الحمد لله الذي أنزل الكتاب بالحكمة والبيان، وجعل العلماء ورثة الأنبياء، والصلاة والسلام على نبينا محمد، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإن الفتوى منصب جليل، ومقام عظيم، به تُحفظ الأحكام، وتُصان الشريعة، ويستقيم أمر الناس. ولكن مع انتشار وسائل الإعلام الحديثة، وتعدد منابر التواصل الاجتماعي، أصبحنا نرى ظواهر مقلقة، وتجاوزات خطيرة في هذا الباب العظيم، مما يستدعي وقفات للمراجعة والتأمل، وبيان ما فيها من أنوار وأخطار، عسى أن تكون تذكرة لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد.
الوقفة الأولى: الفتوى في المنازعات.. بين السماع والاندفاع
من المشاهد المتكررة في برامج الإفتاء المرئية والمسموعة، أن يُعرض سؤال يتضمن نزاعاً بين طرفين، سواء كان في مسائل الأسرة والطلاق، أو المعاملات المالية، أو غيرها من الحقوق، فنتفاجأ بالشيخ المتصدي للفتوى يصدر حكماً فورياً، بناء على رواية طرف واحد، دون تمهل أو استفصال. وهذا مسلك خطير، يخالف أصلاً من أصول القضاء والفتوى في المنازعات، وهو ضرورة سماع جميع الأطراف، ومعرفة حقيقة ما جرى، لتكتمل الصورة، ويصح الحكم. نعم، قد يجيب المفتي بحكم مجرد عن الحادثة، كأن يبين الحكم الشرعي العام في مسألة ما، دون أن ينزله على الواقعة المخصوصة، وهذا له وجه من النظر. ولكن الخطر يكمن في الإيحاء للمستفتي وللجمهور بأن هذا هو الحكم النهائي في قضيته، في حين أن الطرف الآخر قد يكون لديه من الحجج والبينات ما يغير وجه المسألة تماماً.
وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا الأصل العظيم حينما قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: "يا علي، إذا جلس إليك الخصمان، فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء" (رواه أبو داود والترمذي). فإذا كان هذا في القضاء، فالفتوى في النزاعات أخت القضاء، ولا ينبغي أن تبتعد عن هذا المنهج الرصين.
الوقفة الثانية: التسرع في الفتوى.. جسر إلى الضلال
إن التسرع في الفتوى آفة عظيمة، وبلية جسيمة، وهي من أعظم ما ابتليت به برامج الفتاوى المباشرة. فمن خلال التتبع والاستقراء، نجد أن نسبة كبيرة من الأجوبة تفتقر إلى الدقة والتحرير العلمي، وربما كان الدافع لمقدم البرنامج أو المفتي هو الحرج من عدم المعرفة، أو الرغبة في الظهور بمظهر العالم المحيط بكل شيء، ولكنه بذلك يقع في إثم عظيم، ويترك أثراً سيئاً في الأمة. وقد كان السلف الصالح من الصحابة والتابعين يكرهون التسرع في الفتوى، ويود كل واحد منهم أن يكفيه إياها غيره. قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: "أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما كان منهم محدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، ولا مفت إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا" . إن المفتي المتسرع كمن يسير في حقل ألغام، لا يدري متى ينفجر به لغم فيضل ويُضل. وقال سحنون بن سعيد، وهو من كبار فقهاء المالكية: "أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما، يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم يظن أن الحق كله فيه" .
وهذا مشاهد في زماننا، حيث يظن البعض أنه بمجرد معرفته ببعض المسائل، أو حفظه لبعض النصوص، قد أصبح أهلاً للفتوى في كل نازلة، وهذا من الجهل المركب.
الوقفة الثالثة: الخوض في كل فن.. من علامات الهون
ومن الظواهر العجيبة التي أفرزتها وسائل التواصل، أن يخرج علينا من يلبس زي أهل العلم، فيتكلم في كل فن، ويحلل كل حدث، سواء كان عسكرياً أو سياسياً أو اجتماعياً، فيخوض فيما ليس له به علم، ويأتي بالعجائب والغرائب. وهذا الصنف من الناس قد أضر بالدين والدنيا، وأسقط هيبة العلم والعلماء في نفوس العامة. إن التخصص سمة من سمات العصر، فكما أن لكل فن أهله، فكذلك علوم الشريعة لها أهلها، بل إن علوم الشريعة نفسها تتنوع وتتفرع، فمنهم المحدث، ومنهم الفقيه، ومنهم الأصولي، ومنهم المفسر. فكيف بمن لم يتقن فناً واحداً من هذه الفنون، ثم تراه يخوض في أعقد القضايا السياسية والاقتصادية، ويصدر فيها أحكاماً قاطعة؟! إن هذا المسلك ليس من منهج أهل العلم الراسخين، الذين كانوا يتورعون عن الخوض فيما لا يحسنون، ويعرفون قدر أنفسهم. وقد قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: "إنما يفتي الناس أحد ثلاثة: من يعلم ما نُسخ من القرآن، أو أمير لا يجد بُدّاً، أو أحمق متكلف" . فلينظر كل متكلم في الشأن العام في أي الأصناف الثلاثة هو.
