رجوع إلى البحوث السياسة الشرعية والشأن العام

سُنَّةُ الدَّيَّانِ فِي مَصَارِعِ الطُّغْيَانِ: مِنْ زَمْهَرِيرِ “مَتَى” إِلَى فَلَقِ “قَرِيب”

السياسة الشرعية والشأن العام٤ دقائق للقراءة٦٧٨ كلمة

ا.د.محمد طه السامرائي

الحمدُ للهِ الذي قَهَرَ الجبابرةَ بِعَظَمَتِه، وقَصَمَ الأكاسِرَةَ بِقُوَّتِه، وأدارَ كُؤوسَ المَنَايَا عَلَى مَنْ طَغَى وَتَجَبَّر، فَجَعَلَ عَاقِبَةَ البَغْيِ بَوَاراً، وَلَيْلَ الظَّالِمِينَ وَإِنْ طَالَ دَمَاراً. والصلاةُ والسلامُ على المبعوثِ بالحقِّ سيفاً يقطعُ دابِرَ الباطل، ورحمةً تمسحُ أدمعَ الثكالى، القائلِ في الحديثِ المكرّم: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ».

أَمَّا بَعْد؛ فَلِلأَيَّامِ طَوَايَا لا تُنْشَرُ إِلَّا فِي مِيقَاتِها، وَلِلْمَقَادِيرِ أَسْرَارٌ لا تُسْفِرُ عَنْ وَجْهِهَا إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَبْلُغَ القُلُوبُ الحَنَاجِر. أُسَرِّحُ طَرْفَ الذَّاكِرَةِ فِي صَحَائِفِ أَيَّامِنَا الخَوَالِي، يَوْمَ كُنَّا فِي "عِرَاقِ الرَّشِيد"، نَتَقَلَّبُ عَلَى جَمْرِ الوَعِيد، بَعْدَ عَامِ أَلْفَيْنِ وَثَلاثَةٍ وَمَا تَلَاه، حِينَ هَبَّتْ عَلَيْنَا مِنْ جِهَةِ الشَّرْقِ رِيحٌ صَفْرَاءُ مَسْمُومَة، وَاسْتَيْقَظَتْ فِتْنَةٌ طَائِفِيَّةٌ مَذْمُومَة.

لَقَدْ رَأَيْنَا مَا فَعَلَتْهُ "إِيرَانُ" وَأَذْنَابُهَا، مِنْ حِقْدٍ دُفِنَتْ فِي الصُّدُورِ نَارُه، وَانْكَشَفَتْ فِي الرَّافِدَيْنِ شَرَارُه. سُقِينا كؤوسَ التَّسفيهِ والمَذَلَّة، ومُورِسَ ضدَّنا من القتلِ والتَّعذيبِ في سُجونِ القهرِ مراحلَ مُتعدِّدة، أَعْمَلُوا فِي رِقَابِنَا خَنَاجِرَ الغَدْر، حَتَّى اسْتَحَالَتْ نَهَارَاتُنَا إِلَى لَيْلٍ بَهِيم، لا يُسْمَعُ فِيهِ إِلَّا أَنِينُ مَكْلُوم، أَوْ صُرَاخُ يَتِيم.

وَلَمَّا بَلَغَ السِّكِّينُ العَظْم، وَضَاقَتْ بِنَا الأَرْضُ بِمَا رَحُبَت، خَرَجْنَا فِي سَاحَاتِ العِزِّ وَالكَرَامَةِ بِمُظَاهَرَاتٍ سِلْمِيَّة، بِصُدُورٍ عَارِيَةٍ وَحَنَاجِرَ صَادِحَة. كُنْتُ أَقِفُ فِي خِضَمِّ تِلْكَ الجُمُوع، أُقْسِمُ بِاللَّهِ جَهْدَ الأَيْمَانِ أَنَّ النَّصْرَ حَلِيفُنَا، وَأَنَّ لَيْلَ الظُّلْمِ مَبْتُور.. فَإِذَا بِالظُّلْمِ يَزْدَادُ ضَرَاوَة، وَإِذَا بِالتَّنْكِيلِ يَبْلُغُ فِي القَسْوَةِ مَدَاه! وَمَا عَلِمْتُ حِينَهَا - لِقِصَرِ نَظَرِ البَشَر - أَنَّ عَقَارِبَ السَّاعَةِ لا تَدُورُ بِأَمَانِينَا، بَلِ التَّوْقِيتُ بِيَدِ خَالِقِ القَدَر، يُرْخِي الحَبْلَ لِيَزْدَادُوا إِثْماً، قَبْلَ أَنْ يَقْصِمَ ظُهُورَهُمْ حَتْماً. وَلَمْ يَقِفْ طُوفَانُ الحِقْدِ عِنْدَ ضِفَافِ دِجْلَةَ وَالفُرَات، بَلْ زَحَفَ كَأَفْعَى رَقْطَاءَ إِلَى "شَامِ العِزِّ وَالأُمَوِيِّين".

