رجوع إلى البحوث السياسة الشرعية والشأن العام

نهاية رقعة الشطرنج: حتمية المسار الواحد وتقليم أظافر الهيمنة

السياسة الشرعية والشأن العام٣ دقائق للقراءة٤٤٣ كلمة

ا.د. محمد طه السامرائي

في عالم السياسة، لا تُقاس قوة الدول بحجم تمددها في لحظة الفوضى الجيوسياسية، بل بقدرتها على استدامة ذلك التمدد وحمايته. وكل مطلع يقرأ موازين القوى بعيداً عن العواطف أو الشعارات، يرى أننا نقف أمام لحظة فاصلة في تاريخ الشرق الأوسط: مشروع الهيمنة الإيراني عبر استراتيجية "الوكلاء" أو الأذرع الإقليمية قد اصطدم بجدار الحتمية.

لقد تبخرت الخيارات الرمادية، ولم يبقَ على الطاولة سوى مسارين ظاهرهما مختلف وباطنهما يحمل نتيجة واحدة: إما التدمير الشامل، أو الاستسلام المذعن.

وهم الخيارات: لماذا تتقاطع الطرق؟

لقد استثمرت طهران عقوداً في بناء "دفاعها المتقدم"، معتمدة على تصدير أزماتها ودفع وكلائها للخطوط الأمامية لتجنب أي مواجهة مباشرة على أراضيها. لكن معادلة الردع هذه استُنزفت ووصلت إلى أقصى حدودها .

مسار التدمير: الاستمرار في المكابرة ومحاولة إنقاذ شبكة الأذرع المتهالكة سيعني الدخول في استنزاف عسكري مباشر ومفتوح مع قوى تتفوق تكنولوجياً واقتصادياً.

هذا المسار لن يؤدي إلا إلى التفكيك العنيف والممنهج للبنية التحتية لهذه الأذرع، وصولاً إلى استهداف المركز نفسه.

مسار الاستسلام

الذهاب إلى طاولة المفاوضات في ظل الانهيار المتسارع لخطوط الدفاع الأولى ليس تفاوضاً سياسياً لتبادل التنازلات، بل هو في العرف السياسي "إملاء لشروط الهزيمة".

في كلتا الحالتين، المحصلة الجيوسياسية هي ذاتها: تجريد المركز من أدوات نفوذه الإقليمية.

شروط البقاء هي ذاتها شروط الاستسلام

إذا افترضنا أن العقل البراغماتي سيطغى في النهاية لتجنب السقوط الكامل للمركز، واختارت القيادة تجرع "كأس السم" مرة أخرى، فإن الشروط التي ستُطرح عليها لن تكون مجرد تسويات دبلوماسية، بل خريطة استسلام هيكلية تعيد صياغة المنطقة وتتضمن:

1. تفكيك البنية العسكرية للأذرع

نزع السلاح الاستراتيجي للميليشيات بالكامل، وتحويل ما يتبقى منها إلى كيانات سياسية منزوعة المخالب، خاضعة لسيادة دولها (في لبنان، العراق، اليمن، وسوريا) دون أي ارتباط عضوي أو مالي بالخارج.

2. الانكفاء الجغرافي الفعلي

التراجع الكامل إلى داخل الحدود الدولية، وتفكيك شبكات الإمداد اللوجستي والاستخباري التي تمتد عبر دول المشرق العربي وصولاً إلى البحر الأحمر.

3. تسليم الأوراق الاستراتيجية

التخلي التام والنهائي عن البرامج التي شكلت أدوات التهديد الإقليمي، وعلى رأسها البرنامج النووي ذو الأبعاد العسكرية، وبرامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، مع قبول آليات تفتيش اقتحامية غير مسبوقة تضمن عدم العودة إليها.

4. الخضوع لترتيبات أمنية جديدة

القبول بأن تصبح جزءاً من نظام أمني إقليمي يُحيد قدرتها على التدخل في الشؤون الداخلية لجيرانها بشكل قاطع، كشرط وحيد وأساسي لرفع طوق العزلة والعقوبات الاقتصادية الخانقة التي تهدد الجبهة الداخلية.

الخلاصة السياسية

القاعدة الذهبية في العلاقات الدولية تنص على أن "من لا يستطيع حماية أوراقه، سيُجبر على تسليمها". سواء اختارت طهران القتال العبثي حتى آخر رمق لآخر ميليشيا تابعة لها، أو اختارت التوقيع على شروط البقاء، فإن النتيجة الحتمية قد كُتبت: نهاية حقبة الهيمنة الإقليمية.

الطريقان، وإن اختلفا في حجم الدماء والدمار، يؤديان إلى نفس النقطة:

عودة الدولة إلى حدودها، وتحول "الامبراطورية الوكيلة" إلى مجرد فصل من فصول التاريخ السياسي الذي انتهت صلاحيته.

شارك المقالة

Scroll to Top