رجوع إلى البحوث السياسة الشرعية والشأن العام

الانتخابات في ميزان الشريعة: رؤية تأصيلية ومعاصرة

السياسة الشرعية والشأن العام٦ دقائق للقراءة١٬٠٥١ كلمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإن من القضايا المعاصرة التي تشغل حيزاً كبيراً من النقاش العام، وتتعلق بها مصالح الأمة ومستقبلها، قضية الانتخابات. وهي وإن كانت آلية حديثة في تطبيقاتها وصورها، إلا أن مبادئها الأساسية وأصولها العامة تجد لها في الشريعة الإسلامية جذوراً راسخة وأصولاً متينة. فالانتخابات في جوهرها ليست إلا شكلاً من أشكال التوكيل والإنابة، وهي من العقود الجائزة في الإسلام، بل قد تكون واجبة في بعض الأحوال لتحقيق مقاصد الشريعة في إقامة العدل وحفظ مصالح العباد.

القسم الأول: مفهوم الانتخابات وتأصيلها الشرعي

إن الانتخابات، في حقيقتها، هي عملية اختيار من ينوب عن الأمة أو طائفة منها في تولي منصب من المناصب العامة، سواء كان ذلك في مجلس نيابي، أو مجلس بلدي، أو غير ذلك من الولايات. وهذا الاختيار هو نوع من التوكيل، حيث يوكل الناخبون المرشح في أن يمثلهم، ويدافع عن مصالحهم، ويسعى في تحقيق ما فيه خيرهم وصلاحهم.

والوكالة من العقود المشروعة في الإسلام، وقد دل على جوازها الكتاب والسنة والإجماع.قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: 19].

ففي هذه الآية دليل على جواز الوكالة في الشراء، ويقاس عليها غيرها من التصرفات. ومن السنة، ما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم وكل عروة بن الجاعد في شراء أضحية، ووكل أبا رافع في قبول نكاح ميمونة رضي الله عنها. وقد أجمع المسلمون على جواز الوكالة في الجملة.وإذا كانت الانتخابات نوعاً من الوكالة، فإنها تأخذ أحكامها، وتجري عليها ضوابطها. ومن أهم هذه الضوابط أن يكون الموكل فيه أمراً مباحاً، وأن يكون الوكيل قادراً على القيام به. وفي سياق الانتخابات، فإن الموكل فيه هو تمثيل الأمة في المطالبة بحقوقها، والسعي في مصالحها، وهذا من أعظم القربات إذا صلحت النية، وقام الوكيل بواجبه على الوجه المطلوب.

القسم الثاني: الشورى والانتخابات: مقارنة تاريخية ومعاصرة

من المهم عند الحديث عن الانتخابات في السياق الإسلامي، أن نميز بينها وبين مبدأ الشورى، الذي هو أصل من أصول الحكم في الإسلام. فالشورى مبدأ رباني، أمر الله به نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159]، وجعله صفة للمؤمنين، فقال: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38].

والشورى في الإسلام ليست مجرد آلية لاختيار الحاكم، بل هي منهج حياة، وأسلوب في اتخاذ القرارات في جميع شؤون الدولة والمجتمع. وقد تجلت تطبيقات الشورى في أبهى صورها في عهد الخلفاء الراشدين، حيث كانوا يستشيرون أهل الحل والعقد في كبريات الأمور. أما الانتخابات، فهي آلية معاصرة لتطبيق مبدأ الشورى في اختيار الحكام والنواب. وهي وإن اختلفت في صورتها عن تطبيقات الشورى التاريخية، إلا أنها تتفق معها في الجوهر، وهو إشراك الأمة في اختيار من يتولى أمورها. ويمكن تلخيص أبرز أوجه التشابه والاختلاف بين الشورى والانتخابات في الجدول التالي: الانتخابات المعاصرةالشورى في المفهوم الإسلاميوجه المقارنةآلية وضعية لتنظيم المشاركة السياسية أمر إلهي ومبدأ شرعي الأساس يقتصر غالباً على اختيار الحكام والنواب يشمل جميع شؤون الدولة والمجتمع النطاق جميع المواطنين الذين يحق لهم التصويت أهل الحل والعقد (العلماء والوجهاء وأهل الخبرة)أهل الشورىنتيجة الانتخابات ملزمة قانوناً

اختلف الفقهاء في إلزامية نتيجة الشورى للحاكم الإلزامتحقيق الديمقراطية والتداول السلمي للسلطةتحقيق مقاصد الشريعة وتحقيق المصلحة العامةالغايةمن خلال هذا الجدول، يتضح أن الانتخابات يمكن أن تكون أداة فعالة لتطبيق مبدأ الشورى في العصر الحديث، إذا ما روعيت فيها الضوابط الشرعية، وتوجهت لتحقيق مقاصد الشريعة في إقامة العدل والمساواة، وحفظ مصالح الأمة.