هُنَالِكَ، حَيْثُ تَجَلَّى أَبْشَعُ مَا عَرَفَتْهُ الإِنْسَانِيَّةُ مِنْ طُغْيَان؛ قَصْفٌ يَهْدِمُ الصَّيَاصِي، وَتَنْكِيلٌ تَتَفَطَّرُ لَهُ الرَّوَاسِي. وَلَمَّا تَخَلَّى عَنْهُمْ أَهْلُ الأَرْض، رَفَعُوا تِلْكَ الصَّرْخَةَ المُدَوِّيَةَ الَّتِي زَلْزَلَتْ أَبْوَابَ السَّمَاء: "يَا أَللَّهُ.. مَالَنَا غَيْرُكَ يَا أَللَّه!".. صَرْخَةٌ خَرَجَتْ مِنْ حَنَاجِرَ جَفَّ فِيهَا الرِّيق، وَصُدُورٍ هَدَّهَا التَّمْزِيق.

وَنَاهِيكَ بِمَا جَرَّتْهُ تِلْكَ الأَيَادِي الآثِمَةُ مِنْ خَرَابٍ فِي "يَمَنِ الحِكْمَةِ" فَاسْتَحَالَ شَقَاءً وَدَمَاراً، وَفِي "لُبْنَانَ البَيَانِ" فَغَدَا رَهِينَةً لِلأَحْزَان.

وَفِي غَمْرَةِ هَذَا الخَطْبِ المُدْلَهِمّ، وَلَمَّا كُنْتُ أَرَى كَمِّيَّةَ الظُّلْم، وَأُشَاهِدُ تَبَخْتُرَ الظَّالِمِين، وَمَدَّهُمْ فِي غَيِّهِمْ يَعْمَهُون، يَلْبَسُونَ الحَرِير، وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّه..

اسْتَبْطَأْتُ نُزُولَ التَّأْيِيدِ وَسَيْفَ السَّمَاء، وَاعْتَلَجَتْ فِي صَدْرِي لَوَاعِجُ النَّفْسِ المَكْلُومَة، فَصَرَخْتُ مَعَ الصَّارِخِينَ فِي دَيَاجِيرِ المِحَن: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾؟

غَيْرَ أَنَّ عِنَايَةَ اللَّطِيفِ الخَبِيرِ لَمْ تَتْرُكْنِي فِي بَيْدَاءِ الشَّكّ، بَلْ كَانَتْ تَتَدَارَكُنِي بِمُبَشِّرَاتٍ مِنْ رَحِمِ الغَيْب، كُنْتُ أَرَى رُؤًى فِي المَنَامِ تَأْتِينِي كَفَلَقِ الصُّبْح، لِتُعَزِّزَ قَضِيَّةَ زَوَالِهِمْ، تَتَعَدَّدُ صُوَرُهَا شَتَّى، وَالمَعْنَى فِيهَا وَاحِدٌ لا رَيْبَ فِيه: دَوْلَةُ الظُّلْمِ سَاعَة، وَزَوَالُهُمْ حَتْمٌ وَإِنْ طَالَ المَدَى.

