رجوع إلى البحوث السياسة الشرعية والشأن العام

عاقبة البغاة.. وسهام الليل التي لا تخطئ

السياسة الشرعية والشأن العامدقيقتان للقراءة٤٠٧ كلمة

الحمد لله قاصم الجبابرة، وهازم القوى الباغية الفاجرة، ممهل الظالمين حتى حين، وناصر المستضعفين ولو بعد سنين، والصلاة والسلام على المبعوث بالسيف والرحمة، وعلى آله وصحبه كاشفي الغمة.

أما بعد؛ فلقد قلّبتُ بصر البصيرة في صحائف الأيام، قبل أربعِ حجاتٍ أو دونها من الأعوام، فنظرتُ إلى أهلنا في مهجر الشام، يتجرعون غصص التشريد والآلام. رأيتُهم في المخيمات الباردة، والديار البائدة، حالهم يحاكي حالنا نحن أهل العراق، كلاهما كابد مرارة الفراق، واكتوى بنار النفاق، وذاق من كأس الحنظل والشقاق.

إذ تكالبت عليهم عصابات الحقد والشعوبية، والطوائف المنحرفة الدموية، فمارسوا أبشع صنوف الانتقام، واستباحوا الحرمات والأنعام، وعاثوا في الأرض فساداً، وأهلكوا الحرث والعباد، ذبحاً بالمدى، وتقتيلاً للردى، وتشريداً في الفيافي والقفار، بلا شفقة ولا ذمام ولا جوار. في تلك الليالي الحوالك، والدروب المهالك، كانت القلوب تشتكي، والعيون تبكي، وكنا نردد في جنح الدجى، وأعيننا ترقب المرتجى: متى نصر الله؟ ومتى ينزل بأسه بمن بغى وطغى وعصاه؟ متى نرى انتقامه من المجرمين، ومحقه للمتكبرين؟ نحن -ورب الكعبة- على يقين بقوته القاهرة، وقدرته الباهرة، ولكن النفوس المكلومة كانت تتوق لشفاء الصدور، وانجلاء الديجور، مصداقاً لقول الخليل: {وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}.

وما هي إلا عشيّةٌ أو ضحاها، حتى تجلّت حكمة الله في علاها، فأرانا فيهم عجائب قدرته، وبدائع سطوته. فرأينا بأم الأعين كيف تهاوت للعتاة عروش، وكيف تفرقت بهم الجيوش، ومُحقت رؤوسٌ كانت تتكبر، وديست تيجانٌ طالما تتجبر! هُجّر البغاة كما هَجّروا، ودُمّروا كما دَمّروا، وسُقوا من نفس الكأس الذي به أسكروا!

فقرّت -واللهِ- عيون المظلومين، وارتاحت أفئدة المنكسرين، وشفيت صدور قوم مؤمنين. وأيقنا يقين العيان، الذي لا يخالطه شك ولا بهتان، أن دعوة المظلوم تخرق حجب العنان، ليس بينها وبين الله حجاب، محمولة على الغمام ومفتحة لها الأبواب.

علمنا أن النصر قد يتأخر لتمحيص الصفوف، وبلوغ القلوب الحناجر والحتوف، وأن الله يُملي للظالم حتى يعلو ويستكبر، ويفجر ويتجبر، فإذا تناهى في غيّه، وتناءى في بغيّه، أخذه أخذ عزيز مقتدر فلم يفلته، وجعله لمن خلفه آية وعبرة، وما ربك بغافل عما يعمل الظالمون. وإلى أولئك الطغاة الذين غرتهم الأيام، فظنوا أن ملكهم سيدوم، أقول بلسان الشعر محذراً ومعتبراً :

أحسَنْتَ ظَنَّكَ بالأَيَّامِ إِذْ حَسُنَتْ ولم تَخَفْ سُوءَ ما يَأْتِي بهِ القَدَرُ وسالَمَتْكَ اللّيالي فاغْتَرَرْتَ بِها وعندَ صَفْوِ اللّيالي يَحْدُثُ الكَدَرُ ظَنَنْتَ أَنَّكَ فِي أَمْنٍ وَفِي دَعَةٍ وَأَنَّ مُلْكَكَ لَا يُفْنِيهِ مُعْتَكَرُ سَفَكْتَ دَمْـعَ الْيَتَامَى ضَاحِكاً بَطِراً وَمَا عَلِمْتَ بِأَنَّ اللهَ مُقْتَدِرُ أُمْهِلْتَ حَتَّـى حَسِبْتَ الأَرْضَ سَاجِدَةً وَالظُّلْمُ مِنْ سَكْرَةِ الطُّغْيَانِ يَفْتَخِرُ فَجَاءَكَ الأَخْذُ مِنْ حَيْثُ احْتَمَيْتَ بِهِ فَدُكَّ عَرْشُكَ لَا عَيْنٌ وَلَا أَثَرُ وَقَرَّتِ العَيْنُ لِلْمَظْلُومِ إِذْ نَظَرَتْ رَأْسَ الطُّغَاةِ بِنَعْلِ الْعَدْلِ يُحْتَقَرُ فَاعْلَمْ بِأَنَّ سِهَامَ اللَّيْلِ صَائِبَةٌ وَإِنْ تَمَادَى بِغَيِّ الظَّالِمِ العُمُرُ

شارك المقالة

Scroll to Top