القسم الثالث: شروط اختيار المرشح وضوابطه

إن اختيار من يمثل الأمة في المناصب العامة ليس بالأمر الهين، بل هو أمانة عظيمة ومسؤولية جسيمة. وقد وضعت الشريعة الإسلامية ضوابط ومعايير لاختيار من يتولى هذه المناصب، يمكن إجمالها في الآتي:

1.

الكفاءة والقوة والأمانة

يجب على الناخب أن يتحرى فيمن يختاره صفات القوة والأمانة، وهما ركنان أساسيان في كل ولاية. قال الله تعالى على لسان ابنة شعيب عليه السلام: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26]. والقوة في كل منصب بحسبه، فقوة القائد العسكري تختلف عن قوة القاضي، وقوة المشرع في البرلمان تكمن في علمه وفهمه للواقع، وقدرته على استنباط الحلول الشرعية للمشكلات، وقدرته على المدافعة عن حقوق الأمة ومصالحها.

والأمانة هي خشية الله تعالى، ومراقبته في السر والعلن، والبعد عن الخيانة والغش.

2.

قاعدة ارتكاب أخف الضررين

في واقعنا المعاصر، قد لا نجد المرشح الذي تكتمل فيه جميع صفات الكمال.

وهنا يأتي دور الفقه والنظر المصلحي، حيث تقضي القاعدة الشرعية بأنه "إذا تعارضت مفسدتان، روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما". فإذا كان لا بد من اختيار أحد المرشحين، ولم يكن فيهم من هو خال من النقص أو الخطأ، فإنه يتعين على الناخب أن يختار أصلحهم وأقلهم شراً، وأقربهم إلى تحقيق مصالح الأمة. وهذا من باب تقليل الشر قدر الإمكان، ودفع المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى.

3. تقديم الأقوى على الأدين عند التعارضقد يتعارض في المرشح جانبان

جانب القوة والقدرة على استخراج الحقوق وتحقيق المصالح، وجانب الدين والورع. وقد نص أهل العلم على أنه في الولايات التي تحتاج إلى قوة وقدرة على الإدارة والسياسة، يقدم الأقوى الفاجر على الضعيف العابد. "ولهذا كان عمر بن الخطاب يستعمل أُناساً ويعلم أن غيرهم أصلح منهم في الدين، لكنهم أقوى على العمل". وهذا من دقيق فقه السياسة الشرعية، الذي يوازن بين المصالح والمفاسد، ويقدم ما فيه تحقيق المصلحة العامة.

القسم الرابع: محظورات شرعية في العملية الانتخابية

كما أن الشريعة قد وضعت ضوابط للاختيار، فإنها قد حذرت من ممارسات فاسدة قد تصاحب العملية الانتخابية، ومنها:

1.

بيع الأصوات والبطاقات الانتخابية

إن صوت الناخب شهادة وأمانة، فلا يجوز له أن يبيع شهادته، أو يخون أمانته. وبيع البطاقات الانتخابية من كبائر الذنوب، لما فيه من شهادة الزور، وتولية من لا يستحق، وتقوية لأهل الفساد. قال الله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: 30].

2.

الترويج لأهل الفساد

يحرم على المسلم أن يروج لمرشح يعلم أنه فاسد، أو أنه سيسعى في الأرض فساداً. فإن في ذلك إعانة له على إثمه وعدوانه، والله تعالى يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].

3.

الرشوة الانتخابية

يحرم على المرشح أن يقدم الرشوة للناخبين، كما يحرم على الناخبين قبولها. والرشوة هي ما يعطى لإحقاق باطل أو إبطال حق.

وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي.

والرشوة الانتخابية من أبشع صور الرشوة، لأنها تتعلق بمصلحة الأمة كلها.

خاتمة

إن الانتخابات وسيلة معاصرة لتحقيق مقاصد الشريعة في اختيار الحكام والنواب، وهي أمانة ومسؤولية. ويجب على كل مسلم أن يتقي الله فيمن يختاره، وأن يكون معياره في الاختيار هو القوة والأمانة، وأن يجتنب المحظورات الشرعية التي قد تشوب هذه العملية. ونسأل الله أن يولي على المسلمين خيارهم، وأن يوفقهم لما فيه صلاح البلاد والعباد.

شارك المقالة

Scroll to Top