الوقفة الرابعة: ليس كل معمم فقيهاً.. وليس كل خطيب مفتياً
وهذا خطأ يقع فيه صنفان من الناس: الأول، وهو الجمهور الذي يشكل عليه الأمر، فيحسب أن كل من اعتلى المنبر خطيباً مفوهاً، أو لبس العمامة، هو الإمام، ومفتي الأنام. ويظن أن كل من خرج في برامج الإفتاء هو علامة الدنيا، وأن كل من حمل لقب الدكتوراه أو تخرج من الجامعات الشرعية هو الباحث المحقق. والواقع خلاف ذلك، فالأمة فيها خطباء كثر، ودعاة أكثر، ولكن المؤهلين للفتوى لا يتجاوزون نسبة ضئيلة منهم. والصنف الثاني، هو المسؤول نفسه، الذي يحرج من عدم الإجابة، فيضطر للجواب وإن لم يقف على حقيقة المسألة، ولم تتوفر عنده الدراية الكاملة بها، مع غياب كلمة "لا أدري" من قاموسه. وهذا من تلبيس إبليس عليه، حيث يزين له أن الاعتراف بعدم العلم نقص، مع أن الحقيقة أن قول "لا أدري" هو نصف العلم، وهو علامة على تقوى العالم وورعه.
الوقفة الخامسة: الفتوى بغير علم.. قول على الله بغير علم
إن باب الفتوى باب عظيم، وأمرها جليل، والإفتاء بغير علم هو قول على الله تعالى بغير علم، وهو من أعظم الإثم وأشده، ومن كبائر الذنوب وقبائح العيوب.
وقد رتب الله تعالى المحرمات في سورة الأعراف ترتيباً تصاعدياً، فبدأ بالفواحش، ثم الإثم والبغي، ثم الشرك، ثم ختمها بأعظمها فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 33) [2].
فجعل القول عليه بغير علم فوق الشرك، وذلك لأن ضرره متعد، ومفسدته عامة، فمن أفتى بغير علم فقد أضل نفسه وأضل غيره، وحمل وزره ووزر من أضلهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ (العنكبوت: 13). وقد كان سلفنا الصالح أشد الناس ورعاً في هذا الباب، وأبعدهم عن التسرع والاندفاع. فهذا إمام دار الهجرة، مالك بن أنس رحمه الله، يُسأل عن أربعين مسألة، فيجيب عن أربع منها، ويقول في ست وثلاثين: "لا أدري". فيقول له السائل: يا أبا عبد الله، جئتك من مسيرة ستة أشهر، أأقول للناس إن مالكاً لا يدري؟ فيقول: "نعم، قل لهم إن مالكاً لا يدري" . وقال الإمام الشافعي رحمه الله: "لقد صحبت مالكاً فسئل عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري" .
فأين هذا الورع، وأين هذا التواضع، من حال كثير من المتصدرين للفتوى اليوم، الذين يجيبون عن كل سؤال، ويعلقون على كل حدث، ويعقبون على كل أمر؟ والله لقد غابت كلمة "لا أدري" من قاموس المتصدرين للفتوى، مع أن السلف كانوا يعدونها نصف العلم. قال أبو داود رحمه الله: "قول الرجل فيما لا يعلم: لا أعلم، نصف العلم" . وقديماً قالوا: "من أجاب عن كل ما يُسأل فهو مجنون" .
خاتمة: الله الله في دينكم
فالله الله في دينكم أيها المسلمون، لا تضيعوه بسؤال من ليس أهلاً للفتوى. والله الله في دين الإسلام أيها المتصدرون للإفتاء، لا تنتهكوا حرمته بالجرأة على القول على الله بغير علم. ولنتذكر جميعاً أن الفتوى توقيع عن رب العالمين، فلينظر أحدنا بم يوقع. نسأل الله أن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، وأن يجنبنا الزلل في القول والعمل، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
