رجوع إلى البحوث الفكر والمنهج وآداب العلم

أميتوا الباطلَ بالتغاضي عنه

الفكر والمنهج وآداب العلم٤ دقائق للقراءة٧١٩ كلمة

في عصرٍ تلاطمتْ فيه أمواجُ التواصل، واختلطَ فيه الحابلُ بالنابل، وعجّتْ فجاجُ الفضاءِ الرقميِّ بالصالحِ والطالح، والنافعِ والجارح، باتَ من المُؤسفِ حقًا، والمُحزِنِ صدقًا، انشغالُ أهلِ الرأيِ والنُّهى، وأعلامِ الفضلِ والحِجَا، بكلِّ ما هبَّ ودبَّ، وما خفَّ واستتبَّ، من تافهِ القولِ وساقطِ الخبر. فما أن يرمي أحدهم في هذا الخِضَمِّ الهائجِ بتصريحٍ تافه، أو خبرٍ زائف، أو معلومةٍ لا يُعرفُ لها أصلٌ ولا يُدرى لها مصارف، حتى يتهافتَ على الرَّدِ عليه خيرةُ القوم، ويتسارعَ لنقضهِ أولو العلمِ والفهم، فيُعطونه بجدالهم حجمًا وقيمة، ويُلبسونه بردِّهم عليه شأنًا وهيبة. ولو أنهم تركوه في غيِّه يعمه، وفي وحلِهِ يسبح، لماتَ خبرُه في مهده، واندثرَ أثرُه قبل أن يشتدَّ عودُه، فما الباطلُ إلا كالشَّرر، لا يضطرمُ إلا إن وجدَ له حطبًا ومُستقر، فإذا أُهمِلَ خبا واندثر.فيا أهلَ العقولِ الراجحة، والنفوسِ الصالحة، أميتوا الباطلَ بالإعراضِ عنه، ودعوه يموتُ في مهدهِ بغيرِ دفنٍ ولا كفنٍ.

فإنَّ الانشغالَ بالردِّ على كلِّ سفيهٍ مضيعةٌ للوقتِ الثمين، وإنفاقٌ للعمرِ في غيرِ ما ينفعُ في الدنيا والدين. ولقد صدقَ القائلُ في بديعِ مقاله، وحكيمِ أقواله: "ولو أنَّ كلَّ كلبٍ عَوَى ألقمته حجرًا، لأصبحَ الصخرُ ياقوتًا وتِبرا". فترفَّعوا بأنفسكم عن مستنقعِ التفاهات، وصونوا أوقاتكم عن الردِّ على أهلِ الجهالات. وإنَّ في قولِ الإمامِ الشافعيِّ رحمه الله، لخيرَ دليلٍ على سموِّ النفسِ وعزَّتها، ورفعتها عن الدنايا وهمَّتها، حيثُ قال: إِذا سَبَّني نَذلٌ تَزايَدتُ رِفعَةً وَما العَيبُ إِلّا أَن أَكونَ مُسابِبُه وَلَو لَم تَكُن نَفسي عَلَيَّ عَزيزَةً لَمَكَنتُها مِن كُلِّ نَذلٍ تُحارِبُه فلتكنْ نفوسُكم عليكم عزيزة، فلا تُمكِّنوها من كلِّ باطلٍ يُنازلُها، ولا تُلقوا بالًا لكلِّ ساقطٍ يُجادلُها. فإنَّ في التغاضي نصرًا، وفي الإعراضِ قهرًا، وفي السكوتِ عن الباطلِ إماتةً له ووأدًا.

وإنَّ من الحكمةِ البالغة، والفطنةِ الرائعة، أن يُدركَ المرءُ أنَّ ليس كلُّ ما يُقالُ يستحقُّ الردَّ والنقاش، وليس كلُّ من نطقَ بباطلٍ يستوجبُ الجدالَ والنقاش. فالوقتُ أثمنُ من أن يُبذَلَ في غيرِ موضعه، والعمرُ أغلى من أن يُنفقَ في غيرِ نفعه. وقد قيل: "من كثُرَ كلامُه كثُرَ خطؤه، ومن كثُرَ جدالُه قلَّ وقارُه". فليكنْ انتقاؤكم لما تُجيبون عنه، وما تردُّون عليه، من حُسنِ تدبيركم، وجميلِ تقديركم. وفي زماننا هذا، حيثُ أصبحتْ وسائلُ التواصلِ ميدانًا فسيحًا لكلِّ قائلٍ ومُدَّعٍ، ومنبرًا مفتوحًا لكلِّ جاهلٍ ومُبتدع، فإنَّ الحاجةَ تشتدُّ إلى التحلِّي بالحكمةِ والروِيَّة، والتزامِ الصمتِ عن السفاهةِ والدنيَّة. فليس كلُّ من أخطأَ يجبُ أن تُصحِّحَ له، وليس كلُّ من ضلَّ يلزمُك أن ترشدَه وتُبصِّرَه. فإنَّ من الناسِ من لا يُريدُ الحقَّ بل يُريدُ الجدل، ومنهم من لا يطلبُ الهدايةَ بل يطلبُ الشهرةَ والظهور.وإنَّ من أعظمِ الحكمةِ أن تعرفَ متى تتكلَّم ومتى تصمت، ومتى تُجيبُ ومتى تُعرض.

