَرُوا رَحْمَةً، وَإِذَا تَكَلَّمُوا قَالُوا خَيْرًا، وَإِذَا قَدَرُوا عَفَوْا، وَإِذَا رَأَوْا كَسْرًا سَعَوْا فِي جَبْرِهِ.

وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

شارك المقالة

Scroll to Top