رجوع إلى البحوث السياسة الشرعية والشأن العام

بين سيف الإيمان ودرع الأسباب: معادلة النصر الخالدة

السياسة الشرعية والشأن العام٣ دقائق للقراءة٤٣٧ كلمة

أيها المؤمنون بالله، السائرون في دروب الحياة، اعلموا أن الحياة في سبيل الله، كالموت في سبيل الله، جهادٌ مبرورٌ وجهدٌ مشكور. وأن الإخفاق في ساحات الدنيا، يورث الخذلان في معارك الدين، فتلك حقيقةٌ كالشمس في رابعة النهار، لا ينكرها إلا من أعمى بصره الهوى، أو أغلق قلبه الجهل.

فما زال فينا من يحسبُ أن هذا الدين العظيم، مجاله المسجد والمحراب، وأن منتهاه المنبر والخطاب. وما علموا أن هذا الدين إن لم يزأر في ميادين الحياة زئير الأسود، فلن يبقى له حتى أثرٌ في المساجد، ولن يُسمع له صوتٌ في المنابر. فالدين الذي لا يبني مصنعاً بجوار مسجده، ولا يرفع علماً بجانب مئذنته، هو دينٌ أعزل، سيُغلب على أمره، ويُسلب حقه.

ولنا في سِيَر العظماء أسوةٌ حسنة، وذكرى لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد. فهذا صلاح الدين، فارس حطين، وبطل المسلمين، عشية المعركة الكبرى، لم يكتفِ بالنظر إلى خيام العبّاد والزهّاد، الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع، يدعون ربهم خوفاً وطمعاً، فيقول: "من هنا تبزغ شموس النصر". بل نظر بعين البصيرة إلى ما أعدّ من قوةٍ وبأس، فكانت له مجانقُ تقذف الرعب في قلوب الأعداء، وتزلزل الأرض من تحت أقدامهم. فما انتصر بالدعاء وحده، ولا بالسلاح وحده، بل بتلك المعادلة الربانية: إيمانٌ يطال عنان السماء، وأسبابٌ تضرب جذورها في أعماق الأرض.

وذاك محمد الفاتح، الشاب التقي، والسلطان النقي، الذي بشّر به النبي العدنان، فقال: "لتُفتحنّ القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش". ما كان نصره وليد صلاةٍ وصيامٍ فحسب، بل كان معه أقوى مدفعٍ عرفته الدنيا يومذاك، يدكّ حصون الكفر دكّاً، ويفتح أبواب النصر فتحاً مبيناً. فهل انتصرنا بالمدافع؟ كلّا، فما أكثرها اليوم في أيدينا، ولكنها خاويةٌ من روح الإيمان، فارغةٌ من عزيمة الرجال. وهل ننتصر بغير المدافع؟ كلّا، فمن لا يملك أسباب القوة، يُباد ويهان.

إنها العبادة الحقة، والأخذ بالأسباب بصدقٍ ويقين. ألم تروا إلى نبيكم الكريم، يوم هاجر من بطحاء مكة، كيف استأجر دليلاً خبيراً بالطريق، ولم يقل: "أنا نبيٌّ ورسول، وسيهديني ربي سواء السبيل"؟ بل علّمنا أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، وأن التوكل لا يعني التواكل. ويوم أُحد، لبس درعين اثنتين، ولم يقل: "أنا الذي لا يُغلب، وسأنجو بحفظ الله"؟ بل أراد أن يخطّ للأمة منهجاً واضحاً: أن المعارك لا تُخاض بالصدور العارية، ولا بالقلوب المؤمنة وحدها، بل بالإيمان الذي يملأ القلوب، وبالدروع التي تحمي الظهور.

فيا أمةً تستجدي قوتها من عدوها، وتستورد أسباب بقائها من خصومها، من الإبرة التي تخيط بها ثوبها، إلى الصاروخ الذي تحمي به أرضها، أنّى لها النصر؟ وكيف لها العزة؟ إن الأمة التي لا تصنع سلاحها، لا تملك قرارها. ومن سلّم رقبته لغيره، فلا يلومنّ إلا نفسه إذا أصبحت يداه مغلولةً إلى عنقه. فاستيقظوا من سباتكم، واجمعوا بين الدين والدنيا، وبين المسجد والمصنع، وبين المحراب والمعمل، فبذلك وحده تعود لكم أمجادكم، وتشرق عليكم شمس حضارتكم.

شارك المقالة

Scroll to Top