فالصمتُ في موضعهِ فضيلة، والكلامُ في غيرِ موضعهِ رذيلة. وقد قال بعضُ السلف: "ما ندمتُ على سكوتي قطُّ، وأمَّا على الكلامِ فكثيرًا". فاحفظوا ألسنتَكم عن الخوضِ في كلِّ ما يُقال، واحفظوا أوقاتَكم عن الانشغالِ بكلِّ ما يُنقَل ويُتداول. ولقد كان من هديِ السلفِ الصالح، وسيرةِ الأئمةِ الأعلام، الإعراضُ عن السفهاء، والصفحُ عن الجهلاء. فلم يكونوا يردُّون على كلِّ من خالفهم، ولا يُجيبون على كلِّ من جادلهم. بل كانوا يُميِّزون بين ما يستحقُّ الردَّ فيردُّون عليه بعلمٍ ورفق، وبين ما لا يستحقُّ فيُعرضون عنه بحكمةٍ وحلم. وفي ذلك صيانةٌ للنفسِ عن الدنايا، وحفظٌ للوقتِ عن الهدرِ والضياع. فيا أيُّها العقلاء، ويا أصحابَ الفضلِ والنُّبلاء، إنَّ الباطلَ ضعيفٌ بذاته، هزيلٌ في بنيته، لا يقوى إلا بما تمنحونه من اهتمام، ولا يشتدُّ إلا بما تُعطونه من انشغالٍ وانهمام. فإذا تركتموه وشأنَه، وأعرضتم عن سفهِ قائله وجهالته، ماتَ من تلقاءِ نفسه، واضمحلَّ بغيرِ جهدٍ منكم ولا عناء.

فأميتوا الباطلَ بالتغاضي عنه، وأهملوه حتى يموتَ في مهده، فذلك أبلغُ في إماتته، وأنجعُ في إسكاته.

واعلموا أنَّ من أعظمِ الفتنِ في زماننا، أن ينشغلَ أهلُ العلمِ والفضل، وأصحابُ الرأيِ والعقل، بالردِّ على التفاهات، والانشغالِ بالسفاهات، حتى يُضيِّعوا أوقاتَهم الثمينة، ويُبدِّدوا طاقاتِهم النفيسة، في غيرِ ما يُفيدُ الأمَّة، أو يرفعُ من شأنها وهمَّتها. فليكنْ همُّكم منصرفًا إلى ما ينفعُ الناس، وليكنْ جهدُكم موجَّهًا إلى ما يبقى في الأرض، من علمٍ نافع، وعملٍ صالح، وخُلُقٍ رفيع.وفي الختام، فإنَّ الدعوةَ إلى التغاضي عن الباطلِ وإهماله، ليست دعوةً إلى السكوتِ عن الحقِّ أو التخاذلِ عن نُصرته، بل هي دعوةٌ إلى حُسنِ الاختيار، وجميلِ التقدير، فيما يُردُّ عليه وما يُترَك.

فليس كلُّ باطلٍ يستحقُّ أن تُشهِرَ سيفَ الحقِّ في وجهه، وليس كلُّ ضلالٍ يستوجبُ أن تُشعِلَ نارَ الجدالِ لإطفائه. فاختاروا معاركَكم بحكمة، وانتقوا ما تُجيبون عنه بفطنة، فإنَّ في ذلك حفظًا للوقتِ والجهد، وصيانةً للنفسِ عن الإرهاقِ والكدّ.فأميتوا الباطلَ بالتغاضي عنه، وارفعوا أنفسَكم عن مستنقعِ التفاهات، واجعلوا همَّكم فيما يُعلي شأنَكم، ويرفعُ قدرَكم، عند اللهِ ثمَّ عند الناس. فذلك هو الفوزُ الحقيقيّ، والنجاحُ الأبديّ. والله المستعان، وعليه التكلان.

شارك المقالة

Scroll to Top