الحمدُ لله الذي جعل عاقبة البغي إلى بوار، وأحال ليل الظالمين إلى نهار، ومكر بالماكرين فجعل كيدهم في تبار. أما بعد؛ فإن للدهر تقلباتٍ تُذيب الجَلْمَد، وللأيام صروفاً تُشيب الوَلَد. وإنَّ عين البصيرة إذا رمدت بغبار المصائب، جلاها يقينُ الوعد الصادق وعجائبُ العواقب. وإنَّ قلمي ليرتجف بين أناملي، لا من عيٍّ في البيان، ولكن من هول ما اختلج في الوجدان، وأنا أسترجع مشاهد ليلٍ طال اعتكاره، وظلمٍ استطال أشراره، قبل أن ينبلج فجر اليقين.
١. جراحُ الرافدين.. والليلُ الطويل
حين ضربت الفتنة أطنابها في ربوع الرافدين بعد عام ألفين وثلاثة، وأرخت الطائفية سدولها المظلمة، تكالبت على أمتنا الذئاب من كل حدبٍ وصوب.
وانساح خراجُ الحقد من الشرق، حيث ساقت "إيران" وأذنابها قطعان البغي؛ فعاثوا في الأرض فساداً، وأهلكوا الحرث والنسل.
كنا نرى الحقد يُصبُّ صبّاً، والتعذيب يُمارس فنوناً، والتسفيه يُنشر جنوناً. سالت دماءٌ زكيات، وزُهقت أرواحٌ بريئات، في متواليةٍ من القهر لا تكاد تنقضي. فلما طفح الكيل، وبلغ السيل الزُّبى، خرجنا بصدورٍ عارية وحناجر تصدح بالسلمية والمطالبة بالحق. كنتُ أقسمُ يومها على النصر إيمانًا ويقيناً، فما زادهم ذلك إلا بغيًا وطغيانًا، وتقتيلاً وعدوانًا.
وكنت أقول في نفسي والأسى يعتصرها: إن التوقيت بيد الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة، وأن تأخير الفرج ليس منعاً، بل هو إملاءٌ للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.
٢. أنينُ الشام.. ونداءُ الخذلان
ولم يقتصر أنين الجراح على دجلة والفرات، بل امتد ليعانق بردى وقاسيون.
هنالك في الشام، حيث تجلت أبشع صور التوحش البشري.
رأيناهم تحت البراميل المتفجرة، وبين الأنقاض المدمرة، يرفعون سبابتهم للسماء، وتشق حناجرهم حُجب الغيم بنداءٍ يصدع الجبال: "يا الله... مالنا غيرك يا الله!". تعرضوا لأبشع ما يتعرض له البشر من القتل، والتنكيل، والتهجير، فكانت دماء الشاميين حبراً يُكتب به سفر الخذلان العالمي.
وناهيك عما جرى في يمن الحكمة من تمزيقٍ وتجويع، وفي لبنان الأرز من تضييقٍ وترويع، فباتت حواضر العروبة مسرحاً لمآرب العابثين، ومرتعاً لشذاذ الآفاق والمجرمين.
٣. سؤالُ الاستبطاء.. وبشائرُ السماء
ولما طال ليل الظالمين، ورأيتُ تبخترهم في غيهم يعمهون، وكيف مُدَّ لهم في الطغيان حبلٌ طويل، واستبطأتُ نصر السماء وأنا أرى دماء الأبرياء تسيل، همس طائف اليأس، وضاق الصدر بما حوى، فصرختُ بلسان الحال والمقال، كما صرخ الرسل والذين آمنوا من قبل: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾؟
وهنا أتذكر حديث خباب بن الأرت رضي الله عنه حين شكى لرسول الله ﷺ وهو متوسد بردة في ظل الكعبة فقال: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟ فقال ﷺ: "والله ليتمن هذا الأمر... ولكنكم تستعجلون". وفي غمرة ذلك الدجى، كانت العناية الإلهية تتلطف بالروح المتعبة، فكنت أرى في منامي رؤى تتواتر، وصوراً شتى تتظاهر، تختلف أشكالها، ويتفق مآلها؛ كلها تشير إلى زوال دولتهم، وانقشاع غمتهم. كانت تلك الرؤى ندىً يبرد حرقة القلب، وهاتفاً يهتف في الوجدان: صبراً، فإن موعدهم الصبح، أليس الصبح بقريب!
٤. مصارعُ القوم.. وإبداعُ الانتقام
فبات حليف الأمس عدو اليوم، يمزقهم كل ممزق، ويفتك بهم فتكاً ذريعاً، ليصدق فيهم قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. لقد أبدع المولى جل جلاله في إهلاكهم، فجاءهم البأس من حيث أمِنوا، وأُتوا من مأمنهم، فإذا بنيانهم يخرُّ من القواعد.
قصة من التاريخ: يروي لنا التاريخ أن يحيى بن خالد البرمكي لما سُجن وصودرت أمواله، دخل عليه ابنه في السجن فقال: يا أبتِ، بعد الأمر والنهي والنعمة والقصور، صرنا إلى هذا الحال والقيود؟ فقال يحيى كلمته الخالدة: "يا بني، دعوة مظلومٍ سرت بليلٍ غفلنا عنها، ولم يغفل الله عنها". إنها سُنّة الله التي لا تحابي أحداً، وكأسٌ يدور على كل ظالمٍ حتماً سيشرب منه حنظلاً وزقوماً.
٥. فجرُ اليقين.. بلى ولكن ليطمئنَّ قلبي
أمام هذا المشهد المهيب، حيث يُبدع الجبار في الانتقام، وتتجلى سننه في خلقه، زال كل شك، واضمحل كل استبطاء، وقرأتُ بعين البصيرة والرضا جواب السماء الحاسم: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. نعم، نحن مؤمنون، كنا نوقن أن للباطل جولة وللحق دولة، ولكننا احتجنا أن نرى مصارعهم لنجدد العهد، ونمسح على جراحنا، ونقول كما قال خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام حين سأل ربه أن يريه كيف يحيي الموتى: ﴿بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾... نعم، لنزداد إيماناً مع إيماننا. وأختم بأبياتٍ فخمةٍ تصدح بحقيقة هذا الكون، سطرها الإمام الشافعي، وكأنها كُتبت لزماننا هذا:
فيا أيها المظلومون في كل شبر من أوطاننا الجريحة، امسحوا دموعكم، وارفعوا رؤوسكم، فقد أذن الله لليل أن ينجلي، ولشمس العدل أن تشرق، وإن غداً لناظره لقريب. وفيه قلت: عَاقِبَةُ البَاغِين سَقَانَا الظَّالِمُونَ كُؤُوسَ قَهْرٍ وَخَالُوا أَنَّ دَوْلَتَهُمْ تَدُومُ
فَصَابَرْنَا وَقُلْنَا وَعْدُ رَبِّي قَرِيبٌ لَا يَغُرَّكُمُ النَّعِيمُ
فَلَمَّا حَانَ مِيقَاتُ التَّجَلِّي أَتَاهُمْ مِنْ حَلِيفِهِمُ الجَحِيمُ
أَذَاقَهُمُ الإِلَهُ عَذَابَ خِزْيٍ وَحُكْمُ اللَّهِ فِي البَاغِي أَلِيمُ
وَأَبْصَرْنَا مَصَارِعَهُمْ عِيَانًا لِتَشْفَى مِنْ هَلَاكِهِمُ الكُلُومُ
فَطَابَتْ أَنْفُسٌ بِالوَعْدِ لَمَّا تَجَلَّى النَّصْرُ وَانْجَلَتِ الهُمُومُ