تَذَكَّرْتُ حِينها مَوْعِظَةَ الأَيَّامِ، حِينَ سَأَلَ الابْنُ أَبَاهُ يَحْيَى بْنَ خَالِدٍ البَرْمَكِيّ وَهُمَا فِي القُيُودِ بَعْدَ العِزِّ وَالتَّبَخْتُر: "يَا أَبَتِ، بَعْدَ الأَمْرِ وَالنَّهْيِ صِرْنَا إِلَى هَذَا؟" فَأَجَابَهُ بِلِسَانِ العَارِفِ بِسُنَنِ الدَّيَّان: "يَا بُنَيّ، دَعْوَةُ مَظْلُومٍ سَرَتْ بِلَيْلٍ غَفَلْنَا عَنْهَا، وَلَمْ يَغْفُلِ اللَّهُ عَنْهَا".

وَاليَوْمَ..! وَيَا لَرَوْعَةِ اليَوْمِ حِينَ تَنْطِقُ الأَقْدَار!

أَقِفُ مَبْهُوتاً أَمَامَ مَصَارِعِ القَوْم، وَأَرَى بِأُمِّ عَيْنِي كَيْفَ دَارَتْ عَلَيْهِمْ دَوَائِرُ السَّوْء. لَقَدْ أَبْدَعَ المَوْلَى - جَلَّ جَلالُهُ - فِي إِهْلَاكِ الظَّالِمِينَ قَتْلاً وَفَتْكاً، مَكْراً بِتَدْبِير، وَنَقْضاً لِتَأْسِيس. رَأَيْنَا كَيْفَ فُعِلَ بِهِمْ مِمَّنْ تَحَالَفُوا مَعَهُ بِالأَمْسِ ضِدَّ الأَبْرِيَاء العُزَّل؛ بَاعُوهُمْ بِأَبْخَسِ الأَثْمَان، وَأَسْلَمُوهُمْ لِمَهَاوِي الرَّدَى، فَمُزِّقُوا شَرَّ مُمَزَّق، مِصْدَاقاً لِحَقِيقَةِ القُرْآنِ المُدَوِّيَة: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.

وَلِلَّهِ دَرُّ الشَّاعِرِ حِينَ صَاغَ نِهَايَةَ الطُّغَاةِ شِعْراً مُخَلَّداً يَضْرِبُ فِي جُذُورِ التَّارِيخ:

لا تَظْلِمَنَّ إِذا ما كُنْتَ مُقْتَدِراًفَالظُّلْمُ مَرْتَعُهُ يُفْضِي إِلى النَّدَمِ
تَنامُ عَيْنُكَ والمَظْلومُ مُنْتَبِهٌيَدْعُو عَلَيْكَ وَعَيْنُ اللَّهِ لَمْ تَنَمِ

وَكَمَا قِيلَ فِي الأَثَرِ الشِّعْرِيّ المُوجِع:

وَمَا مِنْ يَدٍ إِلاَّ يَدُ اللَّهِ فَوْقَهَاوَمَا ظَالِمٌ إِلاَّ سَيُبْلَى بِأَظْلَمِ

لَقَدِ انْقَشَعَ غَيْمُ اسْتِبْطَائِي، وَازْدَادَ يَقِينِي اليَوْمَ بِنِدَاءِ السَّمَاءِ القَاطِع: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾.

إِنَّهَا "سُنَّةُ اللَّهِ" فِي خَلْقِه، وَقَاعِدَتُهُ الصَّارِمَةُ الَّتِي لا تَتَبَدَّلُ وَلا تَتَغَيَّر. نَحْنُ - وَاللَّهِ - مُؤْمِنُونَ سَلَفاً بِقَضَائِهِ وَعَدْلِه، لَمْ نَشُكَّ يَوْماً فِي نَصْرِه، بَيْدَ أَنَّنَا لَمَّا رَأَيْنَا مَصَارِعَهُمُ اليَوْم، أَرَدْنَا أَنْ نَزْدَادَ إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِنَا، وَتَمَثَّلْنَا قَوْلَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قَالَ: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾.

لَقَدْ عَلِمْنَا عِلْمَ اليَقِينِ، أَنَّ أَنَّاتِ المُعَذَّبِينَ فِي العِرَاق، وَصَرَخَاتِ المُشَرَّدِينَ فِي الشَّام، وَدُمُوعَ المَكْلُومِينَ فِي اليَمَنِ وَلُبْنَان، لَمْ تَذْهَبْ سُدًى، بَلْ صَعِدَتْ كَشَرَرٍ أَحْرَقَ حُصُونَهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُون.. ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

شارك المقالة

Scroll to Top