رجوع إلى البحوث السياسة الشرعية والشأن العام

النظام السياسي في الإسلام: بين ثبات المبادئ ومرونة التطبيق

السياسة الشرعية والشأن العام٤ دقائق للقراءة٦٨٨ كلمة

إن الشريعة الإسلامية الغرّاء، قد جاءت بالمنهج الأسمى والأسماء، فلم تكن في تشريعها جوفاء، بل كانت لكل زمان ومكان روّاء، ولكل معضلة دواء.

ومن عظيم حكمتها وكمالها، وتمام نعمتها وجمالها، أنها لم تختر لنظام الحكم شكلاً جامداً لا يتغير، ولا قالباً واحداً لا يتبدل ولا يتطور، بل رسمت له خطوطاً عريضة لا تُتجاوز، وأقامت له مبادئ راسخة لا تتزعزع، كالشورى والعدل والمساواة، وترك الظلم والمحاباة، ثم تركت للأمة في كل عصرٍ وجيل، أن تختار من الآليات ما يناسبها ويحقق لها المقصد النبيل، وذلك سر خلودها وصلاحيتها، ومرونتها وسعتها، فلو حُدّدت صورة معينة للحكم لضاقت بها الأجيال، ولشقّ عليها الأمر في كل حال، مع اختلاف الأعراف وتبدل الأحوال.

أصول راسخة كالجبال:

لقد أرسى الإسلام دعائم الحكم على أصول ثابتة، وقواعد سامقة، فهي كالجبال الرواسي لا تزول، وكالنجوم الزاهرة لا تأفل. وفي مقدمة هذه الأصول يأتي مبدأ الشورى، الذي جعله الله صفة للمؤمنين، وقرنه بأعظم شعائر الدين، فقال عز من قائل: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (الشورى: 38).

ولم يكتفِ بذلك، بل أمر به نبيه المعصوم، الذي لا ينطق عن الهوى، فقال جل وعلا: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: 159). وقد قال الإمام القرطبي في تفسيره: "الشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه" . فالشورى ليست مجرد إجراء شكلي، بل هي روح النظام السياسي الإسلامي وعصبه، وهي الضمانة ضد الاستبداد والتفرد، والطريق إلى القرار الأصوب. وإلى جانب الشورى، يقوم صرح الحكم في الإسلام على عماد العدل الذي قامت به السماوات والأرض، وهو غاية الرسالات ومقصد الشرائع، فلا قيمة لحكم لا يعدل، ولا خير في نظام يظلم. وكذلك مبدأ المساواة الذي هدم به الإسلام فوارق الجاهلية، وأذاب به نعرات العصبية، فلا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح، فالناس سواسية كأسنان المشط أمام شرع الله وحكمه.

مرونة التطبيق وصلاحية لكل عصر

وإذا كانت هذه المبادئ ثابتة لا تتغير، فإن آليات تطبيقها ووسائل تحقيقها تتسم بالمرونة والسعة، وتخضع للاجتهاد البشري بما يحقق المصالح المعتبرة ويدرأ المفاسد المتوقعة. وهذا هو الميدان الرحب الذي تتجلى فيه حيوية الفقه السياسي الإسلامي وقدرته على مواكبة المستجدات. فما كان يعرف قديماً بـ "أهل الحل والعقد" الذين يختارون الحاكم وينصبونه، يمكن أن نجد له صورة معاصرة في المجالس النيابية والبرلمانات المنتخبة، وما كان يعرف ببيعة الخاصة والعامة، يمكن أن يتحقق اليوم عبر صناديق الاقتراع والاستفتاءات العامة. ومن هذا المنطلق، نتعامل مع أنظمة الحكم المعاصرة، فنأخذ منها ما يتوافق مع مبادئنا ويحقق مقاصدنا، ونطرح منها ما يصطدم مع شريعتنا ويناقض قيمنا. فالانتخابات المعاصرة، إنما هي في جوهرها آلية لاختيار من يمثل الأمة وينوب عنها في الرأي والقرار، فهي صورة من صور اختيار النقباء والعرفاء في صدر الإسلام، فأصلها مشروع ومقصدها مقبول .

ولكن لا بد من الاعتراف بأن هذه الآلية ليست منزهة عن الخلل، ولا معصومة من الزلل، بل تحيط بها سلبيات معلومة، وشوائب مذمومة، تحتاج إلى تهذيب وتنقية، وإصلاح وتزكية.

تحديات الواقع وسبيل الإصلاح

إن الناظر في واقعنا اليوم ليرى عجباً، ويأسى ألماً، حين يرى خيار القوم وأفاضلهم يتقدمون للترشيح، ثم لا يفوز منهم إلا القليل، بينما يتصدر المشهد من عليه شوائب في نزاهته، وملاحظات في عدالته.

وذلك لأن الاختيار قد تُرك لعوام الناس وبسطائهم، ممن لا بصيرة له ولا دراية، فيتبع مصلحته الشخصية على حساب مصلحة الأمة الكلية، أو يسهل خداعه بالوعود الكاذبة، والضحك عليه بالشعارات الزائفة، فيُشترى صوته بالمال الحرام، ويُستمال قلبه بالكلام المعسول، فتضيع الأمانة، وتنتفي الغاية التي من أجلها شرعت الشورى، ويصبح المجلس الذي كان يُرجى منه أن يكون حصناً للحق، ومنارة للعدل، مرتعاً للمصالح الضيقة، ومسرحاً للصفقات المشبوهة.

إن السبيل إلى الإصلاح لا يكون برفض هذه الآليات جملة وتفصيلاً، والعودة إلى الوراء، بل يكون بتهذيبها وتنقيتها، وتحسين إجراءاتها وتقويتها.

وذلك من خلال وضع معايير وضوابط للمرشحين والناخبين على السواء، فلا يُترك باب الترشيح مفتوحاً لكل من هب ودب، بل يقتصر على أهل الكفاءة والأمانة، والعلم والديانة. ولا يُترك الاختيار لعامة الناس دون توعية وتوجيه، بل يجب أن يقوم أهل العلم والرأي بواجبهم في تبصير الأمة، وإرشادها إلى اختيار الأصلح والأقوى والأمين، حتى لا نؤتى من قبل جهلنا، ولا يُضيع أمرنا بين أيدي السفهاء منا.

فإذا حسنت النوايا، وصفت المقاصد، واجتهدنا في إصلاح الآليات، فإننا نرجو أن نحقق الغاية، ونصل إلى الهدف المنشود، في إقامة حكم راشد، يقوم على شورى حقيقية، وعدل شامل، يحقق للأمة عزها ومجدها، وسعادتها في الدنيا والآخرة.

شارك المقالة

Scroll to Top