رجوع إلى البحوث السياسة الشرعية والشأن العام

ديانة بلا قضية: صحوة الهوية في زمن الذوبان

بين المحراب والميدان: رسالة إلى أهل السنة في العراق

السياسة الشرعية والشأن العام٣ دقائق للقراءة٤٢٥ كلمة

ا.د.

فإن في ذكرى مولد سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، تتجلى معانٍ عظيمة ودلالات جليلة، تستدعي من أهل السنة في العراق وقفة صادقة مع النفس، ومراجعة حكيمة للواقع، ونظرة ثاقبة للمستقبل.

الداء والدواء: تشخيص الواقع المرير

إن الناظر في حال أهل السنة اليوم في العراق، يجد عجباً عجاباً، وأمراً يدعو للأسى والحزن. فترى القوم يؤدون الصلوات، ويحضرون الجمعات، ويقيمون الطاعات، ويحتفلون بالمناسبات، لكنهم في الوقت نفسه غائبون عن قضاياهم، منقطعون عن همومهم، منفصلون عن واقعهم، كأنهم يعيشون في عالم آخر، أو كأن الدين عندهم طقوس بلا روح، وعبادات بلا قضية.

فأين هم من قضايا أمتهم؟ وأين هم من هموم مجتمعهم؟ وأين هم من التحديات التي تواجه وجودهم؟

بين التماهي والتميز: خطر الذوبان

لقد أصبح كثير من أهل السنة اليوم يتماهون مع المذاهب الأخرى، بحجة التعايش تارة، والخوف تارة أخرى، والمجاملة تارة ثالثة، والتملق تارة رابعة. وهذا التماهي المفرط، والذوبان المدمر، يؤدي حتماً إلى اندثار الهوية، وضياع الخصوصية، وفقدان الشخصية المتميزة. إن التعايش مطلوب، والسلم مرغوب، والوئام محبوب، لكن ليس على حساب الهوية، وليس بثمن الذوبان، وليس مقابل التنازل عن الثوابت والأصول.

صرخة في وجه الزمن: نحو هوية واضحة

ومن الأمثلة الاحتفال بمولد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، ليس مجرد طقس ديني، أو مناسبة اجتماعية، بل هو مناسبة لإعلان هوية، وإظهار انتماء، وتأكيد وجود، وإثبات حضور. فعندما تتزين المساجد، وتتجمل الشوارع، وتتباهى البيوت بحلتها الإيمانية، فإن ذلك رسالة واضحة للعالم: أننا هنا، وأننا موجودون، وأننا متمسكون بديننا، معتزون بهويتنا، فخورون بانتمائنا.

الجيل القادم: أمانة في الأعناق

إن أخطر ما يواجه أهل السنة اليوم، هو خطر الجناية على الجيل القادم، بتربيته على الخجل من الهوية، والتنكر للانتماء، والذوبان في الآخرين. فإذا لم نعلم أطفالنا الاعتزاز بدينهم، والفخر بمذهبهم، والثبات على عقيدتهم، فمن سيحمل الراية بعدنا؟ ومن سيحافظ على الهوية من بعدنا؟

دعوة للصحوة: من الغفلة إلى اليقظة

إن الوقت قد حان لصحوة حقيقية، ونهضة جادة، وثورة فكرية، تعيد لأهل السنة في العراق هويتهم المفقودة، وشخصيتهم المتميزة، ودورهم الريادي. فلا يكفي أن نكون مؤمنين في المساجد، ونكون غائبين في الميادين. ولا يكفي أن نكون عابدين في المحاريب، ونكون صامتين في القضايا. ولا يكفي أن نكون متدينين في الشعائر، ونكون ذائبين في الهوية.

ختاما

إن مولد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، يذكرنا بأن الإسلام دين ودولة، وعقيدة وشريعة، وعبادة وقضية. وأن المسلم الحق هو الذي يجمع بين صلاح الدين وصلاح الدنيا، وبين عمارة الآخرة وعمارة الأرض، وبين التعبد والتحضر. فلنجعل من هذه المناسبة العظيمة، نقطة انطلاق نحو هوية واضحة، وشخصية متميزة، ووجود فاعل، ودور ريادي، يليق بأتباع خير البرية، وأمة خير أمة أخرجت للناس. والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"

شارك المقالة

Scroll to Top